سياقات أردنية مجهولة.. وحل اللاحل للدولة

دكتورة ميساء المصري

مازلت أؤكد أن العمل الصعب هو تغيير الشعوب, أما تغيير الحكومات فإنه يقع تلقائيا عندما تريد الشعوب ذلك , ومن هنا أنطلق بمقالتي بعيدا عن أي عاطفة لنضع أصبعنا على الجرح لعلنا نجد العلاج . سأتحدث عن سياقات تحيط بالأردن وتضعه في زاوية حادة لا يبارحها لدرجة فقدان المعادلة لتفاعلها الواقعي بصورة وصلت للخمول بكل أشكاله .

 أولى السياقات هي السياق الجيوسياسي، الذي يتجاوز بكثير حدود الأردن , إن العالم منقسم اليوم إلى كتلتين متصارعتين, من جهة الكتلة المتوافقة مع نظام المجتمع الدولي، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية , كصندوق النقد الدولي، البنك الدولي، الدولار، وهيمنة الولايات المتحدة المطلقة منذ 1990.

 إيديولوجيي هذا التكتل، يزحفون تحت أحادية القطبية، تحت الهيمنة الغربية , تحت هيمنة أمريكة- صهيونية عملا بمقولة: “قبل اليد التي لا تستطيع قطعها”.. وهو تكتل يشكل 50 دولة ، بمليار من السكان، وبقوة إقتصادية لا تزال الأولى، ولو لبعض سنوات فقط.وهو غالبا تكتل مشروط و يتم هدم الدول الرافضة.

أما التكتل الثاني فتشكل حول محور روسيا والصين وتركيا؛ مدعوما من المنظمات الدولية التي ظهرت مع مطلع القرن 21 وإرساء قطبية متعددة، من خلال إعادة النظر في النظام العالمي، وقواعد الحكامة الدولية، يتفوق هذا التكتل من حيث عدد الدول والكثافة السكانية حوالي 100دولة و4 مليار نسمة. و قوته الإقتصادية لا تزال متعثرة. ومصالحها هي قوة الارتكاز .

وأمام هذه التكتلات يقف الأردن مواقف متناقضة متعاكسة سياسيا بل اشبه بالعزلة السياسية و بما لا يخدم مصالحه و بعيدا عن اي حنكة ديبلوماسية . ليشكل هذا السياق فجوة سياسية لنظامه وتتراجع القوة التأثيرية داخليا وتكاد تكون فقدت أوراقها خارجيا.

بل لا تعوزنا المؤشرات لنرى ان الأزمة السياسية الأردنية الحالية والحكومة الهشة وهذه الفجوة بين الشعب والسلطة والانقسام الشعبي ما هي الا عملية لتغيير سياسي مصحوب بضغوطات جمة , من تلك العمليات التي يولع بها الغربيون , لكن أسرار صناعة هذه العمليات مصونة بحرص كبير, لكنها ذات طابع مسرحي دائما. وحال الدول العربية أصدق الأمثلة .وإنعدام الاتجاهات وغياب التواصل بين الحكومة والشعب اقرب الطرق لذلك ونحن سائرون في هذا الطريق بكل نجاح..

كما إن تفكيك شفرة ما يرد في الإعلام الغربي من نيويورك تايمز، الواشنطن بوست، لوموند، ، إضافة إلى الصحف الإسرائيلية ,هآريتس وجيريزاليم بوست، ليس صعبا علىينا متابعته لكن إعلامهم على عكس إعلامنا المتغاضي . فهو يرسل مؤشرات مهمة، متمثلة في المنهجية والتقنيات والوسائل المعتمدة لتوضيح أكبر قدر من الاملاءات والرضوخ والقبول بسياساتهم المرسومة لدولنا وشعوبنا. فلا نتحدث هنا فقط عن تطبيع العلاقات والمشاريع الصهيونية أوعن التقارب مع بعض دول الخليج ودورها في الإقليم ، فأنا لا أميل إلى القول بالتلقائية، بالنسبة للأحداث التي تتلاحق اليوم بالأردن. ولا أحد من التكتلين الكبيرين، اللذين يتواجهان اليوم في العالم، يمكن أن يكون لا مباليا بما يجري في الساحة الداخلية الأردنية . التدخل الصهيوأمريكي يزداد قوة، وسيكون القول بالعكس غريبا. لكن النتائج هي الأغرب .

والأكيد ان غالبية الشارع الأردني لديه فكرة عن التلاعب الذي يخضع له . لكنه يمشي مع تياره . والمؤكد إن الحكومة والمخابرات والمستشارين يتوفر لهم معلومات دقيقة، يمكن أن تشكل عامل قوة . لكن للأسف إن التنبؤ بالفائز غير ممكن الآن. رغم الرضوخ لهجمة الإستهداف النوعية التي تعيشها الدولة لهدم مكوناتها من قانون وسلطة وأرض وسكان ومقدرات .

ثم أنتقل الى سياق إقتصادي مبهم ومعقد ومتخم بالبطالة ، اللامساواة، النتائج الإقتصادية الفاشلة, وذلك بسبب السياسات النيوليبرالية والخضوع لإملاءات صندوق النقد والبنك الدوليين، بزيادة الضرائب غير المباشرة ، وتداعياتها على الفقراء من العمال والموظفين ,وما سمي بالشرائح الوسطى في المجتمع التي قلبت أوضاعهم المعيشية رأسا على عقب ، بإرتفاع أسعار الغذاء والدواء والتعليم، وتراجع الخدمات العامة، حتى تآكلت الطبقة الوسطى وإنتقل قسما هاما منها الى عداد الفقراء.

حين تشير دائرة الاحصاءات العامة ان 37.6% من الأسر الأردنية دخلها بين 208 و 625 دينارا شهريا , وهي تعتبر تحت خط الفقر للفرد الذي وصل الى  814 دينارا , إضافة الى ان 16.8% فئة من الأسر الأردنية دخلها بين 625 – 833 دينارا، وبذلك نستطيع القول ان 54.4 % من الأسر الأردنية تعيش تحت خط الفقر او على حد الفقر وفقا للمعلومات الرسمية، اي نحو أكثر من نصف الأردنيين فقراء. وهي نتيجة ممنهجة بقوة ورضخنا لها ولمسبباتها .

ثم نشهد الإعلان رسميا عن إخفاق خطة التصعيد الضريبي في الأردن وبأن أرقام الميزانية غير دقيقة وتراجع معدل الإستهلاك. مما سينهي دور الطاقم الاقتصادي في بداية شهرأيلول وأولهم وزير المالية عز الدين كناكريه.و محطة تعديل وزاري لا يفيد. والنتيجة إفلاس اقتصادي ودينار وهمي وخلل واضح يزداد يوما بعد أخر وهجرة شعب بلا عودة .

وسياق إجتماعي تم فيه مع السياقين السابقين تحييد ذوو الخبرة المجتمعية من الشعب وإظهار زعامات لا وزن لها ففقدت العائلة والعشيرة والمنطقة مفهوم القيادة فكان التمرد من الصغيرعلى الكبير … ووجد المجتمع أن القانون فقط على الضعيف دون القوي . وعمت إستراتيجية تتفيه الخصوم .مع إستحواذ فئة معينة إعتبرت نفسها الجهة الوحيدة المتحضرة بنطقها الممتاز للغة شكسبير من أجل الإنتصار لحقيقة أن الأرض لهم و لم تكن يوما لغيرهم.

ويزداد الإحتقان الشعبي في الطرف الآخر الذي يسكت طوعا او كرها، و عليه ان يتقبل الوضع ، و عليه أن يصمت، لا رأي له ، لأنه همجي جاهل يستحق الجهل و الفقر و الموت. والبعض الآخر مجرد ظاهرة صوتية ، والأكثر مرارة ان الأصوات تعلو ان الاردن بخير, ويتناسى الصارخين أن هذه الدولة على فوهة بركان مشتعل وشعبها جائع ومهمش اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا ، مطحون بالنهب والتغييب والفساد، حتى تطورت أزمته الى أزمة حكومة وأزمة شعب ووطن عنوانها الحقيقي نكون او لا نكون ..

الفجوة تزداد عمقا واتساعا ومخاوف الشعب تكبر , وأصبح الصمت سلاح ذو حد واحد والوعود فارغة والعزلة حال معاش والوضع زائف المضمون .فهل سيتغير مساق مصيرنا ومصير وطننا ام نبقى تحت سياسة حل اللاحل ؟؟؟؟

كاتبة من الاردن

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

5 تعليقات

  1. تحية وبعد …
    قلت في بداية مقالك “مازلت أؤكد أن العمل الصعب هو تغيير الشعوب” …
    لن أغادر هذه المقولة، وأرى أنها الأهم، فهي قاعدة تنطبق على كل الشعوب، وكنت أتمنى أن تكملي باقي هذا المقال عن كيفية تغيير الشعوب، وهنا أضع شعوب العالم العربي (هذا المصطلح الذي نادرا ما نستعمله في العقود الأخيرة !!! ) أضعهم في سلة واحدة للتطابق شبه الكلي بينهم، مع الفارق بين ظروف وأوضاع دولهم، إن هذا التغيير هو مفتاح الحل، إن جزءاً هاما يقع على عاتق الأفراد والأسر والعائلات، وهي اللبنة الأساسية في تكوين المجتمع، ولكنه غير كاف لإحداث التغيير المطلوب، إن التغيير المطلوب يلزمه بداية دراسة عامة شاملة تضع يدها على العيوب، ومن ثم تضع الحلول ويليها التطبيق، فمن سيقوم بهذه المهمة، إننى لا أكاد أحس بوجود علماء الاجتماع في بلادنا العربية، فقد تكون لقمة العيش قد شغلت جل وقتهم وقد يكونوا قد وجدوا في إبقاء علمهم وأفكارهم بين ضلوعهم توخيا للسلامة والأمان … والأمر عظيم وخطير، وإنها حلقات متصلة يكمل بعضها الآخر ولا يستقيم الأمر إلا بتكامل حلقاتها.

  2. الكاتبه العزيزه

    بادء ذي بدء…. نحن في الاردن كدوله ناتجه من مخرجات تقسيم سايكس بيكو فرض علينا منذ اللحظة الأولى مع الانجليز ان نكون دوله موردها الرئيس المعونات الدوليه التي كانت تتولى مسؤوليتها السلطه المباشره بالاستعمار بريطانيا… ثم انتقلت المسؤوليه لامريكا.
    سعي الملك حسين رحمه الله في جعل الأردن الدوله الناجحه في إقليم متخبط فرض تحديات كانت تواجهها الخطط الصهيوامريكيه لاكمال مخطط إسرائيل الكبرى…

    إذن… الأردن منذ البدايه هو في قالب الطرف الغربي منذ التأسيس وما كان في يوم خارجه إلا بمواقف معينه لأحداث خاصه فرضتها عروبية الأردن ووقوف الملك حسين رحمه الله في خندق الشعب الذي كانت له الدوله لحين وفاته الاب الراعي……

    السياقات السياسيه والاقتصادية و الاجتماعيه علقت عليها سابقا ولقد كان لك الدور في توضيح الامور بشكل جلي.

    الأردن لديه الفرصه كدوله لحل معضلاتها بإرادة حقيقية يقودها الملك وتسمى بثورة الملك والشعب تقوم على اننا دوله لها مؤسساتها فيها قيادة لها تاريخها السياسي والديني وشعب فيه نبض الحياة ومقاومة مخطط المستعمر الصهيوامريكي بوعيه وثقافته…. وكل ذلك بمحاربة حقيقيه لكل الدخلاء على نظامنا العام بمختلف قطاعاته

    بنظري لا يوجد شيء اسمه اللا حل….. حدد مشاكلك وضع مخطط حلها واختر افضل الحلول ثم ابدء بالتنفيذ وراقب من بعدها النتائج مع التدخل في الوقت المناسب لتعديل بعض المسارات.

    دمتم بخير

  3. يا حضرة الدكتورة،
    استبشرت خيرا من مقالك عندما بدأتيه بقولك “أولى السياقات هي السياق الجيوسياسي”، الى ان بدأتي بالحديث عن دور الأردن وتأرجحه بين معسكرين وكأن الاردن قوة اقليمية عظمى، متناسية ان الأردن، في السياق الجيوسياسي، لا يعدو كونه محافظة من محافظات الهلال الخصيب.

  4. أختلف مع الكاتبه ، التغيير يأتي من فوق ، ولنقارن بين روسيا في عهد بوريس يلتسين وعهد فلاديمير بوتين، الشعب هو الشعب الروسي، لكن الحال اختلف تماما. وهذا كمثال وغيره الكثير.

  5. ان هذا الواقع وهذه المعطيات الحقيقية المرعبة نتيجه الفساد الذي تمارسه الدوله ومؤسساتها وفي كل الاتجاهات وبترتيب مباشر مع قوى الشر الخارجية لان لا يوجد أصلا دوله فيه الانتماء للأرض والإنسان وإنما كيان وظيفي الى حين انتهاء هذاالدور وهو كما يبدوا وشيك ولك الله يا شعبنا المسكين

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here