شكيب كاظم: “بم تحلم الذئاب؟” لياسمينة خضرا رواية عن العشرية السوداء في الجزائر

شكيب كاظم

وأنت تنجز قراءة هذه الرواية الكابوسية الفاجعة، الضاجة بصور القتل والدم والتعصب، التي شاء كاتبها؛ الروائي الجزائري ( ياسمينة خضرا) أن يتماهى مع الحوادث الصاخبة التي ضربت الجزائر، أيام الرئيس الشاذلي بن جديد وتحديدا مع اندلاع التظاهرات الصاخبة بداية تشرين الأول/ أكتوبر ١٩٨٨، مستنكرة سياسة التقشف التي اتبعها ابن جديد، اثر انخفاض أسعار النفط الشديد، وقمع الجيش الجزائري لهذه التظاهرات، ومن ثم تنظيمه انتخابات نيابية تواؤما مع دعوات الانفتاح والتعددية الحزبية، وادت إلى فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ بقيادة عباسي مدني (تـ٢٠١٩) وعلي بلحاج، وإلغاء الجيش للانتخابات، واستقالة ابن جديد،. واستدعاء السياسي التاريخي المتقشف الزاهد بالحكم؛ محمد بوضياف، الذي اغتيل بعد وقت قصير، بداية سنة ١٩٩٢، ودخول الجزائر في بحران الدم، استمرت طوال عقد التسعين من القرن العشرين.

وأنت تنجز قراءة هذه الرواية، تناجي نفسك عن سبب هذا التعصب الجامح الذي ضرب الحياة في الوطن العربي بمقتل ومنذ أواخر عقد السبعين؟

رواية (بم تحلم الذئاب؟) لياسمينة خضرا، والتي ترجمها بلغة أنيقة الأديب والروائي الجزائري أمين الزاوي (١٩٥٦-  ) وصدرت طبعتها الأولى في الجزائر عن دار الغرب للنشر والتوزيع بوهران سنة ٢٠٠٢، جاءت لتصور حوادث هذه السنوات العاصفة في الحياة الجزائرية، لا بمعنى التماهي التام، أو تحولها إلى رواية تسجيلية وثائقية، بل الاقتراب من الحدث والنهل منه وترك الفن السردي يأخذ مداه الواسع في إدارة دفة هذا الحدث الروائي، الذي أبدع ياسمينة خضرا في نقله لنا نحن قراءه، وشدنا إلى سرده الأنيق، وكلنا توق إلى متابعة القراءة، وزاد الرواية متعة وانشدادا لها هذا النقل الجميل الباذخ، الذي أغدقه علينا أمين الزاوي، هو الذي نقلها لنا من لغة الأصل؛ اللغة الفرنسية التي يكتب بها ياسمينة خضرا، الذي كان يدب نحو سنته السابعة، والجزائر تنتزع استقلالها عن فرنسة صيف سنة ١٩٦٢، ومن ثم يتطوع في صفوف الجيش الوطني الجزائري، ويترقى في الرتب العسكرية.

الضابط الجزائري (محمد مولسهول)، الذي وجد نفسه في الكتابة والأدب. والرواية تحديداً، فغادر الجيش كما غادر الجزائر، ليستقر في فرنسة، ويكتب بالفرنسية من غير عقد الاستعمار التي عاناها كتاب الجزائر أيام الاستعمار، فهو يكتب بها مختارا لا مجبراً، تاركاً إسمه الحقيقي، مستعيراً اسم زوجته (ياسمينة خضرا) ليدخل الحياة الثقافية الفرنسية، دخول المبدعين المتوهجين بجذوة الإبداع، فأخذ له مكانا مكينا في ثقافة فرنسة وما ذلك بهين ويسير.

لقد عشنا السنوات التي جاءت رواية (بم تحلم الذئاب؟) لتناولها إبداعياً، وقرأنا عنها الكثير الكثير، وتابعنا أخبارها، لكن إذ نقرأ الرواية، تشدنا إليها وتدفعنا إلى المواصلة، وهذا ما يحسب للفن السردي الذي حذقه وتمكن منه ياسمينة خضرا، الذي نال عديد الجوائز الأدبية الفرنسية ومنها، جائزة (هنري كال) للآداب التي منحته إياها الأكاديمية الفرنسية.

وأنت تبحر في هذا المتن الروائي المتين، الذي أداره ياسمينة خضرا بانسيابية باهية، تتساءل كيف يمكن أن يتحول هذا الشاب الرقيق، الذي كان يطمح إلى أن يكون نجما سينمائيا يستدر الإعجاب ويهفو المعجبون به إلى توقيعه على مفكراتهم، والذي مثل فيلما واحدا، كيف تحول ( نافا وليد) الذي أدار خضرا روايته من خلاله جاعلا منه راويا مركزيا،كيف تحول ( نافا) هذا الذي كان رقيقا مرهفاً، فما استطاع رؤية زميله ( حميد) الملاكم المشهور الذي عمل لدى الأسرة الأرستقراطية ( آل راجا)،وهو يهشم جسد فتاة قضى ( جونيور)نجل ( صالح راجا) الشاب العابث، منها وطره، ففارقت الحياة لأخذها جرعة زائدة من المخدرات، الذي يأمره بالتخلص منها، ينقلها حميد إلى غابة نائية، ويتخلص منها بتهشيم جسدها بصخرة ضخمة.

( نافا) هذا الذي أنهى علاقته بأل راجا على الرغم من المال الوفير الذي كانوا يغدقونه عليه، هو البائس الفقير، لأنه ما استطاع قبول هذه الجريمة العاتية، وظل أياما حبيس غرفته في تلك الدار البائسة؛ دار أهله، ليجد نفسه مع أذان فجر أحد الأيام، ناعما بالسكينة الروحية في المسجد، مؤدياً صلاة الفجر.

( نافاوليد) هذا تحوله الأيام إلى قاتل لا يتورع عن اقتراف أشد الجرائم قسوة، ترى كيف تحول ( نافا) الوديع مثل الحمل إلى ذئب شرس؟!

لقد قرأت شيئا من الأدب الروائي الجزائري؛ قرأت الثلاثية الروائية (ذاكرة الجسد) و(فوضى الحواس) و(عابر سرير) لأحلام مستغانمي، فضلا عن (الزلزال) للطاهر وطار، ولمست من خلالها الخيبة التي عاشها الجزائريون من تداعيات الاستقلال، والحزب الواحد وتلاشي الحريات العامة، لكن رواية (بم تحلم الذئاب؟) جاءت لتصور صميم الحياة الجزائرية، وهي تحيا سنوات العذاب والدم، وتقدم نماذج كابوسية فاجعة من التعصب والانتهازية (عمر زيزي) صاحب المطعم الشعبي الذي يعتمر القبعة، ويذيع مطعمه الذي يرتاده الفقراء، الأغاني، ترك لباسه الإفرنجي إلى اللباس الأفغاني، واستعاض عن الأغاني بالتواشيح. والأغنيات الدينية، و(نبيل عالم) الشاب العاطل الذي يؤذي أخته (حنان) ويجبرها على ترك عملها، والمكوث في البيت، ويعيب عليها لبس (التنورة) حتى إذا شاركت في تظاهرة نسائية، مطالبة بحرية المرأة والوقوف بوجه المتعصبين” اندفع نحو الحشد النسوي (….) هاته المجموعة من المسترجلات والساحرات…عاهرات، عاهرات.. أسقط سيدة أرضا (….) ومن بين المتظاهرات لمحها، كانت (حنان) هناك واقفة أمامه مصبوبة في تنورتها التي يكرهها، رأته قادما في اتجاهها… ادخل يده في جيب قميصه، امسك بقوة على السكين.. قذرة، قذرة.. ضربها تحت الثدي، هناك حيث تختبىء النفس الضالة، ثم طعنة على الجنب، ثم أخرى على البطن…”” تراجع ص١٣٦

لقد عانينا مسألة النظرة الأحادية للحياة، ولاسيما في مسألة الطبقات، وغالباً ما تصور الطبقة الغنية إنها فاسدة ظالمة، وأنا هنا لست في موضع الدفاع عنها، بل نبحث عن حقائق الأشياء، غير أن الروائي الواقعي ياسمينة خضرا، وهو يجوس خلال حياة الأسرة الثرية ( آل راجا) ما صورها شيطاناً رجيماً، فاذ صور عبث الأب (صالح راجا) وموت مشاعر البنوة، فيدخل امه دار العجزة وتركها هناك وما زارها البتة، وظلت هذه الأم الرؤوم توجد التسويغات لهذا الأمر، مؤكدة انها ما عاد يربطها بالحياة شيئ سوى أن تعثر على رائحة (صالح) ابنها، ان تلقاه، انها مشتاقة لسماع صوته، والإحساس بأنفاسه- وقد عميت- أمام وجهها، وان لا احد غيره لها عند موتها، ولن تشعر بالوحدة، وستكون أقل برودة في قبرها، إذا ما كان بخير.” مرات كثيرة اشعر بركلات على بطني، انها تشبه تماماً تلك التي كان يمنحني إياها حين كان بداخله (…) دقيقة واحدة من وقته تكفي سعادتي كلها، آنذاك سأرحل دون ندم””ص٦٥ص٦٦

لكنه ما زار أمه أبدا، فضلا عن نزق ابنه (جونيور) وفسقه، واخته المدللة ( صونيا) التي كانت تحيا في جنيف، وتعود مع صعود المد المتعصب، متسائلة هل جميع الفتيات يرتدين الحجاب،وهل سيحكم هؤلاء البلد؟

كل هذه الصور السلبية من هذا المستنقع الاسن، ما منعت ياسمينة خضرا من أن يصور الحياة كما هي، فقدم مثالا طيبا، السيدة الطيبة ( رجا) زوجة ( صالح ال رجا)،التي كانت تعامل سائق سيارتها ( وليد نافا) باحترام، سائلة إياه عن أسرته وأمه وأبيه ووضعهما الحياتي، مؤكدة ضرورة الاعتناء بهما، ولاسيما أمه لأن الأم مقدسة  وإن من يهينها أو يتجاهلها فهو ملعون.. إن الله سيغضب عليه.

ولعلها في حديثها هذا مع سائقها ( نافا وليد)الذي تخاطبه ( سيد وليد) إنما كانت تعني زوجها الجاحد للبنوة، الذي ما أسعد أمه يوما وزارها منذ أن تركها في دار العجزة، ذاكرة  السيدة رجا، ان سعادتها تعود إلى الأبوين… المال هو التنازلات الكثيرة يا سيد وليد، إنه الغبار المذرور في العيون…تنظر ص٨٤.

( بم تحلم الذئاب؟) رواية صاعقة رائعة أقرب إلى التوثيق، صورت الحياة الجزائرية أثناء العشرية السوداء، جادت بها قريحة ياسمينة خضرا الخلابة المبدعة، التي تنال رواياته أعلى المبيعات في سوق الكتب بفرنسة، والتي استحمت وتعطرت بموهبة أمين الزاوي في الترجمة إلى لغة العرب.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here