شكرا على قطع المعونات المالية الأمريكية

د. عبد الستار قاسم

يلاحظ المتجول حول العالم باحثا عن مفاعيل المساعدات المالية الأمريكية يكتشف أن نتائج هذه المساعدات لم تكن في صالح الذين يتلقونها. هو سيرى النتائج التالية:

  1. الأموال الأمريكية وأموال مساعدات الدول الأخرى تشجع على الاعتماد على الآخرين، وتؤثر سلبا على نشاطات الدول الإنتاجية. أي أنها تسبب التراخي في العمل، والتراخي في الاعتماد على الذات، وتحقيق الاكتفاء الذاتي ولو بشكل محدود. إنها تقود إلى التكاسل والكسل، وتقليص الإبداع في الابتكار والبحث عن وسائل وأساليب التطوير الذاتي.

  2. تبدأ المساعدات بريئة نوعا ما، لكنها تشكل مدخلا قويا للتدخل الأمريكي المتنامي بالشؤون الداخلية للدول. رويدا رويدا تدخل الولايات المتحدة إلى أصحاب صنع القرار في الدول وتؤثر عليهم، وغالبا تستقطب بعضهم للعمل في أجهزتها الأمنية، وتصبح البلاد كفا مفتوحا أمام المخابرات  الأمريكية. وبعد عدة سنين، ستصبح الدولة في قبضة الولايات المتحدة الأمنية التي تستطيع تغيير نظام الحكم فيها في الوقت الذي تراه مناسبا.

  3. وبعد فترة من الزمن يدخل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى المسرح الداخلي للدولة ليتدخلا في رسم السياسة الاقتصادية للدولة مثل تحديد مستوى الضرائب وأنواع السلع التي يجب أن ترفع الدولة معوناتها عنها، الخ.

  4. ومن ثم تدخل الأموال إلى عالم السياسة فيستعملها الأمريكيون لتحديد سياسة الدولة على المستويين الإقليمي والعالمي وفق متطلبات المصالح الأمريكية. أي ان الدولة تجد نفسها في سياق المساعدات بلا إرادة سياسية، وأنها واقعة تحت الاستعمار الأمريكي لا محالة. فإما تطيع وتسير وفق الإرادة الأمريكية، أو تشهد القلاقل والمتاعب ومحاولات تغيير نظام الحكم.

    لم تختلف مسيرة المساعدات المالية الأمريكية للسلطة الفلسطينية عن مسيرتها في مختلف دول العالم. فقط لم تكن المساعدات الأمريكية بريئة لأنها قد صُممت  منذ البداية لأن تكون عونا للكيان الصهيوني على حساب الحقوق الوطنية الثابتة للشعب. ابتهج الناس في البداية لهذه المساعدات، وهللت لها السلطة وكبرت لأنها أقنعت الشعب بفوائد اتفاق أوسلو المالية والرواتب التي ترتبت عليه. لكن أغلب الناس لم ينتبهوا إلى أن أغلب المساعدات المالية الأمريكية كانت موجهة للأجهزة الأمنية الفلسطينية التي أنيط بها مهمات تجريد الفلسطينيين من الأسلحة وإهدار القدرات القتالية، والدفاع عن الأمن الصهيوني من شرور من يسمونهم الإرهابيين والذين هم أبناء الشعب الفلسطيني المجاهد. بالأموال الأمريكية أقيمت مقار للأجهزة الأمنية الفلسطينية، وشُحنت السيارات والأدوات المختلفة اللازمة للمطاردات الأمنية، وشيدت السجون لاعتقال الفلسطينيين، وصرفت الأموال إلى جيوب المتعاونين بخاصة من المسؤولين. وقد أنجزت السلطة الفلسطينية بهذه الأموال من الناحية الأمنية والعسكرية للكيان الصهيوني ما كان يعجز عنه الكيان ذاته. وقد كان الكيان الصهيوني سعيدا بهذه النتائج، وأيضا المنسق الأمني الأمريكي دايتون الذي زف للكونغريس الأمريكي بشرى قيام فلسطينيين بقتل عبد المجيد دودين في جبل الخليل بقيادة ضابط إسرائيلي.

    وقد شكلت مؤسسة اليو أس إيد USAID مع القنصل الأمريكي في القدس مركز قوة كبير في الضفة الغربية سيطر في عدد من الأحيان على اتخاذ القرار.

    ولهذا توجه الكيان الصهيوني إلى أمريكا عقب قطع أموالها عن السلطة الفلسطينية لكي تعيد ضخ هذه الأموال أو بعضها لأن الأجهزة الأمنية الفلسطينية لن تتمكن من القيام بواجباتها تجاه الأمن الصهيوني بدون تمويل. وتقديري أن أمريكا ستستجيب إما مباشرة أو من خلال بلدان عربية. المهم أنهم لن يتركوا الأجهزة الأمنية الفلسطينية عرضة للإفلاس. وإن لم تتم مراجعة هذه المسألة فإن السلطة الفلسطينية سترفع من نسبة الضرائب وستفرض المزيد من الرسوم والأتوات على المعاملات الرسمية الضرورية للحياة اليومية للشعب الفلسطيني.

    وعليه فإن قطع الأموال الأمريكية يخدم الشعب الفلسطيني على الرغم من أنه لا يخدم الأجهزة الأمنية. وسيخدمه أيضا بالتالي:

  1. غياب المساعدات المالية سيحفز الشعب الفلسطيني إلى تبني فكرة الاعتماد على الذات. أي ستدفعه إلى النشاط والعمل واستصلاح الأراضي وتشجيع المنتجين المحليين والتخلي تدريجيا عن السلع والبضائع المستوردة وملاحقة الفساد والفاسدين من أجل توفير الأموال للتنمية والاستصلاح الزراعي.

  2. سيرتفع بعض الضغط عن المجاهدين الفلسطينيين، وسيجدون أن الضغط الفلسطيني قد انحسر وأن عليهم مواجهة الأجهزة الأمنية الصهيونية فقط.

  3. سيرتفع الضغط المالي الأمريكي عن كاهلنا من حيث أننا نخشى القيام بأعمال تغضب أمريكا فتقطع عنا الأموال. هذه الخشية لن تكون موجودة عند قطع المال، وتتحرر رقابنا من نير هذه الأموال.

  4. سنتحرر من تدخلات الآخرين مثل البنك الدولي بشؤوننا الداخلية، ومن المحتمل أن يقود ذلك إلى فتح الأبواب أمام الاقتصاديين لرسم السياسة الاقتصادية للأرض المحتلة/67.

  5. وكلما قلّت الأموال ينخفض مستوى الفساد، وتصبح السلطة أقل قوة، وتهتز أركانها. وكلما ضعفت السلطة الفلسطينية اكتسب الشعب قوة في مواجهة الصهاينة.

    المحذور الكبير الذي قد نواجهه، بل بالتأكيد سنواجهه، هو ألا تتبنى السلطى الفلسطينية استرتيجية البناء والإنتاج، وتلجأ إلى تعويض النقص بالأموال برفع الضرائب والرسوم على المعاملات الرسمية مبتزة بذلك حاجة الناس إلى إنجاز معاملاتهم. الفرصة أمامنا مواتية لتغيير ما نحن فيه بتبني سياسة الاعتماد على الذات إنتاجيا وليس ضريبيا، فهل ننجح؟ المؤسف نحن بصدد قيادات لا تفكر بالنشاط والعطاء والإنتاج.

اكاديمي وكاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

13 تعليقات

  1. لن يستطيع العالم باجمعه علي التصرف بذره من تراب فلسطين بدون أراده الشعب الفلسطيني
    مهما طال زمن الإستعمار الصهيواميكانبيرطنوفرنسروسي المجرم بحقنا جميعا…
    النشاشيبي:
    نعم عندنا الكثير من الاخطا وعلينا إصلاحها بإصلاح النظام السياسي والعسكري.أي باعاده برنامج موحد ويهدف لتحرير كامل وشامل للتراب المغتصب
    وليس التنازل أو المساومه أو التفاوض..كل هذه الأمور تعد خيانه وضعف وحماقه..وهذه السياسات السابقه هي التي جلبت هذه المأساة
    الوحده العسكريه الإنسانية والعربيه (والإسلامية) ضد الإستعمار الصهيواميكانبيرطنوفرنسروسي هي الطريق والوحيد لتحرير الشعوب والوطن معا. بحكمه العقل في استخدام البندقية
    نعم المجتمع عسكري هو أفضل المجتمعات في نيل الشرف والتخلص من مذله الإستعمار

  2. اليوم الاثنين أعلنت القناه السابعه الإسرائيلية أن أجهزة أمن السلطة اعتقلت خليه من نابلس مكونه من ستة مناضلين كانوا يخططون للقيام بعمليه نوعيه ضد قوات الإحتلال!!!هل لا زلت تشك للحظه واحدة يادكتور بأن إسرائيل لن تتخلي عن قواتها الامنيه مهما كانت الظروف

  3. يا عبد الستار ،، يعيش بامريكا مئات الاف فلسطينيين يحملون جوازات سفر اميركية بمعنى ان هؤلاء بامكانهم تفعيل و تتفيذ حق العودة حبذا لو ان بعضهم يعودون الى وطنهم فلسطين يعمرون و يستثمرون ويتكاثرون و مثلهم في اوروبا ،، للاسف بعض الفلسطينيين ما عادوا على استعداد للتضحية بالمال والعيال من اجل فلسطين وما عاد عندهم الرغبة بالعودة الى بلدهم مبسوطين في جدة و الدوحة و فلوريدا و فينا ، و يكتفون بالخارطة و الحطة و ينتظرون ابران و تركيا لتحرير فلسطين

  4. الدكتور عبد الستار يعلم جيدا ان إسرائيل وامريكا لن تتخلي عن أجهزة الامن الفلسطينيه لان ماتقوم به يعجز جيش الاحتلال القيام به علي اكمل وجه !!! لولا قوات الامن الفلسطينيه لما تحول الاحتلال الي احتلال فاخر خمس نجوم ==وما كانت المستوطنات تتوسع ويتضاعف عدد المستوطنين عدة مرات ==لولا القوات الامنيه الفلسطينيه لما تحولت الضفه الغربيه الي سكن مستقر وآمن اكثر من المدن الرئيسيه بفلسطين المحتله ==الجنرال دايتون عمل كل ماباستطاعته لتحويل رجل الامن الفلسطيني الي فلسطيني جديد يؤمن بان العدو الحقيقي هو من يفكر بتعكير امن واستقرار المحتل بمستوطنيه وجنوده !!! فلسطيني يؤمن بان شعارات الماضي ( مقاومه ==نضال == حق العوده ==وعداوة إسرائيل ) كل هذه الشعارات يعتبرها الفلسطيني الجديد المتمثل برجال الامن هي شعارات من العهد البائد وعلي الجميع نسيانها
    اطمئن يادكتور لن تتخلي إسرائيل وامريكا عن رجالها الذين اثبتوا جدارتهم بمهامهم الموكله اليهم

  5. انشاء الله يقطعوا معوناتهم علينا للابد لانها كلها لها ثمن.

  6. نعم ان امريكا لا تعطي مساعدات لوجه الله وانما تعطيه لوجه بني صهيون. اي على كل من ياخذ من هذا المال يجب ان يتبع تعاليم ما يصدر اليه من اوامر من الامريكان. وكذ لك يفعلون مع الدول العربيه التي تاخذ مساعدات من امريكا. وان رفضت دوله بان تاخذ مساعدات من امريكا وتعتمد على نفسها كما كان يفكر محمد مرسي فانهم سوف يجهزون له انقلابا لكي ياتو من يرضى بالقبض والتباعيه. اما عن دول البترول فان امريكا رفعو اسعار البترول خصيصا لكي تتمول دولا بتروليه بطريقه غير تلقائيه وذلك ليكون عندها المال لتقيم حروبا تدعمها الصهيونيه.

  7. الحاجة أم الاختراع
    لا تنفع أموال امريكا والسعودية ولا أموال قطر
    هي للتخدير فقط
    أعطني سنارة ولا تعطيني سمكة

  8. د. عبد الستار المحترم . ستحذوا السلطه العباسية مما تحذر منه انت الا وهو رفع الضرائب لعدم وجود ما يقدموه للفلسطينيين سوى المزيد من التعاسة بجود السلطه

  9. اعتاد الناس في بلادنا ان يطالبوا الحكومة بالتوظيف و تحسين الرواتب و تأدية الخدمات لانهم اعتادوا على فكرة ان الحكومات تحصل على المال اما من المنح او الموارد الطبيعية و انهم اي الناس انما يطالبون بحقوقهم في الدخل الذي تأكله السلطات على ظهورهم. يعني انهم يتنزعون لقمتهم من انياب السلطات المفروضة عليهم.
    الدول المحترمة هي التي يكون فيها الشعب المصدر الحقيقي للسلطات و صاحب السيادية و كل الاجهزة و المؤسسات فيها تعمل بامرة الشعب. وهذا يحدث عندما يكون الشعب هو الذي ينفق فلا تستطيع المؤسسات الحياة بدونه. ومن هنا جاءت القاعدة لا ضرائب بلا تمثيل
    قد يقول قائل ان الكيان المسمى اسرائيل عاش على المساعدات و المنح طول حياته فلم لا ينطبق عليه آفة المساعدات. الجواب ان هذا الكيان ليس دولة طبيعية فهو جزء لا يتجزء من العالم الغربي و امريكا بالتحديد الذي تتعامل معه افضل من اي ولاية امريكية لانه لا يدفع اي ضرائب. انه بمثابة قاعدة غربية متقدمة اقل كلفة من القواعد العسكرية التقليدية و ضحاياها من اليهود الذين لا يحبونهم حقا

  10. مقال جيد يعكس الوضع القاءم للسلطه التي احتوت حركات التحرر الفلسطينيه واجهضتها وحولتها لحركات تسول تنسق وتحمي مصالح الاحتلال مقابل الدعم المادي الاميركي . كنا نامل ان تتحرر السلطه من القيود الاميركيه عندما خفضوا دعمهم الا ان هذا الدعم عوض بمساعدات سعوديه بتوجيه اميركي اسراءيلي ولهذا ترى السلطه تدافع عن السعوديه وتهاجم طهران وتتهمها بالتدخل بالشأن الفلسطيني عبر دعمها فصاءل معينه خارج السلطه ويقصد بها حماس والجهاد ( القواسمي على الميادين هذا الأسبوع) . والسلطه التي ترفض المساعدات الايرانيه بضغط سعودي حضرت مؤتمر مريم وجوي بباريس واجتمع عباس معها.
    رغم وقف الدعم الاميركي المالي المباشر للسلطه وتوصيات معظم المجالس الفلسطينيه المنتخبه والمعينة(رغم انها تتبع عباس) بوقف التنسيق الأمني، الا ان السلطه بقيادته أيضا تأبى وتجد فيه اَي التعامل عماد وجودها. ويبدو ان الصهاينه يتطلعون الى دعمه ماديا في شرم الشيخ من المشاركين لان هذا يخفف الاحتقان الجماهيري في الضفه ولهذا سمحوا له بالذهاب.

  11. الى د. عبد الستار قاسم المحترم
    السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
    كلامك صحيح

  12. What ever Dr Qasem has said is true and nothing but true. I just hope that all financial assistance from any party stops if it is just to buy allegiance , be they from USA , Europe , Qatar or any GCC country. It is so funny that US and other Arab countries pay assistance to buy allegiance and suffocate Palestinians to not resist Israel whereas , Arab Investments in USA and the West have never been used to change American eveil policy towards the Arabs. On the contrary , USA still says if it was not America no leader ( in the GCC ) would stay 2 weeks . What I like to say is that we pay them to humiliate us ! what an incredible assistance.

  13. “بسم الله الرحمن الرحيم ؛ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (70) وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (71)” صدق الله العظيم

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here