سيف ابراهيم: اين الصدر من خاشقجي؟!

سيف ابراهيم

اليمن منذ نصف عقد تقريبا و حتى الان تعاني من حرب لا خاسر فيها غير شعب نازح و مشرد ، ارواحٌ فيه بالعشرات كل يوم تزهق ، سوريا اكثر من سنوات شقيقتها التي كانت بالأمس تكنّى بالسعيدة ، ايضا تستغيث من مؤامرة تهلك الحرث و النسل الا ما رحم الله ، ليبيا البلد الغني لم يسلم من خطة التدمير فكانت حصته من ذلك ان يُفلس و يُمزّق !!! كل هذه المآسي و الويلات لم تتوقف عندها المحطات التلفزيونية و الصحف و الرأي العام العالمي من اجل استنفار كل الجهود المحلية و الاقليمية و الدولية لإجبار الدول المسؤولة عن كل هذه الصراعات بإيقاف الدعم و التمويل بل و محاسبتها !!!

في حين نجد ان قضية مقتل جمال خاشقجي جعلت العالم بأسره يتفاعل مع هذه الحادثة و يطالب بإجراء التحقيقات و الكشف عن ملابسات الجريمة و معاقبة من قام بها لينال جزاءه العادل ليس حبا به بل بغضا بالسعودية !!! المصالح هي الحاكمة في حسابات الدول ، لذلك فإن دم خاشقجي اصبح اداة للصراع السياسي و التسقيط و الابتزاز ، هو خير حجة اصبحت بيد الدول المعادية للسعودية كي تثأر لنفسها و تستعيد شيئا من كرامتها كقطر ، و تحاول بالحد الاعلى الممكن استغلال هذه الحادثة من اجل حصد مكاسب مادية عظيمة كأمريكا ، السؤال هنا لماذا فعلت ذلك السعودية ؟! اوهل كان خاشقجي بهذه الخطورة كي يتم اغتياله بهذه الطريقة الوحشية الفعل و الهزيلة التخطيط و التنفيذ !!

 كل الدول دكتاتورية كانت ام ديمقراطية ، جمهورية ام ملكية ، اسلامية ام ليبرالية لا يخلو سجلها من عمليات اغتيال لمعارضيها حتى لو كانوا من غير مواطنيها ، و الشواهد كثيرة ليس اخرها اغتيال الملك فيصل امريكيآ وفقا لشهادات جون بيركنز و محاولة اغتيال سكريبال و ابنته روسيآ و محاولة اغتيال معارضي الخارج في النمسا ايرانيآ .

اين كانت الدول عندما تم تغييب السيد موسى الصدر من الوجود و ما عاد له من اثر يذكر ، رغم الشواهد الكثيرة التي تدلل على مرتكبي هذه الفعل الشنيع !!! اولم يكن الصدر ذا تأثير اقليمي و دولي واسع !!! لماذا لم نشاهد المجتمع الدولي يطالب معمر القذافي حينها بالافراج عنه و من معه !!! لماذا لم نشهد هذا الاستنفار الذي نشهده اليوم في قضية خاشقجي !!!! اين كانت الدول من حادثة اختفاء المهدي بن بركة رغم تكشّف خيوط الجريمة و بتدبير من كانت !! اوهل كانت الدول التي تدّعي الحرية و المطالبة بحقوق الانسان تعاني العمى و الصمم آنذاك ؟! ام ان مصالحها في ذلك الوقت كانت تتماشى مع السكوت دونما ابداء اي رأي بالضد ممن قام بذلك !

خاشقجي لم يكن ذاك المعارض العتيّ الذي يقظ مضاجع السلطة الاسلاموية السعودية ، و ليس هناك من مبرر لاغتياله ابدا ، و القيام بهذا الامر انما يدل على نقاط ضعف عظيمة في جسد السلطة ، و هذا الضعف سيكلف السعودية ثمنا باهضا فكلما أخطأت كان لزاما عليها ان تدفع مقابل ذلك سيادتها و ثرواتها ثمنا كي يطول امد بقاؤها .

 السعودية الان في مهب الريح اعلاميا و شعاراتيا ، اما واقعا فمركزها المعبر عن الثقل العربي و امتدادها كَعمق للتبعية الامريكية لن يتزحزح قيد شعرة ، كل ما في الامر هو عبارة عن تهويل و تضخيم لردة الفعل الدولية تجاه هذه القضية و التي كانت بإدارة و قيادة قناة الجزيرة ، من اجل دفع السعودية للرضوخ اكثر . لقد لعبت الجزيرة دورا محوريا في اظهار جريمة اغتيال خاشقجي على انه حدث عظيم يتوجب الوقوف عنده و محاسبة من قام به  ، فبادرت الى بلورته على انه اغتيال غير مسبوق و مؤشر خطير يهدد الحريات في العالم ، وظّفت كل امكانياتها و سخرت كل قدراتها لضرب السعودية بالصميم فكان لها ما ارادت .

 كان الاجدر بالسعودية حينها ، ان تخرج الى العلن و ببيان رسمي تقول فيه ان جمال قد قُتل بالخطأ و ستتم محاسبة مرتكبي هذا الجرم امام الملأ ليكونوا عبرة  ، بذلك ستكون قد ضربت عصفورين بحجر واحد ، تتبرأ من دمه كَسلطة و تخرج بوجه ابيض ، ايضا توصل فكرة مبطنة للمعارضين الاخرين على ان اغتيالهم سهل جدا دون ان تتأثر سمعة الملك و المملكة و دورهم قادم و الا فليتراجعوا عن معارضتهم و يكونوا اقل حدّة .

كل هذا لم يحصل ، استمرت السعودية في مكابرتها و تعنتها الساذج و استثمرت الجزيرة ذلك عظيم الاستثمار فالمشاهد لها كان يشهد ان التغطية استمرت على مدار الساعة و ببرامج متواصلة عبأت فيه الرأي العام بصورة مباشرة و غير مباشرة ، و دخول تركيا على خط الازمة عندما بدأت باجراء التحقيقات و اعلانها المقتضب عن توصلها لنتائج مهمة ، كسبت بذلك قطر و اطاحت السعودية بالضربة القاضية عندما اعترفت رسميا بمقتله داخل القنصلية و هي التي استمرت طوال اكثر من اسبوعين تنكر ذلك و تدّعي خروجه منها !!! كان من الممكن و بإتصال لا يستغرق دقيقة من اصغر موظف في البيت الابيض ان يطلب من امير قطر ايقاف هذا التحشيد العالمي في قضية خاشقجي ، لكن امريكا ارادت ذلك بل و شجعت عليه و اعطت الضوء الاخضر كي يستمروا اكثر ، فالحصاد بعد تهويل القضية و تدويلها سيكون مثمرا بمثل زيارة ترامب الاولى للمملكة .

ان هذا الاعتراف الذي يوصف بالناقص ، سيكلف السعودية كثيرا جدا و كل هذا من فعل يدها ، فتركيا التي تمتلك معلومات مهمة جرّاء التحقيقات التي قامت بها ، نراها لم تعلن حتى الان رغم مرور اكثر من اسبوع عن هذه المعلومات و الحقائق ، لعل هذا يبين لنا ان المساومات جارية و الابتزاز مستمر ، تركيا ستستخدم هذه القضية للضغط على امريكا في ملف العقوبات الاقتصادية المفروضة من قِبلها و في مسألة دعم البيت الابيض للقوات الانفصالية الكردية السورية  . اما امريكا حامية العائلة السعودية المالكة ، لن تتخلى عن اميرها الشاب الذي سيتولى العرش في غضون اقل من نصف عقد ، خاصة و انه يسارع الخطى في تحويل المملكة من دولة اسلامية وهابية سلفية الى دولة ليبرالية متحررة ، و لن تجد امريكا من بمثله يقوم بذلك ، ناهيك عن امكانية اصدار اوامر بإيقاف حرب اليمن للتخفيف من وطأة ضغوطات الداخل و الخارج علّ ذلك يظهر بن سلمان على انه رجل سلام !!

القضية ستنتهي بتقديم الجناة المنفذين للاغتيال كي ينالوا جزاءهم العادل اما من خطط و دبّر سيكون بمأمن بعيد كل البعد عن الشبهات ! دماء خاشقجي عزيزة غالية على كان انسان في هذا الوجود ، لكن للأسف تم استغلاله ابشع استغلال ، كل الدول ذات الشأن استفادت الا السعودية ، خسرت احترامها و مواطنها …

 باحث سياسي

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة

2 تعليقات

  1. – اي دم أفريقي عربي اسيوي شرق اروبي فهو رخيص لا قيمة له في شرع ذوي الدم الأزرق ، فاحفظ هذه المعلومة !
    – الصدر إنسان و خاشقجي إنسان و جميع ضحايانا في عداد الانس حيث لا بواكي عليهم الا ذويهم !
    – الصدر إيران و اشياعها لطموا و بكوه و بكاه الناس ، لكن هذا مغيب و الآخر مغدور مخنوق مقطع مذوب ، و قد يكون رأسه يقوم بجولة في سجون السعودية لترويع من بها !
    – الصدر ينتمي لطائفة مصدر قلق و خاشقجي ينتمي لطائفة اليفة و لكن يبتزونها و به ارتفع سقف الإتاوات فهو اداه لإفلاس السعودية ثم من بعدها باقي العربان !
    – فليرحمهما الله و لا داعي للنعرة الطائفية بين شيعي و سني لانهما في رحاب المولي عز و جل ، الا إذا وصف بالغائب و هناك م ينتظر عودته !!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here