شكيب كاظم: الراديكاليون المتعصبون والكتاب

شكيب كاظم

في الإرث المسيحي ثمة مقولة: في البدء كانت الكلمة، التي تضاهيها إسلاميا، فعل الأمر والطلب: إقرأ، في حث رائع على التعلم والقراءة، واطلبوا العلم ولو في الصين، وإذ يقع بعضهم أسرى في معركة بدر، فتكون المفاداة؛ فديتهم تعليم عدد من المسلمين القراءة والكتابة، ويزدهر العلم والأدب زمن المأمون العباسي، فأنشأ دار الحكمة ببغداد، ونشطت حركة الترجمة عن اليونان، على الرغم من الفكر الوثني الذي طبع فكر اليونان وفلسفتهم، هذه الحركة الدائبة في الترجمة، لعلها بعض أفضال المعتزلة، القائلين بالمنزلة بين المزلتين، والتي أعلت من شأن العقل في مواجهة النص والنقل، ولعلها رد على مناوءة العقل التي قادها الخليفة المهدي العباسي، وقتل عديد الشعراء بتهمة الزندقة وإلالحاد وراح ضحيتها بشار بن برد، فضلا عن صالح بن عبد القدوس، الذي أطار السياف رأسه بسبب بيت شعر:

والشيخ لا يترك عاداته– حتى يوارى في ثرى رمسه

فضلا عن كتابه ( الشكوك) الذي يقول ابن عبد القدوس عنه: إن قرأه شك فيما كان، حتى يتوهم فيما كان إنه لم يكن، وشك فيما لم يكن حتى يظن أنه كان”.

وإذ عاش الكتاب تألقا وازدهارا زمن المعتزلة، فإنه عانى تراجعا ونكوصا وحرقا، لقد أحرق ( الموحدون)،الذين أقاموا دولتهم في المغرب العربي على أنقاض دولة ( المرابطين) في القرن السادس الهجري، لتعيد للذاكرة أيام ملوك الطوائف بالأندلس ونزاعاتهم السخيفة؛ الأخوة الأعداء، أقول: أحرقوا كتب المذاهب الأربعة، هم الذين اعتنقوا المذهب الظاهري، الذي قال به ابن حزم الأندلسي، المتأثر بفكر الأشاعرة أصحاب أبي الحسن الأشعري، الذي يأخذ ما جاء في القرآن الكريم ويفسره على ظاهره؛ ظاهر النص، متهمين بقية المذاهب بالتأويل والتعليل والقياس، فأحرق يعقوب بن يوسف بن تاشفين الكتب، لأن ليس هناك أكثر هشاشة من الورق، لذا جاء في الأدبيات الإسلامية، ضرورة تدريب الحافظة والذاكرة في مواجهة الحرق والنسيان، أما الذي يعتمد منهم كتابا في التوثق والتأكد من أمر، فيعاب عليه ذلك ويوصف ب( الصحفي)ولا يؤخذ بما يقول ولا يعتد بقوله، ولقد أُثر عن الخليل بن أحمد الفراهيدي قوله: ما في صدري فهو علمي، وما في قماطري فنفقة”. ويقصد الخليل بما في قماطره، مكتبته.

وإذ أحرق يعقوب الكتب فقد وجدت هذه العملية امتدادا لها أيام وزير الدعاية في الحكم الهتلري (جوزيف كوبلز)، الذي ما اكتفى بحرق مكتبات اليهود الألمان، وحولها إلى مواد أولية لصناعة الورق؛ إلى عجينة ورقية، بل أمر بإحراق كتب: هاينريش مان، وسيكموند فرويد، واميل زولا، ومارسيل بروست، واندريه جيد، وأج. جي. ويلز، وستيفان زفايك، الذي اضطر للهجرة إلى أمريكة اللاتينية، وانتحر في ساعة يأس مع زوجته في مغتربهما سنة 1942، لأن حرق هذه الكتب كما قال كوبلز: يتيح لروح الشعب الألماني أن تعبر عن نفسها من جديد، هذا اللهب لن يضيىء نهاية عصر قديم فحسب، بل بداية عصر جديد.

وإذ أتهم العرب المسلمون، بحرق مكتبة الإسكندرية أيام الفتوحات، فإن المؤرخ الإغريقي (بلوتارك) ينفي ذلك، كما ذكر الكاتب الأرجنتيني اليهودي (البرتو مانكويل) في كتابه الرائع (المكتبة في الليل).

قال بلوتارك: إن حريقا شب في ترسانة الأسلحة، لتصل إلى المكتبة فتحرقها.

لقد ظل ينظر إلى العمل الذهني بوصفه ترفا، ترف بطرين معتكفين لا يدرون ما يجري في الدنيا، معلين من شأن العمل اليدوي، فهذا الجنيد البغدادي المتصوف دخل على أبي علي إسرائيل المغربي، فوجده قاعدا يكتب، سائلا إياه؛ سؤالا إنكاريا على لغة النحاة:

– إلى متى الكتبة؟ متى العمل؟

فأجابه المتصوف المغربي:

– أوليس هذا عملا؟

يقول الجنيد: فبقيت دهشا لا أدري ما أقول.

تساؤل الجنيد البغدادي، يعيد لذاكرتي، قول القاضي للشاعر الروسي المنشق (جوزيف برودسكي) الذي اعتقلته السلطة الأمنية بتهمة (التطفل) أي التعطل عن العمل اليدوي، حين يقدم للمحكمة، يسأله القاضي لماذا لا تعمل وما هي مهنتك؟

فيجيبه برودسكي: أنا شاعر أكتب القصائد وأترجم، لكن القاضي المؤدلج، أو الخائف من الأخ الأكبر، أو كليهما معا لا يفهم هذا الكلام، فيسجن.

لم يقترف برودسكي عملا مخلا، إنه ما أراد أن يكون ظلا لظل، أراد أن يقول شيئا قالته: انا اخماتوفا، أو مايكوفسكي، أو الشاعر بيلنسكي، أو بوريس باسترناك، أو الشاعر يفجيني ايفتوشنكو، أو الروائي سولجنتسين، وحتى مكسيم كوركي الذي قتلوه وساروا في جنازته، لا بل حمل الأخ الأكبر تابوته على منكبه!

هذا المتطفل؟! سيطلق سراحه ثم يغادر وطنه سنة 1972، وتمنحه الأكاديمية السويدية جائزة نوبل للأدب سنة 1987، وليغادر برودسكي الحياة سنة 1996. وهذه إشكالية الأديب في دول الراديكاليات، هو يرى نفسه قائدا في المجتمع، وهو محق في رؤيته، وهي تعمل على تطفيف تأثيره وتدجينه بالترغيب أو بالترهيب.

حاشية

…………………………

الحديث الذي قراته في الندوة الخاصة بالكتاب والمكتبات، التي أقامها بيت المدى للثقافة والفنون، بشارع المتنبي من رصافة بغداد ضحى يوم الجمعة 20 من أيلول/ سبتمبر 2019، وأدارها الباحث رفعة عبد الرزاق محمد، وتحدث فيها تباعا: الشاعر ياسين طه حافظ، والدكتور محمد حسين آل ياسين، والدكتور عقيل مهدي يوسف، وشكيب كاظم، والناقد علي الفواز، والدكتور معتز عناد غزوان، والدكتور نجاح هادي كبة، والباحث زين الدين النقشبندي.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here