سمير جبور: لماذا هذا اللهاث وراء بهلونيات ترامب ألإبتزازية ومسرحيات نتنياهو الوصولية؟

سمير جبور

الحالة العربية العامة بلغت شأوا كبيرا  من بؤس وتشتيت وضياع وتدمير وانقسام وحروب اهلية طائفية وقتل وتهجير  خطط لها أعداء العرب للقضاء على النظام العربي بأسره ، ولإحداث فجوات في  منظومة ألأمن القومي العربي الشامل ، وذلك للحؤول دون اي تلاحم او توافق او وحدة  بين بعض الأنظمة العربية وألإبقاء على البلدان العربية مشتتة ومتنازعة فيما بينها  . وقد استغلت القوى المعادية للأماني العربية هذه الأوضاع الشاذة  التي اوجدتها، ونصبت كمائن سقط فيها الجميع . فالنظام القومي العربي كان عاجزا عن تجاوز هذه الكمائن لتجنب الدمار . ودول النفط الغنية وقعت في مصيدة ألإبتزاز المالي والسياسي . وكانت النتيجة المباشرة لكل ذلك سقوطها في  الفخ الذي نصبته لهم اميركا واسرائيل،فخ “البعبع” ألإيراني الذي يكلفهم أموالا لا طائل تحتها، وورطهم في حرب اليمن على حساب  القضايا العربية ولا سيما القضية الفلسطينية . إذ انساقت الرياض وراء التهويل بالخطر الحوثي ( المدعوم من ايران)  على حدودها الجوبية ، فاخذت تضاعف من  شراء كميات الأسلحة  الغربية فغرقت في حرب اليمن دون ان تدري كيف تخرج منها .

العلاقات الأميركية الخليجية ولا سيما السعودية مستمرة منذ عقود وهي تستند دائما الى “شراء” الحماية الأميركية  التقليدية لها في مواجهة ألجمهوريات العربية (مثل مصر وسوريا والعراق وليبيا ) .على سبيل المثال أنفقت السعودية أموالا طائلة لزعزعة اٌلإستقرار في مصر في عهد الرئيس جمال عبد الناصر  واستمر هذا النهج حتى يومنا هذا لنرى اليوم تدمير سوريا والعراق وليبيا واليمن وإشعال الصراع الديني  بين السنة والشيعة الذي يغذيه الغرب والحركة الصهيونية بأموال عربية  . ومرة أخرى كانت دول الخليج تستقوي بالأميركان علنا وبألإسرائيليين سرا  وفي ظل الدمار وجدت نفسها حرة  طليقة في تنفيذ مخططاتم .

لقد تطورت العلاقات الخليجية الأميركية الى تبعية مطلقة وتعاون مكشوف على مختلف المستويات. فعلى الصعيد ألأستراتيجي وقع الملك سلمان وترمب إعلان رؤية إستراتيجية سعودية أميركية مشتركة نص على “رسم مسار مجدد نحو شرق أوسط ينعم بالسلام وبسمات العمل الإقليمي والعالمي في القرن الـ 21”.وخلال القمة السعودية الأميركية وقع الملك سلمان وترمب عدة اتفاقيات تعاون عسكري ودفاعي وتجاري بقيمة 460 مليار دولار، في ما قال وزير التجارة السعودي ماجد القصبي إن بلاده منحت تراخيص للاستثمار بالمملكة لـ 23 من كبرى الشركات الأميركية..

وأبرمت شركة جنرال إلكتريك الأميركية صفقات مع المملكة السعودية بقيمة 15 مليار دولار، فضلا عن اتفاقية لشركة أرامكو السعودية النفطية بقيمة خمسين مليارا.

استراتيجية الإبتزاز ألأميركية

أن إدارة ترامبب وعلى لسان رئيسها لا تكتفي بمليارات الدولارات التي تدفعها دول الخليج للخزانة الأميركية مقابل شراء اسلحة متطورة  لتكديسها في المخازن كما جرى الحال على مر السنين او استخدامها لقتل أطفال اليمن وتدمير سوريا والعراق وليبيا .  وآخر هذه الصفقات عقدت قبل شهور بقيمة 12.5 مليا ر دولار. وقد عبر ترامب عن نواياه الإبتزازية عندما طلب مالاً أكبر من الرياض نظير ما يقدمه لها من دعم عسكري. “قُلت للملك سلمان لديك تريليونات من الدولارات ومن دوننا الله أعلم ماذا سيحدث.. السعودية معنا في أمانٍ تام، لكننا لا نحصل في المقابل على ما يجب”،

 وكما فسر احد المراقبين هذه الرسالة الواضحة ان ترامب ” يُظهر السعودية دولة غير قادرة على الدفاع عن نفسها دون دعم أمريكي، وهو ما فسرته وسائل إعلام مناوئة للرياض بأنه إهانة جديدة لهذه الأخيرة، خاصة وأن ترامب، سبق أن صرّح في أبريل/ نيسان الماضي، بأن هناك دولاً لن تبقى أسبوعاً دون الحماية الأمريكية، وأن عليها الدفع ثمناً لهذه الحماية.”

ويواصل ترامب حملاته البهلوانية الإبتزازية على خلفية تبرير دفاعه عن السعودية في قضية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي مشيرا الى انه  لولا السعودية لكانت إسرائيل في ورطة كبيرة.اذ جاء في بيان نشره البيت ألأبيض بأن السعودية  “شريك استراتيجي هام”،  منذ فترة طويلة وأنها تستثمر في بلاده “مئات مليارات الدولارات حقا بمئات المليارات”. واعلن ترامب إن بلاده تنوي “البقاء شريكًا قويًا للسعودية، لضمان مصالحها ومصالح إسرائيل وبقية شركاء واشنطن في المنطقة”.

وتابع مبررًا: “إنهم يحافظون على انخفاض أسعار النفط، الحقيقة هي أن السعودية دولة مفيدة في الشرق الأوسط، لولاها لما كان لدينا قاعدة كبيرة” في المنطقة.

واستطرد  ترامب قائلًا: “لو تنظرون إلى إسرائيل، لولا السعودية، لكانت إسرائيل في ورطة كبيرة. ماذا يعني ذلك؟ هل ستغادر إسرائيل؟ هل تريدون مغادرة إسرائيل.. لدينا حليف قوي جدا في السعودية”.

وعقب البيان، توالت الانتقادات على ترامب من داخل الولايات المتحدة وخاصة الكونغرس، إذ وصفه البعض بـ “الخائن لقيم بلاده”، وآخرون اعتبروا أنه استبدل سياسة “أمريكا أولًا” بـ “السعودية أولًا”.

ولم يسلم ترامب من انتقادات اسرائيلية اذ كتب تسفي بارئيل في صحيفة “هآرتس″(21 11/2018) معلقا على تصريحات ترامب هذه بقوله:

اعلن الرئيس دونالد ترامب ان العلاقات الأميركية السعودية لن تتضرر نتيجة لمقتل الصحافي السعودي المغترب جمال خاشوقجي ، وذلك ” من اجل ضمان مصالح بلدنا  ومصالح اسرائيل  وباقي الشركاء في المنطقة ” . كان من المفروض ان يحرج هذا التصريح الحكومة الإسرائيلية  كما يقول بارئيل . بيد ان اسرائيل نفسها سعت الى هذا التصريح لأن بنيامين نتنياهولم ينكر انه حثّ ترامب على الحرص على استقرار المملكة السعودية  على الرغم من الجريمة الرهيبة  التي ارتكبت في القنصلية السعودية في اسطنبول . ويضيف بارئيل :”أن التكافل بين ترامب ونتنياهو لن يحتاج الى برهان . فعندما يتعلق الأمر بالشرق ألأوسط ، ولا سيما بالنسبة الى ايران  والمسألة الفلسطينية ، لن يكون هناك فارق  بين موقفي ترامب ونتنياهو. ولكن عندما يتعلق الأمر بمسالة خلقية يلوذان بالصمت.

 وأضاف “ان العلاقات بين نتنياهو وترامب مثل العلاقات بين لصين يمتطيان حصانين . في بعض الأحيان نتنياهو يدعم سياسات ترامب  وفي أحيان أخرى يستخدم ترامب نتنياهو من اجل تبرير مواقفه . ففي هذه المرة  جاء دور اسرائيل  من اجل توفير ملاذ لوشنطن هربا من معضلة التصادم  مع السعودية”

في سياق تعقيبها على تصريحات ترامب هذه كتبت الدكتورة  أميرة ابو الفتوح ان ” السعودية تعمل كل شيْ  لدعم جيش العدو الإسرائيلي  وتقدم له الخدمات بصورة سرية ….وهي تستخدم غطاءا دينيا  مزيفا وتدعي انها حامية المسلمين السنة وحارسة البيت الحرام .ولكن ترامب أسقط أوراق التين (عن السعودية) وكشفها  امام ألأمة ألإسلامية قاطبة ” . وتضيف الدكتورة ابو الفتوح  ان ” البعض يعي دور آل سعود من اجل حماية اسرائيل….في حين انه من المفروض بهم انهم حراس الحرمين … ولكنهم حريصون على ترك الجامع الأقصى  في ابدي الغزاة الإسرائيليين”.

اين تذهب الأموال التي يبتزها ترامب من دول الخليج وفي مقدتها السعودية ؟

ان القسم الأعظم من الأموال الخليجية ينفق على المجمّع الصناعي العسكري الأميركي اذ ان هذا القطاع الذي يمول  بأموال عربية على مر السنين يشكل قطاعا اقتصاديا مهما يصدر ألأسلحة  بجميع أنوعها الى جميع بؤر النزاعات في العالم ولا سيما في الشرق ألأوسط .فقد لفت الرئيس الأمريكي إلى أن السعوديين يوفرون “فرص عمل هائلة” عبر شراء أسلحة من الولايات المتحدة.وأضاف أيضًا أن تقليص العلاقات مع السعودية يمكن أن يؤدي إلى كساد عالمي.

وأفادت  مصادر موثوقة ان الولايات المتحدة ملتزمة بتحويل اموال المساعدات الى اسرائيل بمقدار 38 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة. ومن سخرية القدر ان أميركا تعطي اسرائيل هذه المليارات معظمها من أموال عربية تبتزها أميركا من دول الخليج .

يهرولون نحو التطبيع مع اسرائيل

اذا كان الخليجبون يتنافسون فيما بينهم على الإستجابة لإبتزاز الغرب ، فانهم يتسابقون في الهرولة نحو التطبيع مع اسرائيل الذي كان يتم في السر ثم خرج الى العلن ، متعلقين بوهم ان اسرائيل ستصد عنهم الخطر الإيراني المزعوم  . فهذه تلقي لهم الطعم وهو يتلقفونه بشراهة .

ويضيق المجال هنا لسرد وقائع التطبيع مع اسرائيل ونفترض ان القاريء العربي الكريم يتابع هذه الوقائع وهي تحتل العناوبن .ولكن قافلة التطبيع تشمل  مختلف المجالات التجاري  والرياضي والسياسي والمالي والثقافي  . ومن المعروف ان بعض دول الخليج يستورد من اسرائيل  منتوجات مختلفة  ولا سيما في مجال التكنولوجيا( العسكرية والمدنية)  وأجهزة تجسس بمليارات الدولارات .وكان آخر مظاهر هذا التطبيع زيارة نتنياهو لعمان وما تخللها من استفزاز لمشاعر الملايين . واعرب نتنياهو عن مسرحيته  الوصولية باشارته الى  “مفاجآت كبيرة” بخصوص العلاقات مع الدول العربية، وذلك بعد زيارته سلطنة عمان.

تسعي اسرائيل  من وراء انشاء علاقات سرية وعلنية مع بعض الأنظمة العربية الى تمرير “صفقة القرن”  والمعادلة هي: تطبيع + تصفية القضية الفلسطينية + استمرار حصار قطاع غزة او انشاء كيان هزيل في القطاع وفي جزء من سيناء  للتهرب من قيام دولة فلسطينية مستقلة على اراضي الضفة والقطاع ناهيك عن ـاحلام الصهيونية القديمة بالسيطرة على منابع النفط  والغاز الخليجية وتنفيذ خطط التوسع للدولة الصهيونية . وتقول مجلة نيويوركر”على المدى البعيد يريد نتنياهو أن يتخذ ابن زايد وابن سلمان خطوات للاعتراف بإسرائيل، وهو ما قد يصيب الفلسطينيين بالاشمئزاز″. وذكرت المجلة ألأميركية أن ” وسائل إعلام أمريكية  أزاجت الستار عن  فصل جديد من فصول التطبيع بين الإمارات ودولة الاحتلال الإسرائيلي، من خلال التدخل عسكرياً في شبه جزيرة سيناء بزعم المشاركة في محاربة تنظيم الدولة بغطاء جوي “إسرائيلي”.

يبدو ان دول الخليج لا تستوعب مدى  الضرر الذي سيحلق بها  وبشعوبها في المستقبل  نتيجة لهذه الهرولة نحن الأميركان واسرائيل  . ولا سيما في عهد ترامب . ولعل رد الأمير تركي الفيصل، السفير السعودي الأسبق في واشنطن، على تصريحات سابقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول العلاقة بين البلدين (بأن المملكة السعودية لن تصمد لأسبوعين دون دعم أمريكي.)، قال الأمير  إن” السعودية تحملت لسنوات عديدة عبء صداقتها مع الولايات المتحدة”. ونامل ان يكون هذا التصريح بداية صحوة تنقذ البلاد والعباد.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here