شكرا لسوريا ….. انقذت النظام العالمي من القطبية الواحدة

أ.د. محسن القزويني

سيكتشف العالم بأنه مدين لسوريا التي بصمودها حررت النظام العالمي من القطبية الواحدة ودفعت به إلى القطبية الثنائية.

وهو إنجاز لا يعرف قيمته إلا من عانى من الأحادية القطبية كالبلاد العربية ودول أمريكا اللاتينية ودول وسط القارة الافريقية ، ولاحت بعض شظاياها دول أوربا ودول أواسط آسيا.

وبنظرة واحدة لأحداث العقود الثلاثة الأخيرة لا نشاهد إلا الولايات المتحدة وحدها ودولاً تدور حولها كالأقمار، فالقول قولها والفعل فعلها، فهي تقرر للعالم كيف يعيش وماذا يأكل ومتى يحيا ومتى يموت. فلم تجن البشرية مِن هذهِ الأحادية سوى الحروب والصراعات والاحتلالات والويلات نتيجة لسيادة المعسكر الأمريكي الأطلسي على مناطق النفوذ في قارات الدنيا.

ولا غرابة في أن نشاهد اليوم القوات الأمريكية في 172 دولة من دول العالم – حسب افتتاحية النيويورك تايمز-، إذ ذكرت أيضاً – في عدد سابق لها – أن مجموع الجنود الأمريكيين المتواجدين في هذهِ الدول بلغ 240 الف جندي ،  أضف الى ذلك وجود 37 ألف جندي مِن القوات الخاصة الأمريكية التي تقوم بمهمات سرية في الكثير مِن دول العالم.

لقد كانت رسالة الولايات المتحدة: نشر السلام والديمقراطية والرخاء في العالم.

إلاّ أن الصقر الأمريكي منذ هيمنته على المعسكر الراسمالي قضى على حمامة السلام بل حتى مِن بداية تأسيس الولايات المتحدة دأبت على القتل والنهب فهي أقامت إمبراطوريتها الأولى على قتل السكان الاصليين مِن الهنود الحمر، وبعد 44 عاماً مِن قيام الولايات المتحدة غزت نيكاراغوا وبعد سنتين من غزو نيكاراغوا احتلت البيرو في عام 1835، وهكذا كان تاريخ الولايات المتحدة ملطخاً بلون الدم. وبلغت الغطرسة الأمريكية أوجها بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وقيام أحداث الحادي عشر مِن سبتمبر التي وجدت فيها مبررا لشن حروبها ومؤامراتها على الدول الإسلامية والعربية باسم مكافحة الإرهاب ، وليس هناك من رادع يردعها ويقول لها : كفي غطرسة إلاّ رجال المقاومة البسلاء في بعض الدول الإسلامية.

واستمر الحال حتى مجيئ ترامب إلى البيت الأبيض الأمريكي والذي عكس الصورة الواقعية للسياسة الأمريكية؛ تجاهل مبادئ وقرارات الأمم المتحدة، تجاوز على حق الشعوب في الحياة الكريمة ولم يكن باستطاعة أحد أن يقف قباله إلا دول محور المقاومة وفي طليعتها سوريا التي هزمت فلول العصابات الإرهابية الممولة من قبل الولايات المتحدة وأقمارها التي تدور حولها.

لقد حررت سوريا وبمعونة حلفائها النظام الدولي مِن سطوة الولايات المتحدة عندما أدخلت الدب الروسي إلى أراضيها وكأنها تقول للروس: تعالوا خذوا مكانكم في النظام الدولي.

واستطاعت روسيا مِن تفتيت معاقل الإرهابيين وقلبت الطاولة على القوات الأمريكية التي لم تجد مفراً من اعلان انسحابها من سوريا.

ومع أحداث سوريا المتعاقبة أخذ القطب الثاني يتشكل في النصف الآخر من الكرة الأرضية: ظهر الحلف الثلاثي الروسي، الإيراني، التركي ومعه العشرات مِن دول العالم التي تضررت من سياسات ترامب الاقتصادية كالصين والهند ودول أخرى في القارة الأمريكية التحقت بهذا الركب مِن خلال تنسيق المواقف واتخاذ القرارات المؤيدة  للمسار الروسي الذي يريد احداث التوازن في النظام الدولي، حتى أن اسرائيل حليفة الولايات المتحدة سارعت إلى سوتشي وبعثت برئيس وزرائها نتنياهو لفتح الحوار مع بوتين.

وأمامنا اليوم مشهدين يؤكدان لنا بلا أدنى شك التعددية القطبية مشهد سوتشي ومشهد وارسو.

فماذا سنرى في المشهدين ؟!

في مشهد وارسو نرى تصدع في التحالف الأمريكي الأوربي.

سنرى الولايات المتحدة وحيدة وليس إلى جانبها سوى إسرائيل وبعض الدول المهمشة.

 وماذا سنسمع في وارسو؟.

نسمع طبول الحرب وهي تقرع من خلال التصريحات والمؤتمرات الصحفية مِن قبل المشاركين في المؤتمر.

حرب ضد حزب الله

حرب ضد أنصار الله

حرب ضد حماس والجهاد

أرادت أمريكا ومعها إسرائيل أن تجنّد دول العالم لمحاربة أعدائها، لكن لم تفلح فقد خرج المؤتمر بدون قرارات فتجاهل الدول الأوربية للمؤتمر خيب آمال الأمريكيين ، ولما كان مؤتمر وارسو مؤتمرا للحرب فلم تقف أكثر الدول إلى جانبه وهي تقول للولايات المتحدة كفى حروباً ودماراً. دعوا البشرية ترتاح وتبني مستقبلها بالرياحين وليس بالقنابل.

أما في سوتشي فماذا سنرى؟!

نرى ثلاث دول تتحاور فيما بينها وتتعهد لعودة السلام إلى سوريا. سوريا التي أبكت البشرية بأحداثها الموجعة ومدنها المدمرة فقدآن الأوان لعودة حمامة السلام لترفرف فوق سمائها.

وماذا نسمع في سوتشي…

نسمع من الثلاثة كلاماً عن توحيد سوريا وتقريب وجهات النظر بين الحكومة والمعارضة، نسمع خطاباً عن عودة اللاجئين الى بلادهم بعد غربة طويلة عاشوها في المنافي .

نسمع كلاماً عن الدستور السوري والانتخابات والمرحلة الانتقالية.

ونسمع ايضاً عن خطط لتخليص سوريا من جذور الإرهاب والقاعدة التي  لازالت متمركز في أدلب.

هذا هو الفرق الشاسع بين وارسو وسوتشي بين من يدعو إلى الحرب وبين من يعيد الحياة لغصن الزيتون في سوريا.

كاتب واستاذ جامعي من العراق

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. الأستاذ الدكتور محسن القزويني
    السلام عليكم
    كم نحن بحاجة الى أمثالك للكتابة في هذه الصحيفة جنبا الى جنب أستاذنا الغالي عبد الباري عطوان وغيره من الكتاب الغيورين على أمتهم العربية والاسلامية .
    فبارك الله بقلمك الشريف ،وأثابك وجزاك خير جزاء المحسنين .
    .

  2. عجبت بمقالتك السابقة عن اليمن وزاد اعجابي بهذه المقالة:
    قوات أمريكية في 172 دولة ثم تقول لنا قوات التضليل أن ايران تسيطر على 4 دول عربية وكأنهم لا يروا أن دولهم كلها مرهونة لامريكيا واسرائيل.
    نعم لقد أصبحت الرؤيا واضحة بعد أن ظهرت حقيقة الاوضاع في المنطقة وأن اسرائيل تريد الهيمنة المطلقة و لا تريد أحدا يرفع راسه ، واذا ما تجرأ أحدهم ورفع رأسه فسيكون ألاعراب واعلامهم وأزلامهم له بالمرصاد.

  3. الزمن تجاوز احداث الامريكي الابيض ضد الهنود الاحمر ولااعرف سبب استدعاء هذه الاحداث التي عفي عليها الزمن . امريكا ليست شريرة وافضل للعالم من روسيا علي الاقل امريكا دولة ديمقراطية طبعا اذا تخلينا عن عقدة امريكا تدعم اسرائيل التي تستهلك عمال علب بطال في كل القضايا . الاجيال الجديدة تحتاج الي فكر سياسي يتماشي مع ثقافتها ورؤيتها بعيدا عن الكلام المكرر منذ مايذيد علي تصف قرن . نحن في حاجة الي طرح فكر جديد وهذا للاسف نفقتقده

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here