شاب “الأوريغامي” بغزة يحول كتب “الرابش” لمنحوتات فنية

غزة/ مصطفى حبوش/ الأناضول

تتناثر ذرات الغبار بكثافة في أرجاء غرفة الشاب الفلسطيني أحمد حميد، فاليوم حصل على مجموعة جديدة من الكتب القديمة والتالفة من سوق “الرابش/المستعمل” وبدأ بنفضها من أكوام تراب تغلف صفحاتها، قبل عرضها لأشعة الشمس لساعات طويلة حتى تتخلص من رطوبتها وتصبح صالحة للعمل.

وما أن تنتهي عملية التنظيف والتجفيف، يبدأ “حميد” (28 عاما) بمرحلة العمل فتلك الكتب التي كانت صفحاتها الصفراء غارقة بالغبار والرطوبة سيتحول كل واحد منها خلال بضع ساعات إلى أعمال فنية تحمل صورا وأسماء وكلمات وأشكال يقبل الكثير على اقتنائها لتقديمها كهدايا قيمة وغريبة أو استخدامها للترويج لشركاتهم.

ويصنع الشاب، الذي يقطن في مخيم النصيرات وسط غزة، أعماله عبر طي صفحات الكتب بطريقة خاصة ومعقدة تعتمد على الخيال والخبرة المتراكمة والمهارة الفنية، فتتشكل منحوتة من الورق تظهر معالمها عند فتح الكتاب كمفاجئة غريبة.

واستلهم الفنان الغزي فكرة تحويل الكتب القديمة والتالفة إلى أعمال فنية من فن “طي الورق” (الأوريغامي) الشهير في اليابان، فقد كان يقضي ساعات طويلة يتصفح مقاطع فيديو لصناعة أعمال فنية من الورق.

وفن “طي الورق” أو “الأوريغامي” يرتبط بالثقافة اليابانية، والهدف منه تحويل ورقة مسطحة سواء منفردة أو ضمن كتاب من خلال تقنيات النحت والطي، إلى تصاميم فنية معقدة.

ولا يستخدم ممارسوا فن “الأوريغامي” في أعمالهم مواد أخرى غير الورق، كما لا يشجعون على استخدام القص واللصق أو عمل أي علامات على الورق عامة.

وتمكن الشاب الفلسطيني من إتقان هذا الفن خلال فترة لا تزيد عن الشهر حتى بات يصنع أعماله من كتب بالقطع الكبير تضم مئات الصفحات خلال ما لا يزيد عن 5 ساعات بعد أن كان الكتاب يستغرق منه 15 ساعة في بداية الأمر.

وعلى منضدة خشبية في غرفته الصغيرة يعرض “حميد” كتبه التي يظهر في جانب كل منها منحوتة مختلفة فإحدها تحمل شعارا لشركة محلية، وأخرى اسما لفتاة سيقدم لها خطيبها ذلك الكتاب هدية في عيد ميلادها المقبل، وثالثة لحكمة شهيرة طلب أستاذ جامعي نحتها على كتاب صغير ليضعه على مكتبه.

ويحصل “حميد” على الكتب القديمة والتالفة التي يصنع منها أعماله الفنية من أسواق “الرابش” بمدينة غزة التي تفتح في صباح الجمعة من كل أسبوع وتبيع أي شيء قديم أو مهمل أو تالف كالملابس البالية أو قطع الأثاث القديمة، حيث يشتريها بثمن زهيد لا يزيد عن 3-5 شيكل للكتاب الواحد (0.8-1.3 دولار).

ويهدف فنان طي الورق من أعماله إلى لفت النظر إلى أنه يمكن تحويل الأشياء القديمة والمهملة والتالفة إلى لوحات فنية جميلة وبسيطة.

وإضافة لمتابعته للأعمال اليابانية في هذا الفن، فإن الشاب الفلسطيني يتواصل عبر مواقع التواصل الاجتماعي مع فنان ياباني شهير بفن طي الورق في بلاده يدعى هاينكلي (Hinklay)، ويعرض عليه أعماله.

ويقول “حميد”: “هاينكلي شاهد معظم أعمالي الفنية وأبدى إعجابا كبيرا بها، وتعجب من الفترة القصيرة التي استغرقتها لإتقان هذا الفن”.

ويضيف: “الفنان الياباني أخبرني أن أي كتاب من أعمالي يمكن أن يباع بسعر قد يصل إلى 500 دولار باليابان”.

لكن الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون في غزة تجبر الشاب الغزي على بيع أعماله الفنية بمبالغ زهيدة تتراوح ما بين 70-300 شيكل (19-80 دولار).

ويحدد فنان “الأوريغامي” سعر العمل حسب قطع الكتاب (صغير أو متوسط أو كبير) وعدد أوراقه، ومدى تعقيد التصميم، والوقت الذي استغرقه في إنجاز العمل.

ويعتمد “حميد” في نفقاته الشخصية على عائدات بيع أعماله الفنية فهو لا يملك أي عمل آخر في ظل ارتفاع معدلات البطالة في غزة إلى أكثر من 70%.

ويطمح الفنان الفلسطيني لترويج أعماله خارج قطاع غزة وفلسطين لتصل إلى المعارض الفنية العالمية المختصة بمثل هذا الفن خاصة باليابان.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here