شاكر فريد حسن: مع “سِيزِيف وَبِحار” لأسيد عيساوي

شاكر فريد حسن

كان الصديق الطرعاني أسيد عيساوي، الذي أواكب وأتتبع كتاباته منذ سنوات بعيدة في صحيفة ” الاتحاد ” العريقة، قد أهداني باكورة أعماله الشعرية ” سِيزِيف وَبِحار ” الصادرة قبل فترة وجيزة عن دار الوسط للنشر في رام اللـه، واشتملت على قصائد منشورة غالبيتها سابقًا، امتدت على 150 صفحة من الحجم المتوسط، وصمم الغلاف بشّار جمال، واهداها إلى زوجته شريكة حياته ورفيقة دربه، وإلى أولاده وأحفاده وأصدقائه وقرائه.

وتتراوح قصائد الديوان بين القصر والطول، بين الشعر والنثر، بين الجودة والجمالية الفنية فيما بينها، وبين الضعف والقوة والمتانة والصياغة الشعرية، لكن ما يجمعها هو صدق الإحساس، وكثافة العبارة، وعمق المعنى والبعد التاريخي والسياسي والوطني، والايجاز التعبيري في جملته، ومخاطبة القارئ بلغة الفكر والسياسة. وهي في المجمل نصوص تصويرية لرحلة ومأساة ومسيرة العذاب والشقاء الفلسطيني المتواصلة والمستمرة منذ قبل النكبة وحتى اليوم.

وسيزيف الذي يوظفه أسيد في خدمة غرضه الشعري ومضمون قصيدته، هو رمز العذاب الأبدي، المعروف حسب الميثولوجيا الاغريقية بالمكر والدهاء، ونجح في خداع اله الموت تاناتوس فغضب عليه كبير الآلهة زيوس وعاقبه بحمل صخرة من اسفل الجبل حتى أعلاه، وكلما وصل إلى القمة تدحرجت الصخرة إلى الوادي فيعود إلى رفعها للقمة من جديد، وهكذا إلى الأبد.

وسيزيف أسيد عيساوي هو كنعان، بما يمثله من تاريخ وثقافة وتراث وأصالة ووجود، وهو الصورة التراجيدية لشعبنا الفلسطيني المشرد والمعذب، الذي يحمل شقاءه ومأساته كل مرة، وينهض مجددًا، وما ان يقترب من تحقيق حلم الحرية والاستقلال، تتآمر عليه ذئاب الامبريالية، ويتقاذفه زعماء العالم كالكرة، وتظل قضيته تطفو على بحار من الوهم والضياع. ولنسمعه يقول :

 وصارَ كنعانُ البديل

في كنعان فيونيكيس يزرعُ القمحَ

يَنتظرُ حلولَ الغيمات

ينتظرُ هطول المطر

ويُربّي التين والزّيتونَ والكرمات

والمطر هنا هو رمز الخصب والعطاء، والأسطورة والشعر بين سيزيف وكنعان، هو صوت أسيد وصدى شعراء الوطن والمقاومة، وبين الوعي واللاوعي، وبين نبض القلب ورؤيا العقل، يكون انتظار الميلاد.

وأجواء نصوص الديوان في الغالب متفاعلة ومتماهية مع الجرح الفلسطيني الكبير، ومع الهموم القومية والعذابات الانسانية، إنها مزيج بين الشعر والأسطورة والسياسة، تؤكد صوته وصورته كفلسطيني ملتزم ومسكون بالوطن حد الثمالة، وكإنسان قومي وعروبي وناصري، قلبًا وقالبًا، يربط الماضي بالحاضر، والأسطورة بالحياة، ويقدم مجموعة من الفضاءات تتراوح بين الألم والأمل، بين الوجع والفرح، بين القهر والحرية، وبين الواقع والوهم. وصدقت الشاعرة روز اليوسف شعبان بقولها : ” سيزيف وبحار قصيدة عشق لجفرا، للسنابل والوديان، لجبال الزيتون والتوت والزعتر والرمان. هي رحلة العودة المتوجة بالشوق والحنين إلى الأزقة العتيقة إلى الزهرة الشامخة في ثرى الوجدان، وهي أنشودة الحب الأبدي، وانتظار النداء الناصح الذي يكسر ويحطم العبوديةَّ والطغيان، ويرسو في شواطئ الأمان. فيولد الحب من جديد طاهرًا نقيًا بلا رتوش أو تجميل، فهو اللوتس في جماله، والتفاح في بهائه والبرتقال في شذا أزهاره والجوريُّ في احمراره “.

ديوان ” سيزيف وبحار ” لأسيد عيساوي ينم عن روح إنسانية عالية ووطنية عارمة، والتزام واضح بقضايا وطنه، وانحياز للجماهير، ويجسد حسًا وطنيًا وقوميًا وادبيًا بكل ما يحتوي من سطور وعبارات وجدانية مفعمة بمحبة الانسان لوطنه ولأخيه الإنسان فوق كل أرض. ونشعر بمزيج من مسحة الحزن والألم من جهة، ومركب الغضب والعنفوان من جهة أخرى، يعتملان في صدره العامر بالأيمان بقضية الوطن وامتداداته الجغرافية والتاريخية، وفي الكثير من جمله وتعبيراته إشارات ودلالات واضحة وضمنية إلى قيم المحبة والسلام والتسامح، وهي أساس الحياة المشتركة بين جميع الناس بغض النظر عن الفوارق الدينية والعرقية والقومية والسياسية والطائفية والمذهبية والايديولوجية. وباختصار شديد هو إنسان في قلبه إنسان كله رقة ومشاعر دافقة واحاسيس وطنية لاهبة وجياشة وغضب داخلي متأجج على واقع البؤس وقتامة المرحلة وقهرها، ونتيجة غياب القائد السياسي الحكيم الوحدوي الموحد الكريزماتي المكمل لمسيرة عبد الناصرية ومشروعه القومي التحرري التاريخي.

ويعمد أسيد عيساوي إلى توظيف المكان والتراث والتناص والرموز التاريخية والأسطورة، والشخوص الاغريقية التي يذكرها في قصائده استدعتها التجربة الشعورية لديه، كي تضفي عليها أهمية خاصة، فالتجربة إنما تتعامل مع هذه الشخوص والرموز والمواقف تعاملًا شعريًا على مستوى الرمز، نجدها تكشف عن المفاهيم السائدة من خلال الرمز التاريخي إلى مفاصل تاريخية بعيدة ربما تعانقت مع الحالة السائدة في مزاوجة التراث والواقعي، ولا تقف عند المعاني المعجمية بل تميل إلى تأويلات عديدة خارج النص.

إنه يوظف كل شخصية من الشخصيات التاريخية بمدلول رمزي يتسق مع شخصية معاصرة، وهذا إما رغبة في استحضار واستدعاء الشخصيات، وجعل بعض صفاتها دلالة مركزية تساير الدلالات الأخرى، وإما رغبة في استحضار شخصية تاريخية كي تؤول احدى صفاتها التي اشتهرت بها، ما يناسب الموقف والحالة.

وفي الديوان قصائد وجدانية وعاطفية في الحب مصبوغة بالرومانسية، متسمة ببساطة وسهولة بلغتها الكثيفة الأقرب إلى النثر احيانًا منها للشعر، ومتكلفة أحيانًا.

ورغم العثرات والهنات والسقطات والشوائب في هذه القصيدة أو ذاك النص النثري، يبقى الديوان محاولة وتجربة شعرية لصاحب قلم يتعاطى الكلمة، وإنسان وطني غيور على وطنه وقضايا شعبه الوطنية والمصيرية، ومناضل عرف السجون وظلام الزنازين، تجربة تحتاج أكثر إلى الصقل والنمو والتجدد في الشكل والجمالية الفنية والصياغة والأداة الشعرية والايقاع الموسيقى الذي تفتقر له الكثير من نصوصه.

إنني إذ أهنئ أسيد عيساوي بصدور ديوانه، أشكره على هديته التي اعتز بها، وأتمنى له مستقبلًا أكثر خصوبة وإشراقًا وجمالًا واخضرارًا، مع خالص التحيات.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here