سورية.. “نشرُ الغسيل” والنّصرُ المكلومْ

 

الدكتور محمد بكر

نكتب هنا عن سورية العزيزة ومن فيها، وكوننا فلسطينيّي الهوى والجنسية فهذا لايمنع على الإطلاق من الإضاءة على مايحدث في سورية الحبيبة، فمن وُلد فيها وشرب من عذب مياهها، وتعلّم في جامعاتها العريقة، وكان ” لحم أكتافه ” من خيرها، وشاءت الظروف أن يمتهن العمل الصحفي، فلابد من مناصرة الحق، والحق هنا لم يعد يتعلق بالوقوف مع طرف على حساب طرف ٍ آخر قُدّم إعلامياً على أنه معارضة، إنما الحق هو في الوقوف مع من يدفع ثمن  ويلات الحرب، بكل مسمياتها القذرة، من تآمرٍ وتسليحٍ وإفسادٍ وفسادٍ وتيهٍ تطاول في يوميات الشعب السوري، وباتت لقمة عيشه مغمّسة بالبارود والدم، ويوميات “نشر الغسيل” السوري، التي يوصّفها مؤيدو الدولة السورية بحق الأخيرة في محاربة الفاسدين وتحصيل أموالها منهم، بينما يجد فيها المعارضون صراعاً ” للدّيكة” في مسرح الحرب، ومابين ” حانا” و “مانا” لا تتكاثر إلا صورة واحدة في المشهد تبصرها الأعين، في تجسيدٍ صارخٍ لزهور الشعب المسحوقة وأشجاره التي تموت يومياً لكنها ليست واقفة.

ليس دقيقاً كثيراً بأن المشهد الطارئ على سلوك الدولة السورية ، مع كبار رجال الأموال في الداخل السوري هو في إطار التحصيل الضريبي، وفرض الهيبة ومكافحة الفساد والمسميات كثيرة، فسنوات من الرخاء قبل الحرب وفي مواضع خلال الحرب كانت جملة من الإجراءات في متناول اليد ولم تتخذها الدولة، وحكوماتٌ متعاقبة مرت منذ العام 2000 حتى يومنا هذا, أغلبها وأغلب أعضائها ولاسيما في المواقع الاقتصادية والخدمية، ولا نقول الكل ” لأن التعميم لغة الحمقى” ، كانت نتائج سياساتهم غير مرضية على الإطلاق، والأهم هو في غياب الصورة الرادعة التي أساسها مبدأ المحاسبة لأي مقصر، إذ لم يخلُ أي تشكيلٍ حكومي من سياسة ” تدوير الأشخاص” ونقل الوجوه ذاتها من وزارة لأخرى ومن مؤسسة لمؤسسة أخرى، ولعل ماوصلت إليه أوضاع السوق، والسياسات الاقتصادية إلى ماوصلت إليه من تدهور كبير ومخيف، يبرهن ان جل التغيير الحكومي كان  يفتقر إلى روح الحلول الجذرية، فذات الوجوه ملّها وسئمها الناس وكأن البلاد تخلو إلا منهم، يدٌ خفية، نافذة، عميقة، والمسميات كثيرة، هي كانت الأساس في كل الفشل الحاصل على المستوى الحكومي، وإيصال البلد إلى ماوصل إليه، وجملة التحديات الاقتصادية وحتى السياسية لم يكن جوهر التعاطي معها مستند للداخل السوري، بمعنى تغليب مصلحة الأخير على اية مصلحة أخرى، من هنا كان الاختراق سهلاً وبناء جملة الذي حصل في سورية كان متاحاً لداخلٍ لم تُعزز فيه المتانة على أساس سيادة القانون، فكان لزاماً أن تتكاثر في جوانبه وفي مطارح واسعةٍ منه، كل صور البعثرة والانجرار للمال وحمل السلاح.

نعم استطاعت الدولة السورية ان تؤسس لها مكاناً في المنظومتين الإقليمية والدولية، وتُحشّد تلك التحالفات على أسس استراتيجية، راكمت فيها كل مقومات الصمود والبقاء، لكن ماذا عن التحديات الداخلية التي ثبت فيها ضعف السياسات وترهل الأداء وتلكؤ الإرادات وغفوة الانتماء وضمور الردع واستطالة الفساد.

كل يوم نسمع عن قيام الأجهزة الأمنية السورية بالقبض على مرتكبي جرائم متنوعة في الداخل السوري، منها مايتعلق بالقتل وتجارة المخدرات، والسامع لها، لسان حاله يقول ( جهاز أمني عيونه عشرة على عشرة)، ولا نعرف أين وكيف تغيب تلك العيون ” الساهرة” على أمن الوطن والمواطن، وفجأة ً تصاب ” حَميّتُها” بشللٍ نصفي أو ” ارتجاجٍ” في الرؤية، أمام ملفات اقتصادية كبيرة تخنق المواطن، تتعلق بأسعار سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار، وارتفاع الأسعار وشبكاتٍ تعمل على تفريغ السوق من منتجاتها وتهريبها خارج البلاد، فيغدو ثمن الكيلو غرام الواحد منها في الداخل أغلى من ثمنه المُصدّر.

شبابٌ بعشرات الآلاف وربما مئات الآلاف انخرطت في حرب الدولة السورية على خصومها، والجماعات المسلحة التكفيرية العابرة للحدود، وضحت بدمائها وماتوا كالأشجار وقوفاً، من أجل أن تبقى سورية، ومن أجل أن هذا الوطن هو غالٍ وعزيز ولا يوازيه شيءٌ في ضمائرنا و عواطفنا، ( كما علمتنا أقوال القائد الخالد)، لا من أجل أن تبقى ثُلّةٌ أو شبكةٌ باتت تكرس كل مقومات أن يموت الشعب ليس كالأشجار وقوفاً وإنما اقتلاعاً.

تحديات المرحلة القادمة هي تتطلب مشهدية مختلفة في التعاطي أساسها الصلب هو الداخل السوري، مشهدية تفرض في ماهيتها سياسة ” إنهاء وقائع”  والتأسيس عليها لتشييد وإطلاق سياسة بناء حقيقية، بناء سياسي لاضير إن كان أحد أعمدته أو طوابقه ” مرونة سياسية” ، وبناء اقتصادي من المهم ان تكون أحد أعمدته وجوه جديدة وسياسات جديدة بعيداً من أية معوقات عميقة أو غير عميقة، وبناء اجتماعي حقيقي من المهم أيضاً أن يكون أساسه قرارات جادة على طريق لم الشمل، وتبييض السجون، و اعادة الصورة البهية التي تليق بسورية.

كل نصرٍ مهما تعاظمت فيه الاحترافية والصمود والتصدي والممانعة وهزيمة المشاريع التآمرية، لاتُصفّى فيه تلك الأيادي العابثة، هو نصرْ.. لكنه مكلوم.

* كاتب صحفي فلسطيني

روستوك – ألمانيا

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. انا بحيي كلامك المهم و الاخلاقي دكتور محمد… انا وقفت مع الدولة السورية بوش الحرب لي صارت ع بلدنا … بس لا بد من انو نوقف كلنا هلا ايد وحدة لنقضي ع الفساد و نعمر البلد

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here