سوريا.. مكافحة الفساد ضرورة لتوثيق الانتصارات

الدكتور حسن مرهج

لا شك بأن ما اعلنه الرئيس السوري بشار الأسد عن محاربة الفساد، و بمصطلح اوسع مكافحة الفساد، ما هو إلا دستور عمل لا بد من تفعيله واقعاً في كافة مفاصل الدولة السورية، إذ ان مكافحة الفساد تعني مكافحة الإرهاب، حيث ان الآثار المترتبة على الفساد الداخلي تتشابه إلى حد كبير مع الإرهاب الذي عانت منه سوريا حلال سنوات الحرب عليها، وهذا ما أكده الأسد في غالبية خطابات وحتى لقاءاته، إذ انطلق الأسد في توصيفه للفساد الداخلي من ضرورات التأسيس لبينة مجتمعية وفكرية وسياسية وعسكرية، بعيدة كل البعد عن الفساد، فالحرب أثقلت كاهل المواطن السوري، ليأتي بعض المستفيدين من يوميات الحرب وكوارثها، من تعميق الهوة بين المواطن ودولته، وذلك عبر نشر ثقافة الفساد بكافة صورها، ولا شك بأن تداعيات الحرب تؤسس لأرضية خصبة لينمو بها الفساد، و بالتالي بات ضرورياً الربط بين الفساد الداخلي، وبين الإرهاب الذي تقوم به الفصائل الإرهابية، فالجمع بين الظاهرتين يُحقق ما عجزت عنه دول العالم ضد سوريا، لأن الإرهاب الخارجي لن يجد موطئ قدم له في سوريا، لو لم يمهد له الفساد في الداخل هذا الأمر، وبالتالي باتت كل الأجندات الأمريكية مرتبطة بالفساد في سوريا من أجل ايصالها إلى بوتقة التنفيذ، وهذا واقعاً لا يخفى على أحد، كما انه لا نُذيع سراً حين التحدث عن الفساد في سوريا وتوصيفه، لكن لمكافحة الفساد طرق علمية بعيدة عن الغوغائية، ولا يمكن أيضاً طرح أي موضوع فساد دونما ثوابت وأدلة دامغة، حيث أن حساسية ملف الفساد مرتبطة عضوياً بالإرهاب الخارجي لذي يُمارس على سوري من قبل واشنطن وادوتها خارج سوريا وداخلها.

الاجتماعات الحكومية التي ترأسها الأسد، تحدث فيها عن أولويات العمل في المرحلة المقبلة ومحورها الأساسي هو مكافحة الفساد، ودائما ما أكد الرئيس الأسد أنه يجب النظر إلى موضوع الفساد بمنظور شامل فهو لا يقتصر على استخدام السلطة من أجل تحقيق مصالح خاصة فقط، وإنما أي خلل في الدولة هو فساد، وبالتالي فإن الأسد وضع منهجاً علمياً لمكافحة الفساد، إذ أن محاسبة الشخص الفاسد أمر ضروري وأساسي ولكنها ليست بداية عملية مكافحة الفساد، وإنما الأهم هو الوقاية والردع، وقد وصف الأسد هذا المعنى خير توصيف بقوله أن الوقاية تبدأ من البنى والهيكليات والأنظمة والقوانين وكل ما يحكم عمل المؤسسات، والذي بدوره سينعكس على الأفراد، وعليه لابد من إنشاء مؤسسات تُعنى بمسألة النظر بالشكاوي والمظالم المُقدمة من قبل المواطنين، وتكون هذه المؤسسات على اتصال مباشر بمكتب رئيس الدولة السورية، وبإشراف من قبل أشخاص أكفاء خاصة من الجرحى العسكريين، الذين شاركوا في الحرب على الإرهاب، حيث ن صلة الوصل بين المواطن و الجندي السوري الجريح، ستكون ايجابية إلى حد كبير، وستكون كفيلة بإنشاء معادلة يُمكن من خلالها التغلب على كافة مظاهر الفساد، ومعالجة أسبابه.

لا شك بأن القوانين السورية تحوي الكثير من الثغرات لجهة منح ما يُعرف بنظام الاستثناءات، وهذا بتقديرينا بوابة لابد من إغلاقها، فمن خلال هذا النظام يمكن تجاوز القوانين والتشريعات والقفز عليها لكن بصورة قانونية، لذلك يجد الفساد مرتعاً خصباً يمارس به إغراءاته، وهذا الأمر يدركه السوريين كافة، وقد عانوا منه كثيراً على مدى سنوات خلت، فظاهرة الفساد في سوريا لا ترتبط فقط بمؤسسة بذاتها و فرد من مؤسسة تحمل صبغة تنفيذية لكثير من القرارات، بل أن ظاهرة الفساد بوصفها أفة خطيرة تهدد المجتمع السوري، يجب العمل بجهود مكثفة للقضاء عليها، حفاظاً على تلك المقدسات التي اسس لها السوريين على مدار سنوات الحرب عليهم، فالتضحيات المعمدة بالدم التي قدمها الجيش السوري والشعب السوري يجب أن تُصان قولا وفعلاً من هذه الأفة التي شرحها بدقة الرئيس بشار الأسد، لأنه يدرك تماماً بأن الفساد يهدد ما تم انجازه في الحرب السياسية والعسكرية، كما أنه يُعطي زخماً أقوى وأكبر للحرب الاقتصادية لتي تُمارس على سوريا، وعليه انطلاقا من ضرورة وضع الإرهاب في بوتقة القضاء عليه، فالشعب السوري بجميع فئاته صبر وضحى وفي المقدمة القوات المسلحة السورية، وكل من وقف معها من الشعب السوري، ومن حق كل من صبر وقدم أن يرى نتائج هذا الصبر فهؤلاء ضحوا من أجل ثمن كبير هو الوطن الأفضل، ومن حق هؤلاء أن يروا الأفضل، وفي المقدمة ضرب الفساد بيد من حديد.

في المحصلة، بعيداً عن لغة الشعارات التي تدور في فلك مكافحة الفساد، لابد من إجراءات حازمة وصارمة لمكافحة الفساد المؤسساتي والفردي، وكذلك لابد من اجتثاث الفاسدين ومن يدعمهم بلا هوادة، لأن مستوى الأولوية الوطنية يُحتم على كل السوريين الوقوف في وجه هذه الظاهرة التي تُهدد كل الثوابت الوطنية السورية، كما أنها تُمهد للإرهاب الخارجي، وكعربون وفاء للجيش السوري والشعب السوري، وفي إطار الحفاظ على المنجزات السورية سياسيً وعسكرياً، لابد من وضع منهج علمي جامع يكون منطلقاً لمكافحة الفساد، والقضاء على الفساد والفاسدين.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. شكرا للكاتب ونحيطكم علما ان التلفزيون السوري بدأ بانتاج برامج تنزل الى الشارع وتسأل الناس عن الفساد وتضبط أصحاب المحلات المخافين. يعني تماما كما قبل الحرب في سوريا التركيز على الشفافية فقط أمام الكاميرات وفقط مع الصغار. وبالتالي فان انهيار الدولة من الداخل يقترب شيئا فشيئا والنظام يعيش في أوهام الحلول القمعية

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here