محمد مغوتي: سيكولوجية الحراك الشعبي في الريف المغربي

mohamed-maghouti.jpg666

محمد مغوتي

نقرأ في مقدمة الطبعة العربية لكتاب ” الثورة بلا قيادات ” لمؤلفه “كارن روس” الديبلوماسي البريطاني السابق:

” الناس هم أفضل من يقفون على واقع ظروفهم، يجب أن يكون القرار بشأنها لهم. يستحيل على أي نخبة معزولة، ولاسيما غير منتخبة، أن تعرف واقع المواطنين”. ( عالم المعرفة. العدد 446. مارس 2017. ص: 15).

يبدو أن هذا الكلام ينطبق إلى حد بعيد على واقعنا اليوم، وفي الحالة المغربية واضح أن هذه النخبة لا تعرف واقع المواطنين، أو لنقل إنها لا تهتم به، حتى ولو كانت نخبة (منتخبة). وما يجري في الحسيمة منذ أكتوبر الماضي خير شاهد على هذا الأمر. ذلك أن انفصال السياسي عن هموم المواطن ومشاكله اليومية أدى إلى فقدان الثقة في النخب التي تتحمل مسؤولية الشأن المحلي، وبات الشارع يعتبرها عاجزة عن تحقيق مطالبه، بل إنه ينظر إليها بوصفها جزءا من المشكلة. ولم يعد مستعدا للإستماع إلى وعودها الفارغة والكاذبة.

حراك الريف من حيث هو سلوك إحتجاجي تحركه مطالب إجتماعية واقتصادية وأمنية، ليس حالة فريدة من نوعها، فالمغرب يعرف العشرات من الوقفات والمسيرات الإحتجاجية كل يوم في مختلف المدن والقرى. غير أن هذا الحراك الذي يعرفه الريف يؤرخ لمرحلة جديدة في مسار مراكمة النضالات الشعبية بهذا البلد. فهو يزداد قوة يوما بعد آخر رغم كل محاولات التخوين والتخويف التي طالت نشطاءه. إلا أن القوة الحقيقية لهذا الحراك تكمن في الإيمان بالقضية.

هذه الجموع الغفيرة التي تخرج إلى شوارع الحسيمة وباقي المناطق المجاورة يجمعها ملف مطلبي واحد لم يكتبه زعيم يجلس في مكتب مكيف، بل كتبته حناجر المحتجين المكتوين بكل ألوان التهميش والحرمان. هنا تكمن قوة الحراك. أما ناصر الزفزافي فليس إلا واحدا من هؤلاء. الزفزافي ليس هو من صنع الحراك. لقد أبان عن قدرة هائلة على القيادة والتنظيم والإحتمال. هو أيقونة هذا الحراك، لكن قوة الشارع بنفسه الطويل وانخراطه في المشهد الإحتجاجي بكل قناعة وإرادة هي التي صنعت إسمه، وجعلته قائدا للجموع. فهو يستمد قوته وحضوره  من السند الشعبي الهائل الذي يجده في الشارع، ويمنحه مزيدا من الشجاعة والصمود. وهو سند يعبر عن قابلية مدهشة للمشاركة في الفعل الإحتجاجي، لأن أبناء الحسيمة يدركون أن هذه اللحظة تمثل فرصة سانحة لتحقيق مطالبهم العادلة والمشروعة، وقد فهموا جيدا أن البقاء في الشارع بنظام وانتظام هو الكفيل بتحقيق تلك المطالب وانتزاعها.

خلال المسيرة الجماهيرية الكبيرة التي شهدتها الحسيمة يوم الخميس 18 ماي على خلفية الخرجة البئيسة لأحزاب الأغلبية الحكومية التي هاجمت الحراك واتهمت نشطاءه بالإنفصاليين. خلال هذه المسيرة إذن ظهر بجلاء أن المحتجين قد تخطوا حاجز الخوف رغم كل مظاهر العسكرة التي تعرفها المنطقة. وكان الرد حضاريا بامتياز مرة أخرى. حيث قدم الحراك من جديد دروسا لمن يهمه الأمر في التنظيم والمسؤولية والإنضباط  والمواطنة. وهو ما يثبت نضج المتظاهرين ووعيهم الكبير. أما المشهد الذي يصور لحظة التحاق ناصر بالمسيرة المذكورة ومعه عدد من الشبان الذين تطوعوا لحمايته، فهو يحمل دلالة واضحة على التلاحم الشعبي والوقوف إلى جانب هذا الشاب الذي تصدر واجهة الحراك خلال الشهور الأخيرة. وهو ما يعني أن هذه الجموع تتبنى خطاب هذا القائد لأنه يعبر عن همومها ويتكلم بلسانها، بالرغم من كل الملاحظات التي قد تثيرها خرجاته الإعلامية المتكررة.

يدرك المتظاهرون أن هذا الحراك مشروع وضروري، لذلك يزداد تعلقهم بالشارع. لقد اكتسب الشباب خلال الأشهر الأخيرة ثقافة جديدة، لأنهم أصبحوا متعودين على أدبيات الإحتجاج وآلياته وملتزمين بها، وأصبحت الشعارات التي ترفع في الوقفات والمسيرات تتردد في مختلف المناطق التي وصلها المد الإحتجاجي الذي أصبح معديا، وذلك بعدما هبت رياح الإحتجاج السلمي والمسؤول إلى عدد كبير من البلدات والقرى في أقاليم الحسيمة والناظور والدريوش وغيرها. والقاسم المشترك في كل المحطات هو تحسين الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية والإقلاع بالتنمية المحلية ورفع التهميش.

هذه الجموع التي تخرج هنا وهناك من أجل مطالب شعبية تؤمن أن التغيير ممكن، وأن تحسين الأوضاع لا تحققه النخبة، بل يفرضه انتباه المواطنين إلى أحوالهم ووعيهم بها. هنا نقرأ مرة أخرى كلاما ل” كارن روس” من نفس المؤلف يقول فيه: ” لعلنا قد وصلنا إلى أحد منعطفات التاريخ الذي يصبح فيه التغيير الأساسي العميق ممكنا مع تنبه الناس إلى المظالم الشديدة، ولكن أيضا إلى عجز الإدارة…” ( عالم المعرفة. عدد 146. ص: 222.). وواضح أن هذا الديبلوماسي البريطاني يتحدث في إطار سياق عالمي، لكننا أيضا جزء من هذا العالم، ويبدو أن وعي المواطن بأن سلوكات من قبيل: الظلم والحكرة والتهميش، ليست قدرا محتوما، هو شرط ضروري للتخلص من الخوف واللامبالاة… وهذا يعني أن هذه النخبة المنفصلة عن هموم الشارع واهتماماته مدعوة إلى إعادة النظر في تقاليدها التدبيرية، كما يعني أن الدولة مطالبة بالقطع مع النموذج التنموي الريعي والإنخراط في نموذج تنموي ديموقراطي قائم على العدالة والمساواة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here