د. حسين البناء: سيناريوهات مفتوحة في الشمال السوري أمام الأتراك والأكراد والحكومة السورية

د. حسين البناء

جهّز الأتراك أنفسهم للحلول مكان القوات الأمريكية منذ إعلان الرئيس الأمريكي عزمه الانسحاب من الشمال السوري قبل شهور، و كان قد واجه قرار الرئيس ترمب معارضةً واسعةً في مراكز القرار الأمريكي نظرًا لأهمية تواجد قواعد متقدمة للجيش و الاستخبارات الأمريكية في الأرض السورية لتنفيذ مهام خطيرة كالتجسس و تعبئة و تجنيد وتدريب الفصائل المعارضة و إدارة المعارك إلكترونيًا و استخباريًا هناك.

نفّذ الأمريكيون قرارهم بالانسحاب مع معظم القواعد في الشمال السوري وشرق الفرات، مدفوعًا بتصريحات جريئة للرئيس ترمب يتكئ فيها على مبررات خفض الكلف المالية و حماية أفراد الجيش وسلامتهم و عدم جدوى المكوث طويلًا هناك، مقرونًا ذلك مع تهديد صريح للأتراك بعدم التمادي في انتشار العمليات الحربية و تجاوز قواعد الحرب و الاشتباك المعهودة و خاصة مع البيشمركة الكردية و الفصائل التي حالفت الأميركان مثل (قسد) و غيرها.

اندفعت قطاعات الجيش التركي تجاه الحدود السورية لتحل مكان ما أخلاه الأمريكان فورًا مُعلنةً نية التوغل لأكثر من 30 كم في الداخل السوري لتشكيل حزام آمن للعمق التركي الذي تدّعي أنقرة بأن كثرة التنظيمات “الإرهابية” فيه تُهدّد الأمن القومي لها، في إشارةٍ مشوشةٍ عن (داعش) و الفصائل الكردية و الميليشيات المختلفة هناك.

الأكراد بدورهم و بحكمتهم باتوا بين خيارات واضحة: أما مواجهة الأتراك الذين يتفوقون عليهم بشكلٍ كبيرٍ، أو العودة لدمشق حيث بدا ذلك خيارًا أقل كارثية. فكان أن تم رفع الأعلام السورية و ارتداء الزي الرسمي للجيش السوري و بدأت القوات الحكومية بالتحرك تجاه المدن السورية التي تم فتحها أمامهم قبل أن يصلها الأتراك. هنا تم إرباك المشهد أمام الجميع بالكامل، وبهذا عملانيًا تم نزع الحجة من يد الأتراك الذين لا يُمكن لهم أن يُغطّوا تحركهم داخل سوريا بعد الآن و قد عادت المناطق لسيادة الدولة، مدفوعًا بالتصريحات الأوروبية التي قطعت الإمداد الحربي و علّقت صفقات التسلح مع أنقرة انسجامًا مع الموقف الأمريكي السابق.

يُعتَبَر الهجوم التركي الحالي على المناطق الكردية في سوريا وبهذا الشكل اعتداءً واضحًا على أرض دولة ذات سيادة، وليس غريبًا الموقف العربي الرافص كما أعلنته الجامعة العربية، والمدعوم بالموقفين الأمريكي و الأوروبي. إذن فقد بات أردوغان في مأزق حقيقي، فلا هو بالقادر على الانسحاب تحت وطأة المستجدات التي حصلت وبعد الاستعدادات التي تم حشدها عسكريًا، ولا هو بالقادر على المضي قُدمًا لاحتلال شريط واسع على امتداد الشمال السوري.

الأكراد، وفي الحقيقة، قلبوا الطاولة على الجميع، و بالذات الطرف التركي الذي بات في مأزق حقيقي.

السيناريوهات المتوقعة:

الكرة حاليًا في ملعب أردوغان، ولكن ليس طويلًا؛ فهنالك أطراف عدة معنية بالشأن السوري.

سيناريوهات محدودة هي أمام التطورات في هذا الملف:

(1) بدءًا بالتورط التركي بعيد الأمد والذي سيُفضي لخسائر تركية على كل الصعد وعقوبات دولية واسعة. مقرونةً بمعارك ضارية ستكبّد جميع الأطراف ضحايا و خسائر، وقد تُعيد رسم المشهد السوري من جديد.

(2) الاكتفاء بعملية عسكرية محدودة و مؤقتة بذريعة تأمين الحدود و دفع الإرهاب. بهذا يحفظ الأتراك ماء الوجه و يكونوا قد ظهروا بالجانب المأمون و الطرف المتوازن.

(3) الانسحاب العاجل مع خيبة أمل و انتكاسة نفسية عميقة للحكومة التركية، حيث سيَظهر أردوغان بالمتعجل في هجومه و في انسحابه تحت ضغط عالمي كبير و واسع لا تستطيع تركيا تجاهله.

الأسبوع القادم سيُحدّد مصير الأكراد في الشمال السوري، و سيمنح الحكومة السورية فرصة مثالية لترتيب الملف الداخلي، و سيُعيد رسم صورة أردوغان في العالم.

أكاديمي و خبير سياسات اردني

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. يالها من حكمة غاية بالغباء فهؤلاء فقدوا كل شيئ وأصبحوا صفرا على الشمال بعد غدر راعيهم في حين أن الرابح على أرض الواقع هو أردغان حتى لو عاد دون تحقيق المنطقة العازلة التي لم تعد ذات أهمية بعد زوال الخطر جنوبا وإستيلاء الجيش السوري على سلاح قسد وقواعده وحل جيشه دون شروط.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here