سوريا كلها لك.. قنبلة ترامب “الخبيثة”

د. فايز أبو شمالة

سوريا، شعباً وأرضاً وتاريخاً وحاضراً، قدمها الرئيس الأمريكي ترامب هدية غير مستردة للرئيس التركي أردوغان، وفي هذه الهدية لغم يتفجر في المنطقة، إضافة إلى إهانة الإنسان، وتسخيف حق الشعوب في تقرير مصيرها، والعيش بأمن وسلام بعيداً عن التدخلات الخارجية.

سوريا كلها لك، جملة خبيثة، تكشف عن استمرار الاحتلال الأوروبي للمنطقة العربية، واستمرار التصرف بخيراته، وتقاسم ثرواته، بعيداً عن وهم الاستقلال والتحرر، لتقرر الجملة أن الأمة العربية ما زالت ذبيحة معلقة من عرقوبها، ويوزع لحمها في المحافل الدولية.

سوريا كلها لك، جملة يوحي ظاهرها بالسذاجة والبراءة، لأنها تستخف بالواقع القائم في سوريا، وتتجاهل كل القوى المتواجدة على الأرض، ولكن التدقيق في خلفيات هذه العطية يكشف كم هي معبأة بالمفاجآت والمؤامرة على المنطقة ككل، وعلى الذي اهديت له هذه الأرض الملتهبة تناقضات وصراعات وخلافات عرقية وقومية وطائفية.

الأيام القادمة ستكشف عن اللغم المتفجر الذي تركته أمريكا على الأرض السورية، ولاسيما أن وزير الخارجية الأمريكي قد طالب الجيش العراقي بالتدخل في سوريا لمسافة 70 كيلو متر، دون أن يلتفت لتصريح الرئيس ترامب، الذي أشاد بدور تركيا من جهة، وطالب السعودية بتحمل المسؤولية المالية الكاملة عن اعمار سوريا.

إن التناقض الظاهر بين تصريحات ترامب ووزير خارجيته لا تعكس حقيقة ما يدور في الخفاء، فكلا الرئيس ووزير دفاعه يرميان عن قوس واحدة، وليس في الجعبة إلا سموم الفرقة بين دول الشرق الإسلامية، والتي يمكن أن نستشف منها عدة احتمالات:

1ـ الانسحاب الأمريكي من سوريا يهدف إلى تفجير التنافس على النفوذ بين إيران وتركيا أولاً، ومن ثم تفجير أعقد صراع إقليمي على الأراضي السورية، لتغرق المنطقة في حروب لعشرات السنين، لا يدفع ثمنها إلا شعوب المنطقة، ولا يقطف ثمرها إلا الصهاينة على أرض فلسطين.

2ـ من الجائز أن نتوقع عدواناً أمريكياً على إيران، وبتحريض من إسرائيل، صاحبة المصلحة العليا في تدمير كل قوة ناشئة في المنطقة، ومنافسة لها في آن، وهذا العدوان الأمريكي المحتمل قد يستوجب إعادة تموضع القوات الأمريكية في المنطقة، تفادياً للمخاطر، وطلباً للأمن.

3ـ الاحتمال الثالث ما ذكرته القناة السابعة في إسرائيل، والتي تزعم أن نتانياهو قد طلب من الإدارة الأمريكية الانسحاب، لأنها تخطط لشن هجوم هذا الشتاء ضد منظمة حزب الله اللبنانية، وكانت لديها مخاوف من انجراف القوات الأمريكية في سوريا إليه، وهذا الاحتمال وفق رأيي يتناقض مع الرغبة الإسرائيلية في توريط أمريكا في حروب ممتدة في المنطقة.

ومهما تكن الأسباب الخفية الكامنة خلف قرار انسحاب الجيش الأمريكي من سوريا، فإن كل المؤشرات تدلل على أن هذا الانسحاب المفاجئ ليس بريئاً، ولا يعبر عن خطة غبية انفرادية قام بها ترامب، لترضي غروره ونزواته، بمقدار ما هي خطوة إلى الخلف بهدف القفز خطوات إلى الأمام، فما زالت مصالح أمريكا في المنطقة كثيرة، وما زالت أمريكا كلب حراسة للمصالحة الإسرائيلية، وللأطماع الصهيونية في منطقتنا العربية.

وإذا كانت خطة الانسحاب الأمريكي من سوريا تشغل بال روسيا، وقد وضعتها في سياقها العام، وهي تحذر من خطورتها، فالأجدر أن تشغل بال تركيا، المستهدفة رقم واحد من هذه الخطة، التي تقوم على زج الجيش التركي في حروب ومعارك بالإنابة، حروب لا تخدم مصالح الشعب التركي الناهض، ولا تخدم مصالح شعوب المنطقة بشكل عام، وهي تتطلع للتحرر من نفوذ الكبرى، والخلاص من تسلط أمريكا وإسرائيل.

 كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. دمشق تحتاج الى استرجاع الانفاس و ترتيب الاوراق على جميع الاصعدة و الجبهات .
    هناك منطقة ادلب المكدسة با شداد الافاق و الجينات الارهابية .
    هناك كدالك منطقة شرق الفرات وترقب و العمل على الاستفادة ما وعد به ترامب لملئ الدولة السورية الفراغ قبل المرتزقة الاتراك .
    هناك كداك مشكلة الجنوب و الاجئين في لبنان و الاردن و مواجهة العدو الصهيوني .
    هناك كدالك الزامية و وجوب تكريس و دعم المصالحات الوطنية .
    هناك عجلة الاقتصاد و الخدمات و اعادة تهيئ البلد لستقبال الاجئين و ارواتب شهداء و الايتام و الارامل و العمال الدولة و دعم القدرة الشرائية .
    بركة اجنحة مﻻئكة الرحمان على الشام وحدها كفيلة بحل هده المشاكل مع جهود الخلص من ابدال و رجال ونساء سبل انفسهم لخدمة و التصالح مع الوطن سورية .

  2. أتفق معك على وجوب الحذر من الأسباب الحقيقيه للانسحاب ومخاوفك حقيقيه وتحليلك منطقي ولكني غير قلق من سيناريوهات الإنسحاب لعدة أسباب.
    اولا ايباك واللوبي الصهيوني وحلفائهم منزعجون من هذا الانسحاب واكيد عندهم أسباب لقلقهم ومنها ان ترمب حسبها حسبه ماليه وتركيا وأن كرهها ترمب الا أنه لا يريد ان يغامر بخسارتها كحليف لعدم وجود بديل مقنع وابتعاد أمريكا عن تركيا يعني اقتراب تركيا أكثر من روسيا وما يمثله ذلك من تحديات وتوازن قوى جديد وتحالفات جديده قد تكون مكلفه لهم.
    ثانيا وجود روسيا على الارض في سوريا كحليف لتركيا وايران وسوريا سيمنع هذه الدول من الانزلاق للمواجهة . روسيا لها مصلحتها في بقاء تحالفها مع هذه الدول.

    لذا الخوف الحقيقي هو من الدور العربي القذر الذي قد تقوم به السعوديه والإمارات بالتنسيق مع إسرائيل . هؤلاء يقومون منذ فتره بتسليح الأكراد وبعض العشائر العربيه في شرق الفرات وتغذية النزعات الانفصالية عندهم مثل حكم ذاتي موسع او حتى الانفصال لدولة روجيفا الكرديه ودولة شمر العربيه. تقول بعض التقارير ان الإمارات تستخدم أحد رجال السلطه الفلسطينية السابقين لتدريب عناصر اسود الشرقيه التابعه لزعيمهم ابن قبيلة الجربا لهذا الغرض .
    الإمارات أيضا أعادت العلاقات مع سوريا لهدف معلن هو محاربة النفوذ الإيراني والتركي…سوف يقدموا وعود كثيره لإعادة الإعمار وقد ينفقون أموال طائله بغرض التخريب والمقايضه نكاية بإيران وتركيا. بمعنى آخر سوف يقدمون المال لسوريا ولكن على حساب العلاقه المستقبليه لسوريا مع إيران وتركيا وربما العلاقه أيضا مع حماس وحزب الله. وقد يحاولون إقناع الأسد بالتنازل للأكراد نكاية بتركيا ومن هنا سوف يأتي التحضير لتوريط تركيا لأن وجودها كدولة مركزيه قويه يقلق إسرائيل وقد يفشل مخططاتها. لذا هم يريدون تفكيك سوريا واخراجها من المعادله ومن ثم توريط تركيا واضعافها عن طريق الأكراد . إسرائيل تريد إقامة دوله كرديه شرق الفرات حتى تكون مجاوره لها عندما تنشئ دولتها من النيل إلى الفرات. لذا دولة الأكراد ستكون دولة إسرائيل الثانيه في المنطقة.

  3. بريطاني سلمت فلسطين لليهود “ببلطجة العصابات الصهيونية” و”تآمر الفتوات الأعرابية” ورفرفت فوق الجميع “بعصا الفيتو وقرارات “شيخ القبائل المتحدة” !!!
    بينما “أمريكا طرمب” تحاول أن تسلم سوريا “القوية” بعدما دمرت أحلافا وروضت قطعانا وأكثر من هذا وذاك عرت المغتصب وكشفت فتوة السي السيد ثم هرببت لتتسلل ليلا لبيت الجار حيث صافح حنك طرمب صواريخ وليس فقط حذاء الزبيدي!!!
    واللص المرعوب يتخلى عن المسروق أملا في النجاة فقط بجلده!!! رغم تكاليف التخطيط وسهر الليالي في الترصد والاستقصاء أقلها 7 تريليون دولار!!!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here