شكيب كاظم: رحلة إلى تونس الخضراء

 شكيب كاظم

أكاد لا أعرف على وجه التحديد،لماذا اشغف حبا بتونس؟! وتبحث عن الغاطس من الأسباب،فلاتكاد يسعفك الجواب.هل للمجتمع الحضاري الذي بناه البناة الأوائل، من رجالات الاستقلال؛ الحبيب بورقيبة والباهي الأدغم ومحمد مزالي والشاذلي القليبي؟

هل للسياسة الواقعية الرصينة التي انتهجها هذا البلد الأنيق؟ وظل قادته يؤكدون ضرورة العلم والدرس،وتوسعوا فيهما،لتظهر أجيال متعلمة بنت البلد بالحوار وتقبل الآخر وسعة الصدر.

هل للشابي وما قرأناه من أشعاره في صغرنا وتعاطفنا معه بسبب مرضه ومغادرته الحياة باكرا؟ هل لأن تونس المحطة التي اوصلتني إلى بلدي العراق، يوم عدت من ليبيا في صيف 1996، وكانت محاصرة ولا يسمح لها بالطيران المدني، وبلدي كان هو الآخر محاصرا، فغادرنا ليبيا برا نحو تونس الخضراء واخترقناها من الجنوب حتى العاصمة تونس شمالا، في رحلة تجاوزت العشر ساعات؟ وركبنا الطائرة من مطار قرطاج نحو مطار الملكة علياء في عمان ومنهانحو العراق.وهل. وهل؟!

حتى إذا حانت الفرصة اهتبلتها لاغادرمطار بغداد الدولي على طائرة الخطوط الجوية العراقية،عند الساعة الحادية عشرة من ليلة الأحد 28/ من تموز/ يوليو/  2019،وبعد سفر متواصل ناف على الخمس ساعات،هبطت بنا الطائرة في مطار قرطاج الدولي فجر الأحد،واضعين في الحسبان فرق الساعتين بين توقيت البلدين.لياخذنا الدليل وهو عراقي نحو مدينة سوسة السياحية الساحلية الجميلة، التي تقع في أواسط الساحل الشرقي وجنوبي مدينة تونس العاصمة بنحو مئة وأربعين كيلومترا، لننزل في احد المنتجعات المطلة على البحر الأبيض المتوسط، حيث الهواء العليل والمناظر الطبيعية الخلابة والهدوء الشامل وكل وسائل الراحة.الطعام اللذيذ والمسبح الفاره تحت أشعة الشمس الساطعة.

متحف الرئيس بورقيبة

في اليوم التالي زرنا مدينة الحمامات،وتقع في الشمال الشرقي من تونس وعلى ساحل البحر المتوسط وإلى جنوبي العاصمة بنحو 65 كيلو متراً.ثمة من يرجع التسمية إلى كثرة الحمام في المدينة،ويعزوها آخرون إلى الحمامات الرومانية،والتي ما زالت شاخصة حتى الآن فضلا عن مواقع الآثار الرومانية،كما زرنا مدينة ( نابل) التي تقع أيضاً جنوبي العاصمة تونس بنحو 60 كيلو مترا.

وكان لابد من زيارة مدينة ( المنستير) التي تبعد نحو مئتي كيلو متر جنوبي العاصمة،التي كنت معجبا باذاعتها يوم كنت في ليبيا مدرسا للغة العربية وعلوم الدين،حيث بالإمكان التقاط بث هذه الإذاعة الثقافية الممتعة،فضلا عن بث الإذاعة الوطنية التونسية وهذا هو إسمها الرسمي،والتي تمثل الدولة،حيث زرنا متحف الرئيس الأسبق الراحل الحبيب بورقيبة ( 1903-2000) القريب من مقبرة سيدي مزاري؛ مكان الدفن لسكان المدينة، والمتحف هذا كان في السابق المقرالصيفي للرئيس بورقيبة بناه سنة 1963،وظل ماكثا فيه بعد مغادرته الحكم سنة 1987وحتى وفاته.شاهدنا بعض متعلقاته حيث البساطة.

مسجد عقبة بن نافع

وإذ ترحل نحو تونس فمن الضروري زيارة مدينة القيروان التاريخية،التي قرأنا عنها الكثير الكثير،وكانت ثاني مدينة بناها العرب المسلمون عام 50 للهجرة المباركة،اثناء عمليات الفتح العربي الإسلامي،بعد مدينة الفسطاط،ولامندوحة من زيارة مسجدها الجامع الذي بناه القائد عقبة بن نافع،حيث الريازة الإسلامية الرائعة،المتاثرة – كما أظن- بريازة الأندلس.

مدينة القيروان التي تقع جنوبي العاصمة التونسية بنحو  160كيلو مترا،والمعروفة تاريخيا بعاصمة الأغالبة،كما زرتُ (فسقية الأغالبة) وهي معلم تاريخي بناه الأغالبة (بنو الأغلب) لغرض تزويد مدينة القيروان بالماء، حيث تعتمد هذه الفسقية على مياه الأمطار التي تصب فيها،وهي قريبة مما يعرف في ليبيا ب(الركادة) إذ أن الحاجة سبب الاختراع،ونظرا لقلة الموارد المائية في البلد الشاسع الأركان ليبيا،حيث تعتمد على الأمطار والابار فضلا عن محطات تحلية مياه البحر،فان الليبيين لايفرطون بمياه الأمطار،بل تذهب الى ( الركادة) التي تشبه السرداب في العراق،يربطون سطوح المنازل بأنابيب نحو ( الركادة) هذا الأمر يعيد للذهن مشروع النهر العظيم الذي صرف القذافي عليه المليارات كي ينقل المياه من أقصى الجنوب الليبي نحو مدن البلد حيث توجد بحيرات يقول الخبراء إنها آيلة إلى نضوب وجفاف.ترى ما الذي حل بمشروع القذافي هذا؟!

ما وجه الشبه بين فسقية الأغالبة وجنات بابل المعلّقة ؟

وتعد الفسقية هذه أهم معلم هيدروليكي في تاريخ العالم الإسلامي،وهي تذكرني بجنائن بابل المعلقة،التي كان الماء يصعد إلى أعالي حدائقها من غير دفع ميكانيكي،وجدير بالذكر أن الدولة العراقية منتصف السبعينات خصصت ربع مليون دينار لمن يستطيع محاكاة ما ابتكره المهندس العراقي البابلي القديم،قبل ألوف السنين،الذي كان يدفع الماء إلى أعالي حدائق بابل المعلقة لسقيها،يوم لم تكن وسائل الدفع الحديثة قد اكتشفت،لكن أحدا ما استطاع الوصول إلى سر هذا الإعجاز العلمي العراقي،وظلت قيمة الجائزة تنتظر من غير جدوى وحتى الآن!

بعد أربعة أيام توجهنا نحو العاصمة الرائعة تونس،ونزلنا في فندق (افريقيا) الشاهق بطوابقه التي زادت على العشرين طابقا،والمطل على معلم مهم وجميل من معالم العاصمة؛ إلا وهو شارع الحبيب بورقيبة،حيث يطل علينا من بدايته عالم الاجتماع العربي التونسي عبد الرحمن بن خلدون وتكون نهاية الشارع بتمثال بورقيبة معتليا صهوة جواده،ويطل على الشارع الجميل الأنيق،الذي يذكرني بالشوارع الباريسية،مبنى قصر البلدية،فضلا عن مبنى المسرح البلدي.

القهاوي التونسية،مثل القهاوي الباريسية- كذلك- تأخذ حيزا من الشارع ومفتوحة عليه،ويعزوها بعض الدارسين إلى انفتاح الفرد الفرنسي،وتوقه لعقد صداقات وتعارف،على عكس المقاهي اللندنية المنزوية خلف زجاج النوافذ المعتمة.

لاتكتمل الرحلة إلا بشراء ولو كتاب للذكرى فزرت (مكتبة الكتاب) في شارع بورقيبة،المزدانة بالكتب الجديدة والمهمة، واضعين في الحسبان الحرية الواسعة في هذا البلد الحضاري الجميل لابتاع كتابين هما:(بدايات) للروائي والباحث اللبناني أمين المعلوف الحائز على جائزة المتوسط وهو من منشورات دار الفارابي ببيروت،والثاني ( ديوان الزنادقة) جمع وتحقيق الباحث العراقي المغترب جمال جمعة وهو من منشورات الجمل،كما كنت أطالع يوميا صحيفة عربية تصدر في لندن،كنا نكتب في صفحتها الثقافية قبل 2003،فضلا عن شيخة صحف تونس ( الصباح).

وكان يجب أن ازور منتجع سيدي بو سعيد الرائع لاجدد ذكرياتي عنه سنة 1996يغلب البياض على المباني التونسية القديمة والحديثة،فضلا عن الأبواب والشبابيك الزرق ،ويفسرها بعضهم إن اللون الأبيض عاكس لأشعة الشمس،كما إن اللون الأزرق طارد للحشرات!

وفاة الرئيس السبسي لم تؤثر على الحياة الطبيعية

الشيء الجدير بالذكر والإشادة والتنويه،وكل ما في هذه الرحلة جدير بذلك،ان تصادف سفري مع وفاة الرئيس الباجي قائد السبسي،ومن ثم تشييعه من قصر الرئاسة الذي أرانيه الدليل،فلم أجد حارساً ولا ظلا لحارس!

وظننت قطعا للشوارع وحزنا وحدادا في التلفاز والإذاعة، لكن أسعدني أن هذا البلد العربي المتحضر قد تجاوز مثل هذه الطقوس،فها هي الإذاعة الوطنية التونسية تقدم برامجها الاعتيادية،كذلك الإذاعات الخاصة،والحياة تجري بشكل جد طبيعي.

لكن ما المني أني لم ازر جامع الزيتونة الشهير،مع أنه كان حاضرا في ذهني، لكن أُنْسِيتُه وما انسانيه إلا الشيطان!

هذا جعلني اتفاءل بزيارة ثالثة لتونس الرائعة،تكون على راس اولياتها زيارة جامع الزيتونة.. فهل يسعفنا الدهر بذلك؟ قد!

كاتب عراقي

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. سرد تراجيدي جميل لرحلة اجمل تحية لكم وربي يمتعك بالعمر والصحة لزيارة جتمع الزيتونة كما ندعوك لزيارة ليبيا التي لك فيها بصمات اكيد تستحق الذكر فاهلا بك .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here