شكيب كاظم: أيهما أصح علميا السامية أم العربية؟

 

شكيب كاظم

لقد كتب الدكتور المهندس أحمد نسيم سوسة (١٩٠٠ أو ١٩٠٢-١٩٨٢)، الشيئ الكثير في هندسة السدود والري وتاريخ الفيضانات، لكن ما يهمني من كتبه وأريد الوقوف عنده، كتاباه( حياتي في نصف قرن)، الذي أصدرته كريمته الدكتورة عالية سنة ١٩٨٦،وكانت قد أزمعت إعادة نشر مؤلفات أبيها، ولا سيما الذي نفدت نسخه من أسواق الكتب، لكن ازماعها هذا وأده حادث التفجير لمقر بعثة الأمم المتحدة في فندق قناة الجيش في شهر آب ٢٠٠٣، وأودى بحياتها، فضلا عن كتابه الموسوعي والمهم هو الآخر المعنون ( العرب واليهود في التاريخ. حقائق تاريخية تظهرها المكتشفات الاثارية) وصدرت طبعته الخامسة منقحة ومفصلة سنة ١٩٨١،بعد أن صدرت طبعته الأولى سنة ١٩٧٥.

ما أردت الوقوف عنده في هذين الكتابين، قضية مصطلح السامية الذي شاع وعرف في الدراسات اللغوية والتاريخية الجادة، والذي أطلقه العالم اللاهوتي النمساوي ( شلوتزر)سنة ١٧٨١،فجاء الدكتور سوسة ومن قبله الدكتور جواد علي (ت.١٩٨٧)ومن بعده الأستاذ طه باقر (ت.١٩٨٤) في مصطلحه ( الجزيري)لنقض هذا المصطلح العلمي.

قال الدكتور جواد علي في كتابه ( تاريخ العرب قبل الإسلام)” إني سأطلق لفظة (عرب) على جميع سكان الجزيرة العربية بغض النظر عن الزمان الذي عاشوا فيه، والمكان الذي وجدوا فيه (..)ولعلني لا أكون مخطئا أو مبالغا إذا قلت إن الوقت قد حان لاستبدال مصطلح ( سامي)و( سامية) بـ( عربي) و( عربية)”. ويأتي أحمد سوسة، ليؤيد جواد علي مؤكداً ذهاب أكثر المؤرخين الفرنج أو الفرنجة هذا المذهب؛ إن العرب والساميين شيئ واحد.

أرى إن أحمد سوسة ما كان مقتنعا بهذا الذي أطلقه من آراء بصدد السامية والساميات، بل الخوف من الأخ الأكبر الذي يحصي الحركات والسكنات والانفاس، هذا الخوف، دفع طه باقر ليؤلف كتابا عنوانه ( من تراثنا القديم.ما يسمى في العربية بالدخيل) حيث يرجع أصول اللغات السامية إلى العربية، وإن فرضية ( الأقوام السامية)لا تستند إلى حقيقة تاريخية وإن هؤلاء الأقوام وأبرزهم الأكديون والكنعانيون والاموريون أو العاموريون، والاراميون والعبرانيون،اوالعبريون والفينيقيون الذين هاجروا من الجزيرة العربية بموجات مختلفة من الوطن العربي، منذ أبعد العصور التاريخية يصح أن نسميهم ( الجزيريين) أو الأقوام العربية القديمة.

لقد كنت أرى في هذه الأقوال الكثير من الإعلام والهوى والقليل من العلم والحجى، وكنت ابحث عن ما يعزز قناعاتي الرافضة لهذه الآراء البعيدة عن العلم، لكن وأنا اجوس خلل المذكرات التي خطتها يراعة اللغوي العالم الدكتور إبراهيم السامرائي (ت.٢٠٠١) الموسومة بـ(حديث السنين) عثرت على تعليق قصير بمفرداته وعظيم بعلميته مفاده: كان لنفر من أهل العلم قد دفعوا إلى ما أشرت إليه إرضاء لهوى خُيّل إليهم إنه يقربهم من أهل السلطان، ولكنهم لم يستطيعوا أن يرضوا أهل العلم.

ولقد عثرت- كذلك- وأنا أقرأ كتابه الآخر الممتع والمفيد وعنوانه (من حديث أبي الندى. أحاديث وحوار في الأدب واللغة والفن والتاريخ) على حديث أكثر تفصيلا في هذا الأمر، زاد من قناعتي بصحة ما أقول، عنونه العلامة السامرائي بـ( الكلام على الساميين واللغات السامية) قائلا: تلكم سلسلة طويلة من هؤلاء الباحثين الذين خلطوا وافتأتوا فكانوا كما قال أبو تمام:

تخرصا واحاديثا ملفقة

ليست بنبع إذا عدوا ولاغرب

وإن من العلم أن لا نسيىء إلى العرب، إذا ابعدنا عنهم الساميين، افيجوز لنا أن نفترض جريا على هذه الآراء أن الاراميين عرب؟ فإذا كان هذا؟ فهل لنا أن نقول إن العبرانيين عرب؟ وأن ليس في مقولتهم هذه من العلم قيد شبر، ولكن القوم أخذتهم هزة الزهو بالعروبة (..) وكأنهم اوحي لهم أن يتقولوا أو يتخرصوا فيذهبوا هذا المذهب، وأنا أتساءل: لم ركبوا هذا المركب الوعر فزلت بهم القدم، وخسروا العلم وأهله وكانوا من الأخسرين.

كما راحوا يلتمسون العروبة ويؤكدونها في خلق كثير من ذوي النباهة والمجد، فزعموا أن الأصفهاني فلان، والخويي فلان، والاستراباذي فلان وغيرهم من أصحابنا الذين ينتسبون هذه النَسَب الأعجمية، عرب اقحاح، ولا أعرف فتنة كهذه، الا يكفي أن يكونوا قد اكتسبوا العروبة وقد اظلهم الإسلام بظله؟”.

وقد قاد هذه الحملة الدكتور ناجي معروف- رحمه الله-(ت.١٣٩٧-١٩٧٧) بكتابه أو بالحري بكتبه التي حملت عنوانا محددا هو ( عروبة العلماء المنسوبين إلى البلدان الأعجمية) وفيه ما فيه من الافتئات وقصر النظر والعنصرية.

حاشية.

ضحى يوم الجمعة ٣٠ من أيلول ٢٠١٦ عقد بيت المدى للثقافة والفنون بمقره في شارع المتنبي برصافة بغداد، ندوة استذكارية للمؤرخ المهندس الدكتور أحمد سوسة، أدارها الباحث رفعة عبد الرزاق محمد، وتحدث فيها تباعا: المهندس الاستشاري هشام المدفعي، عبد الهادي فنجان الساعدي، وشكيب كاظم ، الدكتور نجاح هادي كبة، ومسك الختام طارق ( قاسم) حرب المحامي.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here