سمير جبّور: الجذور التاريخية والمعاصرة لدور الحركة الصهيونية في تدمير لبنان

 

 

سمير جبّور

 لبنان يقف اليوم على حافة الإنهيار ان لم يكن قد بدأ يسير نحو الأنهيار بالفعل:ماليا واقتصاديا واجتماعيا وسياسيا. وفي هذا الوقت  المصيري العصيب لا بد لكل لبناني مخلص لوطنه ولشعبه ان يسأل نفسه : أولا : كيف وصل لبنان الى هذا الوضع البائس؟ الم يكن لبنان يتمتع بكل مقومات الحياة ؟ الم يثبت ذلك منذ غابر السنين! أذن, ما هي العوامل التي تؤدي الى انهياره؟ وما هي القوى الشريرة التي دأبت منذ عقود طويلة على تعطيل دوره ودفعه نحو الحروب الأهلية والإقتتال الطائفي الموسمي ومحاولات التقسيم والتفكيك وحتى الدمار الكامل , بعد ان قطع شوطا كبيرا على طريق الوفاق والإستقرار والأزدهار  قبيل الحرب الأهلية التي اندلعت في ربيع 1975؟ .

ثانيا : إذا توفرت قناعة لدى جميع فئات الشعب اللبناني وطوائفه وقادته بألأدلة والبراهين بنوايا اسرائيل الصهيونية وأطماعها ومخططاتها البعيدة المدى تجاه لبنان , لا بد من طرح سؤال مصيري : هل لا يزال من الممكن انقاذ لبنان ورد الأعتبار اليه ككيان متميز في المشرق العربي موحد ليعود ليمارس دوره الريادي الحضاري بعد احباط المخطط الصهيوني الذي يبغي النيل منه ؟ .

يمكن العثور على الجواب على التساؤل ألأول في بطون كم هائل من الوثائق والكتب وألأدلة التاريخية والمعاصرة التي تشير كلها الى أصابع الحركة الصهيونية تاريخيا واسرائيل حاليا عبر تدخلات متكررة ومتعاقبة للقضاء على الصيغة اللبنانية التي صمدت عقودا طويلة . ناهيك عن مخططات  ضم لبنان باسره الى مشروع “اسرائيل الكبرى”. وانشاء مستعمرات على امتداد ألأرض اللبنانية في المستقبل البعيد بعد تنفيذ عمليات تهجير واسعة على غرار ما حصل في فلسطين! ولبنان مشمول في خريطة اسرائيل الموسعة بحسب الهاليخا ( تفسير التوراة ) والقانون اليهودي ينطبق على ” اليهود الذين يعيشون  في ارض اسرائيل  وبعض مناطق  الأردن ولبنان وسوريا”.

وأود الإشارة في هذا الصدد الى ان جميع المصادر التي تثبت صحة ما اقول ليست عربية وحسب وانما مصادر أجنبية وعبرية اسرائيلية بالتحديد. وابرز هذه المصادرالوثائق المتعلقة بالمؤتمرات الدولية ومذكرات وتصريحات قادة الحركة الصهيونية واسرائيل والكتب  والوثائق الصادرة بالعبرية تحديدا التي تتحدث بالتفصيل عن نوايا اسرائيل الحقيقية من وراء الإصرار على عدم فك ارتباطها بلبنان .

أن أطماع الحركة الصهيونية في لبنان  ولا سيما في جنوبه أرضا ومياه تعود الى أكثر من مئة عام منذ نشوء الحركة الصهيونية وما تمخضت عنه الحربان العالميتان الأولى والثانية مثل معاهدة سايكس -بيكو (1917) ومؤتمر الصلح  في فرساي (1919) وقيام اسرائيل  (1948) .

فعلى سبيل المثال, أعرب ممثلو الحركة الصهيونية عن نوايهم تجاه لبنان وذلك في مؤتمر فرساي. فكان من الواضح ان تلك األأطماع لم تتوقف عند الإستيلاء على مياه الليطاني وروافده  بل توسيع حدود الدولة الصهيونية العتيدة على حساب الأرض اللبنانية .

لقد حاول كل من حاييم وايزمن رئيس الحركة الصهيونية  ودافيد بن –غوريون مؤسس اسرائيل “إقناع البطريرك الماروني الياس الحويك في مؤتمر فرساي بالتخلي عن جنوب لبنان والجليل الأعلى  مقابل وعد بتقديم  مساعدات مالية  لتطوير لبنان  بحيث يصبح  بعد سلخ الجنوب منه (ذا اكثرية مسيحية ), لكن البطريرك  اوضح ان هذا الأمر مرهون  بموافقة فرنسا” .

 الصهيونية  حاربت قيام ” سوريا الكبرى”

بينما كان من المؤيدين لذلك المشروع الصهيوني  المطران اغناطيوس مبارك  الذي كان يقول ” إني متحمس جدا للصهيونية التي ادرك انها تأتي بالتمدن لفلسطين والشرق الأوسط كله(هكذا) وان مقاومتها تعني الرجوع الى الفوضى والهمجية”. بيد ان الموارنة في مجلس النواب  كانوا ضد راي ذلك المطران  وكذلك أمين الريحاني  وأنطون سعادة  اعلنوا عن رفضهم  المطلق للحركة الصهيونية .

تحدثت الباحثة لورا ايزبيرغ في كتابها “عدو عدوي”-الصلات الصهيونية اللبنانية 1900-1948″ عن العلاقات  التي حاولت الوكالة اليهودية  التأسيس لها مع ألأقليات في المشرق –الوطن العربي- وخصوصا مع مسيحيين من لبنان. بيد أن “القوميين السوريين  والعروبيين كانوا يعلنون بانتظام , ايمانهم بأن لبنان  يشكل جزءا طبيعيا من سوريا , وبأن فلسطين في الواقع  هي سوريا الجنوبية”. وتتابع أيزبيرغ ” رأى الصهيونيون المتفائلون , في تهديد سوريا الكبرى , قوة اخرى تدفع المسيحيين (…) الى أحضان الصهيونية”. وفي هذا  رأت الصهيونية ان بإمكان  الوكالة اليهودية  ان تستغل هذا الخطر الناجم  عن اقامة سوريا الكبرى من اجل تعزيز الروابط  بين الييشوف (الوجود اليهودي في فلسطين ) ولبنان المسيحي. وبما ان تاثير سوريا  وألأفكار العروبية والقومية  سيكون كبيرا في لبنان  فكان من الأفضل للوكالة  منذ البدء التوجه نحو المسيحيين الموارنة  ذوي النزعة الأنفصالية منهم…”( عبير بسام  قراءة سياسية  في الرواية الإسرائيلية ….(موقع ” مجموعة الخدمات البحثية”)

توسيع الحدود حتى الليطاني  وترحيل العرب

فقد ورد في بعض الوثائق أن يوسف فايتس مدير شعبة الأراضي والأحراش صرح عام 1941 “ترتب علينا  ان نقنع روزفلت –الرئيس الأميركي – وباقي زملائنا السياسيين ان أرض اسرائيل ليست صغيرة اذا غادرها العرب , ولا سيما اذا وسّعت حدودها حتى الليطاني شمالا  وقمم الجولان شرقا , وستتسع حينئذ  لستة ملايين او سبعة ملايين يهودي , وان أتوها دفعة واحدة و فينبغي ترحيل العرب  الى العراق وشمال سوريا “.

قال بن- غوريون في مذكراته( يوميات الحرب :1947 -1948 والتي نقلها  صاحب هذه السطور من العبرية الى العربية ):” إن الحلقة  الضعيفة في التحالف العربي هي لبنان . إذ ان سلطة المسلمين مصطنعة , ومن السهل تقويضها . يجب اقامة دولة مسيحية  يكون نهر الليطاني حدها الجنوبي  وسنعقد حلفا معها ”  (ًص, 360) .

وبحسب مذكرات شاريت  اعلن بن –غوريون في العام 1952 ان الوقت قد حان من اجل  افتعال اضطرابات وإحداث فوضى  في لبنان من اجل دفع  الموارنة الى المطالبة  بدولة مسيحية فيه . وفي رسالة ارسلها  في 27 شباط /فبراير  1954 الى شاريت , يشرح بن -غوريون وضع الموارنة  في لبنان  وانه يعتقد ان الوقت قد حان  من اجل العمل على ارسال مجندين  يتحدثون باللغ العربية  الى لبنان . كما يؤكد :” لن نتقاعس عن توفير  ألأموال اللازمة  إنجاح هذه السياسية …كما طلب بن –غوريون في رسالته من شاريت  تجنيد اللبنانيين من الداخل والخارج من أجل اقامة الدولة المسيحية … وبناء جيش من العملاء … وكما يجب تجنيد الوكالة اليهودية  من اجل تمويل هذا المشروع…

ولعل أحدث الكتب التوثيقية التي صدرت باللغة العبرية وترجمت الى العربية وهو كتاب :“المتاهة اللبنانية سياسة الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل تجاه لبنان (1918 ـ 1958

الكاتب: رؤوفين أرليخ، تعريب محمد بدير,الناشر: دار معراخوت ووزارة الحرب الصهيونية، الطبعة الأولى 2019،(871 صفحة من القطع الكبير).

“ظلت فكرة اقتطاع منطقة جنوب لبنان حتى نهر الأولي، وضمّها إلى إسرائيل، تراود ديفيد بن غوريون حتى العدوان الثلاثي على مصر في سنة 1956، ففي 19/10/1956 عرض بن غوريون خطة مجنونة على السفير الفرنسي في إسرائيل، وعلى أبا إيبان (كان مندوبا لإسرائيل في الأمم المتحدة) أيضاً، وكانت تحتوي النقاط التالية: إطاحة الرئيس جمال عبد الناصر. تقسيم الاردن للوصول إلى العراق. إرغام العراق على إبرام معاهدة سلام مع إسرائيل. إرغام العراق على توطين اللاجئين الفلسطينيين في أراضيه، على أن تتكفل الولايات المتحدة تمويل ذلك.  تقليص حدود لبنان بضم طرابلس وعكار وبعلبك إلى سورية، ثم إلحاق جنوب لبنان حتى الليطاني بإسرائيل، فيتحول لبنان بالفعل إلى دولة مسيحية “(ص 419) صقر ابو فخر, قراءة لكتاب  المتاهة اللبنانية – العربي)

التقسيم شرط اساسي للقضاء على الكيان اللبناني

وجاء في وثيقة عوديد يينون الصحافي والموظف السابق في وزارة الخاجية الإسرائيلية الذي اقترح تقسيم كل الدول العربية والأسلامية الى كيانات طائفية. وبالنسبة الى لبنان اعتبر الباحث الإسرائيلي في سنة 1979 ان لبنان ينهار اقتصاديا. :

“أما لبنان فإنه  مفتت وهو ينهار اقتصاديا ،كونه دولة تفتقر الى سلطة مركزية  واحدة، وانما فيه خمس سلطات  مستقلة فعلا (مسيحية في الشمال يدعمها السوريون وتسيطر عليها اسرة فرنجيه، وفى الشرق منطقة احتلال سورى مباشر، وفى الوسط جيب مسيحي واقع تحت سيطرة الكتائب، والى الجنوب منها وحتى نهر الليطانى دولة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهي مكوّنة فى معظمها من الفلسطينيين، ثم دولة الرائد سعد حداد من المسيحيين وحوالى نصف مليون من الشيعة”.

* نقلا عن ملف محدود التوزيع : “تطور العقيدة العسكرية ألإسرائيلية خلال 35 عاما”(ترجمات مختارة من مصادر عبرية “) إعداد  سمير جبور ، إشراف محمود سويد ، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، بيروت ،1983.

واقترح بيرنارد لويس تقسيم لبنان إلى ثمانية كانتونات عرقية  ومذهبية ودينية:

1-دولة سنية , 2- ,,دولة مارونية,3- دولة سهل البقاع العلوية و4 – ,تدويل بيروت العاصمة,5 – دولة فلسطينية حول صيدا وحتي نهر الليطاني تتبع منظمة التحرير الفلسطينية, 6- دولة لحزب الكتائب في الجنوب ,7- دولة درزية ,8 -دولة درزية غير دولة الدروز فى الجولان.

الخلاصة , ربما انني لا آتي بجديد لدى عرض هذه الوثائق  ولكن لا بد من التذكير بها  دائما  واتاحة الفرصة  أمام  الجيل الناشي ليطلع عليها ويعي ان لبنان مهدد بالزوال اذا لم يتنبه ابناؤه الى الأخطار المحدقة به  والتكاتف من اجل درء تلك الأخطار والا ستغرق السفينة بكل من فيها  والغرق لا يميز بين طائفة واخرى وانسان وآخر.

والمعروف ان اسرائيل حاولت في العام 1982 غزو لبنان  وتحقيق المرحلة الأولى  ولكنها فشلت بسب المقاومة اللبنانية . وهذا ما ساتناوله في الحلقة التالية .

 

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. تحيات اخويه صادقه للاخ سمير ونواف الزرو
    شكرا لكم على دراساتكم

  2. شركراً لك على هذه المعلومات القيًمة
    ننتظر الحلقة القادمة

  3. دكتور سمير شكرا جزيلا لك على هذه الدراسة القيمة الغزيرة بالمعلومات الموثقة حول الدور الصهيوني في تخريب وتدمير لبنان، وكما قال السيد فان كل الحروب الامريكية في المنطقة في خدمة “اسرائيل”….!
    نواف الزرو

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here