سيدي محمد ولد ابه.. أزهار الشر

 sidi mouhamad bin aba

عنوان ديوان شعري للشاعر الفرنسي شارل بودلير. حين ظهرت الطبعة الأولى من الديوان جوبهت بدعوى قضائية تتهمها بخدش الحياء العام. حكم على الشاعر وناشره بحذف ست قصائد من الديوان، ودفع غرامات مالية. نشأ بودلير يتيما ساخطا على زوج أمه الضابط في الجيش الفرنسي، وهو ما أورثه بغضا للعسكر عموما. فشل بودلير في دراسته، كما فشل في دخول الأكاديمية الفرنسية، فاشتغل بالصحافة وقرض الشعر ضمن رؤية تفصل بين الإبداع والأخلاق.

    عاش بودلير حياة متهتكة؛ فقد اضطر إلى اللجوء إلى بلجيكا بسبب الديون. يقول بودلير عن ديوان “أزهار الشر” إنه محاولة “لاستخراج الجمال من الشر”! كانت أزهار بودلير أشعارا تخدش الحياء، نزع القضاء مفعولها، في زمن كانت المجتمعات الغربية تعرف الحياء، وأعيد لها “الاعتبار” حين تفككت المنظومة الأخلاقية في الغرب، فأصبح الفرد “حر” العقيدة، والفعل والتعبير…

        ظهرت طبعة جديدة من أزهار الشر بمناسبة الربيع العربي، لكنها هذه المرة لا تكتفي بخدش الحياء، وإنما تدمر الدول، وتفكك المجتمعات. نبتت أولى أزهار الشر في تونس الخضراء. ولأنها زهرة شر فقد نبتت في النار، ورويت بالدماء والدموع… كانت تونس دولة نامية يقوم اقتصادها على مداخيل السياحة. وهو ما فرض عليها إقامة بنية تحتية متميزة، وفرض النظام والأمان. لم تكن مستويات دخل الفرد متدنية، وإنما كانت هناك طبقة وسطى تجسر الهوة بين الطبقة الراقية والطبقة الفقيرة. لكن تونس كانت تعاني معدلات بطالة عالية بين حملة الشهادات. وكان الأفق السياسي مسدودا، حيث يسيطر دكتاتور بقبضة من حديد على الحياة السياسية. وكما هو متوقع كانت هناك طبقة عليا فاسدة تسيطر على الاقتصاد، وتعيش حياة بذخ مستفزة…

    نبتت زهرة الشر في حريق البوعزيزي. كان الرجل عاطلا عن العمل، مثل مئات التونسيين. صادرت الشرطية عربته لأنه خالف القانون. انتحر بإضرام النار في نفسه. لكن الإعلام المحرض أضاف إلى مصادرة العربة بعدا ادراميا يستدعي الكرامة. فلم يكن الانتحار من أجل عربة خضار ليجلب الكثير من التعاطف مع البوعزيزي. فقد ينظر الكثير من الناس إلى أن رد فعله كان مبالغا. لكن التعاطف سيبلغ مداه حين يروج أن الشاب، حامل الشهادة العالية أرغمته الظروف على بيع الخضار على عربة متنقلة وفي ذلك انتقاص من مكانته الاجتماعية. تحمل الشاب وضعه ليعيل أسرته، لكنه لم يستطع تحمل إهانة صفعة الشرطية له في السوق العام، أمام معارفه. وبذلك اختلقت أسطورة البوعزيزي. فهو لم ينتحر من أجل عربة خضار، وإنما انتحر غيرة على كرامته التي أهدرتها شرطية قد لا تحمل الثانوية العامة لكنها تستمد سلطتها من ظلم النظام واستبداده… كانت قصة الصفعة مختلقة، لكنها مثلت أساس الأسطورة.

     واندلعت الثورة، فسقط النظام، وسادت الحرية، وقامت الديمقراطية. سقط النظام لتحل محله الفوضى… أصبح سائق التاكسي يسير في الاتجاه المعاكس، ويسلب الأجنبي في وضح النهار، وحين يلجأ إلى “الحاكم” يسجل البلاغ ضد مجهول، في أحسن الأحوال. تفشت الرشوة في مطار قرطاج؛ من وزن الحقائب حتى ختم الجواز… جاءت الديمقراطية بالإخوان، والاحتقان. أصبحت تصفية الخصوم السياسيين منهجا متبعا ركلا بالأرجل، أو رميا بالرصاص. تدهور الوضع الاقتصادي، فزادت البطالة، وارتفعت الأسعار، وتضاعف الدين الخارجي، وانتشر الفساد. سقطت الحكومة الأولى بعد الثورة، وهاهي الحكومة الثانية تترنح. دفع التونسيون أمنهم واستقرارهم، واقتصادهم مقابل ديمقراطية نصبت الإخوان مكان الحزب الدستوري…

      زرع الشر زهرته الثانية في ميدان التحرير في مصر. سقط مئات الضحايا ليسقط النظام، ويستلم الإخوان. كان ضباط المباحث يفرضون الأمن قبل الثورة، وبعدها نشر البلطجية الفوضى والرعب. كان المصريون يقولون ما يشاءون، ويفعل النظام ما يشاء. بعد الثورة أغلقت القنوات والصحف ودخل المهرجون السجون. ساد الظلام الفكر والشوارع، وانتشر الإرهاب في سيناء… لم يستطع الفلاح المصري الصبر على زهرة الشر فاقتلعها في 30 يونيو لتدخل أم الدنيا فترة حداد قد تطول على حفدة قابيل وهابيل. أشعل الإخوان حربهم المقدسة ضد العسكر، واستعاد العسكر هواية ملاحقة الإخوان…

       قبل ذلك، كان الشر قد زرع زهرته في ليبيا، القرية الآمنة التي يأتيها رزقها من كل مكان. هنا أيضا قامت حرب أهلية أذكتها القوى الخارجية. سقط النظام لتحل محله الفوضى. بلغ عدد المليشيات الكبيرة ألفين، ولكل قبيلة تشكيلها المسلح. تفككت الدولة، بله المدن؛ ففي كل شارع حاجز أمني. حقق الناس أمنية الديمقراطية، فأجريت انتخابات لأول مرة منذ ثورة 69، نتج عنها مجلس منتخب وحكومة معينة. سقطت الحكومة الأولى، وجاءت الثانية في مخاض عسير. طرد العديد من أعضاء المؤتمر، بما فيهم رئيسه، تطبيقا لقانون العزل السياسي الذي فرضت الميليشيات المسلحة تبنيه من قبل المؤتمر. فتح قانون العزل السياسي الباب واسعا أمام تفكك الدولة. فقد أقصى جميع الفاعلين السياسيين باستثناء الإخوان، وهو ما دفع دعاة الفدرالية إلى رفض تطبيقه، والمطالبة بإسقاطه. انتشر الفساد في الأوساط الحكومية ففكر أهل الشرق الليبي بواقعية فقالوا: إن ما تنهبه حكومة طرابلس هو عائدات نفط برقة. وبذلك دخلت القبائل سوق النفط دون حاجة إلى الانضمام إلى الأوبك. وحين اختطفت بنت السنوسي قطعت قبيلتها الماء عن طرابلس، فأعيدت معززة مكرمة!

     لقد طبقت القبائل الليبية توازن الرعب في غياب الدولة العاجزة عن حماية نفسها من المليشيات المسلحة فلجأت إلى رشوتها. لم ينفذ في ليبيا منذ ثورة 17 فبراير برنامج تنموي واحد، ولم تفعل الحكومة أكثر من صرف ميزانيات ضخمة على الرواتب، والعلاج بالخارج، ورشوة المليشيات. مليارات صرفت ويشكوا الليبيون من الانقطاع المستمر للكهرباء!

     يستعد الشر لغرس زهرة جديدة في السودان ليذوق الإخوان هناك طعم ما زرعوه في البلدان العربية من دماء ودمار. نفس السيناريو يتكرر: مظاهرات مطالبة بإسقاط النظام، يسقط القتلى بالعشرات… لكن المشايخ، وعلى رأسهم القرضاوي، والفضائيات، وفي مقدمتها الجزيرة، لا يواكبون “الثورة المباركة”! فلم يصدر القرضاوي فتوى لنصرة الثورة في السودان، ولم تخصص الجزيرة “تغطية مستمرة” لانتفاضة الشعب السوداني!

سيدي محمد ولد ابه

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here