د. خالد رمضان عبد اللطيف: سيناريوهات الاقتصاد العالمي بعد كورونا

د. خالد رمضان عبد اللطيف

تعد المخاوف المتعلقة بفيروس كورونا مثالا جيدا على لعبة شد الحبل المستمرة في الأسواق العالمية منذ يناير الماضي، والتي غلفتها مشاعر القلق وتصاعد حالات عدم اليقين الاقتصادي، الأمر الذي يطرح سؤالاً عريضاً حول سيناريوهات الاقتصاد العالمي المقبلة بعد انتشار فيروس كورونا، حيث تختلف توقعات النمو الآن في 2020 سواء في الصين أو خارجها مع بروز ذلك المتغير الطارئ.

الأمر المبشر في الأمر، هو أن التجارب التاريخية بشأن الأوبئة السابقة، مثل “سارس”، تؤكد أن أزمة فيروس كورونا ستؤدي إلى تأثيرات ملحوظة قصيرة المدى، ولكنها لن تؤدي إلى تأثيرات بعيدة المدى، كما أنه لا يتوقع أن تكون هناك اضطرابات حقيقية على غرار الأزمة المالية العالمية في عام 2008، عندما انهارت أسعار البورصات وكان الاقتصاد العالمي على وشك الانهيار، وطالت الأزمة آنذاك الأنظمة البنكية والمالية التي كانت متداخلة مع بعضها على مستوى الدول، وبشكل وثيق، ولهذا فإنه من ألطاف القدر ألا يكون الأمر هذه المرة في 2020 كسابقه في 2003.

تستند السيناريوهات المتوقعة على فرضية أساسية، وهي أن الاقتصاد العالمي يتعرض في الوقت الراهن إلى صدمة ضخمة نتيجة انخفاض استهلاك السلع الأساسية وتقلص الطلب النفطي وتراجع إنتاج السيارات بالصين وهو من أخطر وأقوى القطاعات الاقتصادية، بالإضافة إلى هبوط الإنفاق على القطاع السياحي، بفعل القيود الرسمية المفروضة على السفر من وإلى الصين، ولهذا تتركز التأثيرات الاقتصادية خلال النصف الأول من العام الجاري، على أمل أن تتم السيطرة على الفيروس القاتل بحلول أيار (مايو) أن تتم السيطرة على الفيروس القاتل بمشيئة الله بحلول مايو المقبل.

في السيناريو الأول، حيث  يقتصر الوباء على قارة آسيا فقط، ستكون النتيجة محو حوالي 0.4 تريليون دولار أي 0.5 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وبالتالي يتوقع تباطؤ النمو الاقتصادي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ من 4 % بنهاية عام 2019 إلى 1.5 % فقط في النصف الأول من العام الجاري، وهي أدنى وتيرة نمو منذ الأزمة المالية العالمية في 2008.

يتوقع أن يشهد الاقتصاد الصيني نمواً بنسبة 2.6 % فقط في أول 6 أشهر من 2020، وهي أضعف وتيرة نمو في 30 عاماً على الأقل، وزيادة عن معدل الخفض الذي أحدثه وباء “سارس” خلال عام 2003، كما أن  هذا الأمر سيخفض تقديرات نمو الناتج المحلي الإجمالي في الصين هذا العام إلى 5.4 % بدلاً من 6 %، على أن يتباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى 1.5 % خلال الأشهر الستة الأولى من 2020، ويتسارع في النصف الثاني مع انحسار العدوى، في الوقت الذي تشكل فيه الشركات والأسر غالبية الإنفاق الاستثماري والاستهلاكي.

أما السيناريو الثاني، الأشد تشاؤما، فيفترض انتشار الوباء حول العالم وبالتالي يكون الأثر الاقتصادي أكبر، وهنا يتوقع أن يشهد الناتج المحلي الإجمالي العالمي تقلصاً بنحو 1.1 تريليون دولار أي 1.3 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ووفقا لهذا السيناريو، فإنه من المنتظر أن يفشل الاقتصاد العالمي في النمو خلال النصف الأول من العام الجاري ليسجل “صفر”، وأن تعاني الولايات المتحدة ومنطقة اليورو من حالة ركود فني والذي يعني انكماشاً في الأداء الاقتصادي لمدة 6 أشهر، وذلك بفعل توقف الإنتاج في المصانع بسبب الافتقار إلى المكونات الصينية المهمة.

تفاقم قيود حماية الصحة العامة من صعوبة عودة العمال لوظائفهم بعد عطلة طويلة، وسيكون لهذا الأمر تأثيراً كبيراً على سلاسل التوريد العالمية، إذ تشكل المصانع الصينية رابطا حيويا في سلاسل التوريد للشركات متعددة الجنسيات، فيما لاتزال مقاطعة هوبي موطن الوباء، والتي تمثل قلعة صناعية بحجم اقتصاد دولة مثل السويد، في حالة إغلاق تام، كما جرى تطبيق قيود متنوعة على عمليات الانتاج في المصانع، مما يعقد مهمة استعادة الاقتصاد الوتيرة الطبيعية التي كان عليها في السابق.

بالرغم من كل هذه التراجيديا الاقتصادية، فإنه يجب على المستثمرين وخاصة صغار المستثمرين ألا يفرطوا في تفسير المناخ الجيد في البورصات، لأن الأسواق المالية تظل عرضة للخسائر في ضوء استمرار النمو الصناعي الهش على المستوى العالمي، مع استمرار ارتفاع تقييم الأسهم، كما أن التداعيات السلبية للفيروس قد تؤدي إلى صدمة سلبية يمكن أن تجبر البنك المركزي الأمريكي على خفض معدلات الفائدة، وهذا الأمر مهم جداً ومؤثر بشكل خاص على التوقعات بشأن التداول في العملات والذهب.

* كاتب مصري متخصص في العلاقات الدولية والدبلوماسية

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here