شذور شعريّة ونثريّة “العام الجديد: 2020”

د. نهلة غسّان طربيه
مصباح الشارع في العاصمة الغربية..
كراسي القشّ المتناسقة في مقهى صغير تستنير بانكسارات ضوء المصباح المتوهّجة..
سِكّيرٌ يغنّي كلماتٍ متبعثرة من أغنية ل ( شارل أزناڤور) وهو يعبر الشارع..
تمثالٌ مُنَمْنَم يبدو عن بُعْد لامرأةٍ تعزف، فأدندنُ لحناً خافتاً لايسمعه أحدٌ غيري..
عجوز ترتدي قبعةً جلدية حمراء تنظر في مرآتها اليدوية قرب طاولتي..
طفلةٌ لاتتجاوز الخامسة تلعب بفضول على هاتفها الجوّال ثم تنظر في عينيّ وتبتسم بشقاوة..
أحتسي قهوتي ببطء..
أنظر إلى ساعة الحائط تتراكض..
مازالت هناك خمس ساعات كي تلجَ العالم سنةٌ جديدة.
صوت المطر..
خفيفٌ جداً بالكاد يُسمَع..
يدقّ بقطراته الصغيرة المتوسِّلة على خيمة المطعم الباردة..
هل يشبه هسيسَ الصمت في القنديل الصغير الذي كان ينير غرفة جدتي في عز كانون؟
هل يشبه صوتَ البخار الذي كانت تكتسيه نافذة مطبخنا حين كنّا صغاراً فنخربش عليها حروفا مبعثرة بأصابعنا المُغامِرة؟
هل يشبه وشوشةَ الحبق في أصيصٍ معدني من علبة سمن ( تانيا)
في فسحة دار جيراننا في القرية؟
كنتُ أتساءل.
تركْتُ من ثمّ المطعم على عجالة أحثّ الخطى صوب البيت..
فزوجي وولديّ بانتظاري..
وكثيرٌ من الحبّ والدفء واللون.
“الحمدلله على نعمة الحبّ والأولاد”.. قلتُ في سرّي.
ولكنْ حدث شرخٌ في فرحة روحي إذ ذكرْتُ كثيرين من الطيبين ممّن لاينعمون بالحبّ والأولاد.
” لايجب أن أبكي في نهاية السنة” تذكّرْتُ مايقوله المثَل.. حكمة الأجداد.
حدّقْتُ حولي في عتمة المدينة..
پاريس كانت تحدّثني عن حكايات أعرفها..
في مدنٍ غربية وفي مدنٍ شرقيّة.
فلافرق كبير بين پاريس أو لندن أو بغداد أو دمشق أو القدس في الليل.
تتشابه المدن كثيراً في الليل..
حيث تخلط العتمة الحابل بالنابل..
فلا نعود نرى وجه الحقيقة.
أوليست الحقيقة وجهاً آخر للنور؟
مايجعل المدن مختلفةً فقط هي رائحتها..
ولا أريدُ أن أخوض في ذلك الآن كي لاأبكي على عتبة العام الجديد.
إذاً كانت پاريس.. في آخر يوم من السنة .. تحدّثني عن المتسوّلين على الأرصفة الواجمة..
عن بقايا الطعام المتروكة للقطط (البشرية)على حافة مداخل البيوت..
عن نهر (السين)الذي يشبه جداً في الليل ( نهر الفرات) و( الدانوب) و ( التايمز)..
تهدر فيه أمنيات شعوب..
وانكسارات أحقاب..
عن رائحة الخبز المشويّ في حاراتنا العربيّة البعيدة في آخر الليل.
فتحْتُ من ثمّ يدي الباردة..
وملأتُ كفّي المرتجفة بشيء من قطرات المطر..
مسحتُ بها عينيّ، فاختلطت عليّ دموعي.
هي سنة جديدة لكلّ البشر..
فلاتبخلي على الفقراء ياسماء برحمة المطر.
(أكاديميّة سوريّة مقيمة في لندن).

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

7 تعليقات

  1. ولا اروع من احتساء كوب شاي في ليلة تمطر بقصص تملءها اناشيد حسيس رنات المطر في ليل شتوي على حافة طريق باريسية ،، مع شاعرة من نوع اخر من البشر اقاصيصها سحرية تاخذنا لابعاد افقية ما بين راءحة ألم بشر الارض من فقراء وبين تغاريد وعنفوان واقع معيشة الحياة نسيح مع افكارنا ما بين السين وبردى والفرات ، هذا الكم الجاذب ما بين دفء الشعور للعودة للمنزل حيث ينتظر ذراع الزوج والولد وذكرى روح الجدة ما بين رعشة مطر وغموض عين تأخذنا لرياض حلم وواقع لحياة

  2. وتوقفت لغة الكلام …
    كما وصف هذه الشذرة الفنان الشاعر الأستاذ جورج عشي حقاً انها سيناريو لفيلم سينمائي قصير …
    ذكرياتنا في شريط سريع مع معزوفة موسيقية مميزة وياليت هذه الشذرة لاتنتهي.

  3. شاعرة الشعور الحسّاسة بدأت بالكلام، أرجو الصمت والاستماع لها.
    اتمنى لك دكتورتنا الغالية وللفرسان الثلاثة سنة جديدة إيجابية وحياة سعيدة أينما كنتم.

  4. سيناريو فيلم سينمائي قصير شاعري مذهل يأخذنا الى عوالم نعتقد أنها مهملة بينما هي في الواقع تسكن في شرايننا وصور لم تخطر ببالك لكنها في عمق وجدان الكبيرة الشاعرة نهله طربيه أصبحت جميلة ومرئية .

  5. كلماتك الشعرية إشعاع لروحك المرهفة..حماك الرب وعائلتك الحبيبة بالسعادة والهناء

  6. صور جميلة جدا ورائعة جدا قراتها بمتعة تمنيات كثيرة صديقتي الغالية نهلة والحبيب جهاد والغوالي فراس وسومر كل عام وانتم بالف خير

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here