سمير جبّور: هل خيارات الحرب وأخطارها واقعية في التفكير الإستراتيجي  الإسرائيلي؟

سمير جبّور

لدى البحث في خيارت الحرب  والأخطار الإستراتيجية والعسكرية المزعومة التي يتحدّث عنها  قادة عسكريون ومحللون  استراتيجيون اسرائيليون ، على المرء ان يميّز بين ألأخطار الحقيقية التي تهدد اسرائيل (اذا كانت هناك أخطار بالفعل) وبين ما تدّعيه هي من اخطار مبالغ فيها ،ليست لها علاقة بأخطار واقعية تهدد وجودها بقدر ما هي تعرقل مخططاتها ولو بصورة محدودة . فاجهزة ألإعلام الصهيونية النافذة في جميع انحاء العالم تلجأ دائما وابدا الى التهويل والبكاء والعويل بأن اسرائيل محاطة  بدول تكنّ لها العداء الشديد وبجيوش جرارة تسعى الى “القاء اليهود في البحر”. او تدعي ان هناك منظمات عسكرية (فلسطينية بالتحديد) تريد تدمير اسرائيل  او نزع شرعيتها حتى ولو كانت منظمات مدنية  سلمية مثل حملة المقاطعة بي .دي. إس ..الخ.  فما هي الأهداف التي تسعى اسرائيل الى تحقيقها من وراء هذا التهويل؟.

  • الحفاظ على ديمومة تاييد ودعم الغرب لها  ولاسيما الولايات المتحدة ؛

  • تبرير مخططاتها التوسعية الإقليمية تحت ذريعة المحافظة على أمنها ووجودها؛

  • تنفيذ أطماعها الإقتصادية في الوطن العربي ولا سيما محاولة السيطرة على النفط والغاز والمياه؛

  • مواصلة تنفيذ مشاريع اتقسيم الوطن العربي ، والحؤول دون قيام اي شكل من اشكال الوحدة العربية.

ألأخطار تتغير بتغير الظروف

كانت الأخطارالمزعومة من المنظور الصهيوني تتبدل وتتغيّر وترتدي عباءة وتخلع أخرى.فقبل حرب 1967 مثلا، كانت الصهيونية تلوّح بخطر الدول العربية واتهامها بتدبير الهجوم عليها والتخطيط للقضاء عليها . فبعد انتصاراسرائيل  في تلك الحرب وما حققته من مكاسب إقليمية ،ثبت ان تلك الجيوش لم تكن تشكل أي خطر عليها ،ولم تخطط ولم  تبادرالى مهاجمتها. ثم  لجات الصهيونية الى التلويح بخطر الشيوعية .وبعد تفكك اإتحاد السوفييتي وانهيار المنظومة الإشتراكية اصبح المسخ هو “الإسلام السياسي” او ما اصطلح عليه “ألإسلامافوبيا” (الرهاب الإسلامي) او “ألإرهاب العربي “، ولا سيما في أعقاب جريمة البرجين 11 سبمتمبر 2001.وكانت هذه ذريعة استغلتها الحركة الصهيونية وأتباعها لشن الحرب البوشية على العراق لتدميره عسكريا واقتصاديا واجتماعيا وعلميا.

خلال السنوات السبع ألأخيرة  وما تخللها من حروب اهلية تدميرية في بلاد العرب ،لأسرائيل بالطبع  اليد الطولى في تغذيتها،  سرعان ما تغيرت هذه الأخطار المزعومة .اذ ان الجيوش العربية التي كانت اسرائيل تدعي انها تشكل خطرا عليها انهارت تماما مثل الجيش العراقي وانشغال الجيش السوري في الحرب الداخلية . كما ان جيشي مصر وألأردن أخرجا من  المعادلة .ناهيك عن حرب اليمن التي تستنزف طاقات الخليج المالية والبشرية بدلا من تسخيرها في دعم الأمن القومي العربي او امور ايجابية أخرى.

على الرغم من ذلك،وفي ضوء الظروف المستجدة التي هي في صالح اسرائيل ، عادت نغمة الأخطارالمزعومة التي تهدد ها الى  الواجهة.فقد نشر الجيش الإسرائيلي مؤخرا  وثيقة استراتيجية أطلق عليها “وثيقة أيزنكوت” (رئيس هيئة ألأركان السابق) عددت أربعة عناصر أو  اخطار يمكن لها تهديد أمن إسرائيل، في ظلّ التغييرات الاستراتيجية والإقليمية الجارية في محيطها وهي:

  • التهديد العسكري الإيراني على مختلف مركباته، النووية والصاروخية والسايبرية ؛

  • الأخطار في الساحة الفلسطينية عموماً وفي الضفة الغربية والقدس المحتلة بصورة خاصة؛

  • خطر تغيير نمط تحرك وأداء الدول العظمى في المنطقة.

  • التدخل الروسي في سوريا، بحسب المحلل السياسي عاموس هرنيل، جاءت انعكاساته سلبية على إسرائيل. ومن بين المشكلات على سبيل المثال أن «الرادارات الروسية أصبحت قادرة على تقييد سلاح الجو الإسرائيلي منذ تم نشر الدفاعات الروسية الجوية في طرطوس، دون أن تبذل روسيا أي جهد”.

  • تأخذ “وثيقة الجيش الإسرائيلي بعين الإعتبار”إحتمال غزو العدو احدى المناطق(داخل اسرائيل وألإشارة هنا الى “حزب الله”) مما يترتب على ذلك إخلاء مدنيين (وهذا غير معهود في نظرية الأمن الإسرائيلية). ولذا تدعو الوثيقة الى “حرمان العدو من اية مكاسب اقليمية في نهاية المواجهة”.ٍ

متغيّرات استراتيجية آنية غير تقليدية

منذ حرب لبنان الثانية (2006) بين “حزب الله “, وإسرائيل والحروب الثلاثة التي شنتهما اسرائيل ضد قطاع غزة (2008 عملية “الرصاص المصبوب”، 2012 عملية “عامود السحاب” ،2014 عملية “الجرف الصامد”) حدث تغيير جذري في طبيعة ميدان القتال . فقد انتقل هذا الميدان من”أرض العدو” ٍالى الجبهة الداخلية ألإسرائيلية . وبكلمات أخرى ان الحرب الصاروخية تكاد تحل مكان الطائرة والدبابة . ورغم ما تبذله اسرائيل من جهود  لرد الإعتبار الى  قدرتها الردعية ربما لا زالت عاجزة عن التصدي الكامل لحرب الصورايخ وايجاد الحلول الشافية لها. لكن هذه الحرب هي على نقيض مرتكزات الإستراتيجية  العسكرية التقليدية الإسرائيلية : بناء جيش صغير ومتحرك وقوي  وتأمين قدرة الجيش الإسرائيلي على السيطرة في مجالي القوة الجوية وقوة النيران في الميدان واستخدام أحدث مبتكرات التكنولوجيا واعتماد  عناصر الردع والمفاجأة . وربما ان هذا المرتكزات لم تعد طاغية في ضوء التحوّل في طبيعة ميدان القتال.

وقد نشر ألجنرال ميخائيل هيرتسوغ  تحليلا استراتيجيا  تحدث فيه عن المتغيرات ألإستراتيجية التي تواجهها اسرائيل في الوقت الحاضر:

  • الدول المجاورة  التي كانت تعتبر التهديد العسكري الرئيسي لإسرائيل  لم تعد تشكل اي تهديد. بل حل محلها جهات أخرى،  لاعبون  مثل حزب الله في لبنان وسوريا  وحماس في غزة . وخلال السنوات الخمس عشرة أجبرهؤلاء اللاعبون اسرائيل على “شن خمس جولات رئيسية من النزاعات العسكرية . ولكنهم لا يشكلون  نفس المستوى من الخطر(خطر الجيوش العربية).

  • يستطيع اللاعبون دون الدولتيين استهداف المراكز السكانية المدنية في اسرائيل ومنشآت استراتيجية حيوية بقوة نارية كبيرة ،من المحتمل ان تؤثر في قدرة الصمود الإجتماعي في إسرائيل ، والقدرة على بذل جهود حربية متواصلة . وهذا التهديد يزداد نموا باستمرار: حجما وحيّزا ومدى ودقة وحمولة وقدرة على البقاء. إصافة الى ذلك ،فان القدرات العسكرية المتطورة تقوض القدرة الهجومية للجيش الإسرائيلي  ارضا وجوا وبحرا.

  • هؤلاء اللاعبون دون الدولتيين  يعملون من مناطق مدنية من اجل حرمان اسرائيل  من حرية العمل او من اجل نزع شرعية جهودها الحربية ألأمر الذي سينجم عنه مشكلات قانونية وانسانية وأعلامية.

  • مكانة اسرائيل السياسية في الغرب تتىآكل على مر السنين مما يعقّد جهودها الرامية الى كسب المزيد من الشرعية الدولية لمحاربة عناصر مسلحة في مناطق مدنية . ويعود مرد هذا التآكل الى عدم حل  النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي.

  • كلما ازدادت تكلفة الأمن الداخلي القومي تزداد الضغوط من اجل  استثمار المزيد من الأموال في الإقتصاد والمجتمع .

على الرغم  من طغيان هذه البيئة الإستراتيجية الخالية من اي تهديد مباشر لوجود اسرائيل  من قبل جيوش نظامية ، تلك البيئة التي افرزتها  ما يسمى ثورات الربيع العربي، لا يزال جنرالات اسرائيل يدقون طبول الحرب ويطلقون التهديد والوعيد. على سبيل المثال التحذير الذي أطلقه الميجر جنرال نيتسان ألون، قائد العمليات في الجيش الإسرائيلي لإذاعة الجيش في مقابلة نادرة ، من أن “احتمالات اندلاع حرب في عام 2018 أكبر من أي وقت مضى على ضوء الانتصارات التي يحققها نظام بشار الأسد، وحليفاه إيران وحزب الله على الأرض في الحرب الأهلية السورية”. وقال ألون: “في الساحة الشمالية، هناك تغيير قادم بسبب التطورات الإستراتيجية في الإقتتال الداخلي السوري. الإيرانيون وحزب الله، الداعمان [للأسد]، يتمتعان بالحرية للبدء ببناء قوتهما الخاصة” . واضاف ان الأسد يقوم بتطهير جيوب المقاومة الأخيرة في إدلب، وفي نهاية المطاف، في جنوب غرب البلاد، على الحدود الإسرائيلية والأردنية، وهو ما سيوفر لنظام الأسد وحلفائه، بحسب ألون، الفرصة “لتحويل إنتباههم إلى إسرائيل”.

 واضاف الجنرال الإسرائيلي  انه اذا كان  “عام 2018 ينطوي على إمكانية التصعيد [لصراع عسكري]، ليس بالضرورة لأن أحد الجانبين يريد الشروع به، وإنما بسبب التدهور التدريجي. وهو ما دفعنا إلى رفع مستوى الجهوزية”.

أن بعض هذه الأخطار ألآنية قد تكون صحيحة الى حد ما , ولكن مصدرها ، منظمات المقاومة ، لا ولن  تبادر الى مهاجمة اسرائيل بقدر ما تدافع عن نفسها ، و تعمل على حرمان اسرائيل من تحقيق اهدافها العدوانية . إذ أن اسرائيل كانت دائما هي المبادرة لشن الحروب على العرب ،ما عدا حرب الإستنزاف  في أوائل  السبعينات وربما حرب 1973 التي انتهت بكارثة سياسية  للعرب. وكان الهدف من هاتين الحربين هو درء ألإحتلال وتحرير الأراضي العربية التي احتلتها اسرائيل عام 1967.

ناهيك بان الكثير من الدول العربية ولا سيما السعودية ودول الخليج ومصر وألأردن وحتى بعض دول شمال افريقيا  تتعاون مع اسرائيل في السر او العلن وهذه كلها  لا تعتبر اسرائيل عدوا بعد الآن ،بل تعتبر ان عدوها الأول ل هو ايران. وبالتالي  تخلّت عن دعم القضية الفلسطينية .

ويدعم هذا الرأي يعقوب عميدرور (رئيس سابق لمجلس الأمن القومي) الذي ينظر بعين الارتياح إلى انهيار جيوش عربية نظامية كانت تشكل تهديداً لإسرائيل منذ إنشائها، فقد تبدد الجيش العراقي، وتضرر جداً الجيش السوري، لكنه في المقابل يحذر من تنامي الحركات الإسلامية على حدود إسرائيل، معدداً تلك المجموعات الموجودة في شبه جزيرة سيناء، وحماس في غزة، والجهاد الإسلامي في لبنان، وكذلك «حزب الله» الذي يصفه بأنه «التنظيم الإرهابي الأقوى في العالم». ويرى الكاتب أن الأوضاع الحالية التي يمر بها العرب قد تكون فرصة لعقد صفقة سلام بشروط مناسبة لإسرائيل.اذ ان –كما تردد- تفكك الدول المحيطة بإسرائيل (في إشارة واضحة لسوريا والعراق)، الذي “وفّر للجيش الإسرائيلي واقعاً جديداً ينطوي جزئياً على فرص يجب استغلالها في تعزيز التعاون مع جهات عربية براغماتية”.

في ضوء ما تقدم يمكن القول ان خيارات الحرب وأخطارها كما يعكسها التفكير الإستراتيجي  الإسرائيلي غير واقعية في ضوء المستجدات التي طرأت على ساحة الشرق ألأوسط . فليست هناك اية جهة عربية قادرة او لها اية مصلحة في مهاجمة اسرائيل .فأيران مثلا غير معنية بشن حرب على اسرائيل  وليست لها حدود مشتركة معها ،ومنظمتا  “حزب الله ” وحماس لن تبادرا الى شن حرب على اسرائيل. كما جاء في وثيقة الجيش الإسرئيلي:”صحيح اليوم انه لا يوجد خطر  يهدد وجود اسرايل  ولكن هناك وجع راس تكتي  ….على الرغم من ان نزول آلاف الصواريخ على اسرائيل لن تدمّرها ولكنها ستلحق الضرر بإقتصادها وبروتين الحياة الطبيعية. في حال تحققت السناريوهات المخيفة ودول مثل مصر عادت الى دائرة  العداء ربما سننجح  في التصدي لذلك ولكن على حساب  الميزانيات التي خصصت  للوزارت المدنية منذ معاهدات السلام”.

وخلاصة القول ان اسرائيل ستبقى تشكل تهديدا للسلم العربي  وهي لن تتخلى عن مخططانها التوسعية وأطماعها الإقليمية وإلإقتصادية  ولن تتراجع عن مواقفها المتصلّبة  تجاه القضية الفلسطينية التي ستبقى الجرح النازف في خاصرة الشرق الأوسط  بإعتراف الإسرائيليين أنفسهم .. كما انها لن تتخلى عن خياراتها العسكرية  حتى وان عقدت معها جميع الدول العربية سلاما مزيفا معها . وألأمل ان تعود بعض الدول العربية التي تراهن على التحالف مع اسرائيل لمحاربة عدو وهمي الى رشدها قبل فوات ألأوان ولا ساعة مندم .

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here