شكيب كاظم: القاصة العراقية ديزي الأمير.. أغفلها النقد وجفتها الحياة

شكيب كاظم

يوم سألتها الباحثة العراقية المغتربة، فاطمة المحسن، أين تعود بك ذكرياتك، إلى   أي مكان وزمان؟ كان جوابها: تعود بي الذكريات إلى أربعينات وخمسينات القرن العشرين، لأنها كانت السنوات السعيدة في عمر العراق، وفي عمري أنا أيضاً، ولكنها انتهت وأعرف أنها لن تعود.

لذا حين قررت القاصة ديزي الأمير، مغادرة العراق، فأنها قررت أن لا تعود، إذ أمضت نحو نصف قرن من حياتها خارجه، وكانت نهاية المطاف في مدينة هيوستن بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث غادرت لا العراق فحسب، بل غادرت الحياة في يوم الخميس الثاني والعشرين من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من سنة ٢٠١٨.

ولأن ديزي الأمير عاشت جل حياتها خارج العراق، وطبعت كتبها السبعة كذلك خارجه، فلم يحفل النقد الأدبي العراقي بجهدها القصصي، لا بل ما أعطاه حقه وما يستحق، هي التي ظلت تكتب القصة القصيرة وما غادرتها، خلاف العديد من كتاب القصة وكاتباتها، يظلون يرنون إلى/ ويطمحون لكتابة الرواية، وكأن مجدهم الإبداعي لا يكتمل إلا بكتابة رواية، تأتي غالباً تأكل من جرفهم الإبداعي، في حين ظل الواثقون بأنفسهم وإبداعهم، عند تخوم القصة القصيرة وعوالمها لا يكادون يغادرونها، وبودي الإشارة هنا إلى المبدع الكبير محمد خضير، الذي ظل يجود علينا بإبداعه القصصي، فضلا عن أمير القصة العراقية الراحل عبد الستار ناصر.

أقول: ما أعطاها النقد في العراق ما تستحق لأسباب عدة، فهي عاشت حياة أقرب إلى العزلة، املتها عليها حياتها الشخصية، فهي عاشت قسوة اليتم المبكر، فضلا عن عدم حفولها بالأجواء السياسية، يضاف إلى ذلك أن أدبها- في الغالب- كان بعيداً عن عوالم الانفلات والابتذال، الذي يسميه بعضهم جرأة وتحررا، ولنا أن نتصور حجم الخسارة الباهظة التي منيت بها ديزي الأمير، والضريبة التي دفعتها من جهدها الإبداعي، لأنها أرادت أن تحيا وتفكر كما شاءت لها نفسها لا كما شاء لها الآخرون.

وإذ عاشت ديزي الأمير في الظل النقدي، أو ما يشبه الظل، ظلت الكاتبات اللائي ما أبقين في كتاباتهن حتى ورقة التوت فأسقطنها ينعمن بالشهرة والثراء والإضاءات الصحفية والتلفازية.

وإذ أعود إلى مجلدي من أعداد مجلة ( الآداب) اللبنانية لسنة ١٩٦٤،فاني أجد أن حتى من كلفته المجلة بقراءة قصص العدد الماضي، وهذا طقس ثقافي رائع اجترحته المجلة، أيام مجدها في الخمسينات والستينات وحتى منتصف السبعينات من القرن العشرين، قبل أن تعصف بلبنان الحرب الأهلية سنة ١٩٧٥ ويتلكأ صدورها، إذ دأبت على تكليف ناقد لقراءة القصص المنشورة في العدد الماضي، أقول حتى من كلفته المجلة بقراءة القصص، ومنها القصة التي نشرتها ديزي الأمير في عدد حزيران من سنة ١٩٦٤ وعنوانها ( الحب الكبير) التي تصور حيوات مجموعة من الطالبات في القسم الداخلي لإحدى الجامعات، ولعلها استمدتها من حياتها الجامعية يوم ذهبت للدراسة في جامعة كمبردج البريطانية العريقة، فان الناقد واسمه عبد الرحمن فهمي، وقف من قصتها موقفا سلبيا أحبطها- لا ريب- حتى إنه أنكر أن هناك قاصة بهذا الاسم، قائلا: ما هذا؟ أتراني أخطأت في فهم القصة أم أن المجلة نشرت من القصة سطرا وحذفت سطرا؟ أم أن ديزي الأمير (سأفترض أنها فتاة حتى يثبت العكس) لم تجد شيئا تقوله). يراجع عدد تموز/ يوليو ١٩٦٤.

لقد دفع هذا الأمر ديزي الأمير إلى أن تكتب توضيحا في عدد تال من مجلة (الآداب)يفصح عن دماثة خلقها، وهي تناقش هذا الناقد قائلة (إني لست غاضبة ولكن تمنيت لو ساعدتني في نقد قصتي (الحب الأكبر) وأنا أفهم النقد توجيها وتحليلا وتقييمها، لاتتفيها وسخرية.) يراجع عدد تشرين الثاني/ نوفمبر ١٩٦٤.

وإذ أعود إلى مجلدي هذا، فاني أعثر على قصة رائعة لديزي نشرت في عدد شباط/ فبراير، وعنوانها الجميل الموحي ( دفء)، وستعيد نشر هذه القصة في أولى مجاميعها القصصية وعنوانها ( البلد البعيد الذي تحب) الصادرة سنة ١٩٦٤،تصور لنا هذه القصة دفء ديزي ودفء قلمها ورشاقته،  ويصور الخلق ومكارمه الذي تحث ديزي عليه،  ففي دفء تصوير لحياة موظفة تعمل في إحدى المؤسسات، تجلب انتباه رئيس تلك المؤسسة، فيحاول إغواءها بشتى السبل، لكنه يصطدم بخلق الفتاة الشفيف، الذي لا يرتضي التفريط بقيم الآداب والشرف، وحتى وهو يدعوها لنزهة بسيارته، ويذهب بها إلى مكان ناء، تصدمه براءة هذه الفتاة وبساطتها، وقفت السيارة أمام مطعم صغير منعزل، ونزل يفتح لها الباب فتبعته أجلسها على كرسي، فجلست وجلس قبالتها يتأملها، وفجأة  بدأت ترتجف، وكان ما تلفظته بعد هذا الصمت الطويل، الجو بارد هنا، وعادت تنكس رأسها.

وإذ تأكد هذا الزير النسائي من عفتها وبراءتها، وانها ما جاءت معه إلا لكونه رئيسها في مؤسسة العمل،يعود إلى إنسانيته، تاركا ذئبيته وحيوانيته، وتتغير تلك النظرات الماكرة المتلصصة، لتتالق الطيبة في عينيه، رأت ظله واقفا وأحست شيئا يوضع على كتفيها. وصوته يطلب فنجان شاي ساخنا.

رفعت رأسها، كانت سترته تغطيها ونظرة حنان تشع من العينين الطيبتين، لقد تغيرت نظرتها إليه، فهو ما عاد ماكرا خداعا، كما إنه سبر أغوار ذاتها، فهي ليست رخيصة وسهلة الأكل.

وديزي لا تفصح عن ذلك بتقريرية ومباشرة، بل بفن وإمتاع لذا أنهت قصتها الدافئة (دفء) قائلة: عصر اليوم التالي خرجت ثم عادت فأعدت فنجان شاي ساخنا، وسحبت شالا سميكا قبل أن تترك البيت، وكأنها تستعيد حوادث اليوم الفائت

حاشية__________________

الكلمة التي قرأتها في الندوة النقدية التي عقدها بيت المدى للثقافة والفنون ومقره شارع المتنبي ببغداد، ضحى يوم الجمعة ٢١-١٢-٢٠١٨، وأدارها الدكتور أحمد حسين الظفيري وتحدث فيها الناقد فاضل ثامر والناقد بشير حاجم والدكتور داود سلمان العنبكي.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here