سمير جبور: الدلالات المرحلية لنتائج انتخابات الكنيست الواحد والعشرين.. تكريس للتطرف والعنصرية امام تراجع اليسار العمالي

سمير جبور

خاضت انتخابات الكنيست الإسرائلي  الحادي والعشرين  14 قائمة  فازت نسبة الحسم منها 11 قائمة ووفشلت 3 قوائم ولم تفز بأي مقعد. والقوائم الفائزة هي : الليكود  بزعامة نتنياهو 35 مقعدا  -أزرق- أبيض بزعامة غانتس رئيس الأركان السابق 35 مقعدا .وفازت كتلة  ” كولانو” (كلنا ) المكونة من الأحزاب الدينية الصهيونية المتطرفة ( أحزاب اتحاد الجناح اليميني ، وشاس  ويهدوت هتوراه ) بـ 25 مقعدا . وكتلة حزب العمل  6 مقاعد وميرتس (اليسارية) 4 مقاعد  والكتلتان العربيتان 10 مقاعد (بتراجع 5 مقاعد عن الإنتخابات السابقة ). لكن كتلة أحزاب اليمين المتحالفة مع نتنياهو، حصدت أغلبية مقاعد البرلمان.

قبل الخوض في شرح دلالات هذه الأنتخابات نشير الى ان اليمين الصهيوني العنصري بزعامة نتنياهو هو المنتصر الأكبر رغم تكافؤ عدد المقاعد  بين جناحيه.. وهذا يعني ان نتنياهو سيحكم اسرائيل اربع سنوات أخرى الا اذا صدرت ضده ادانات فساد ورشوة .

يمكن استخلاص الدلالات التالية من نتائح هذه الأنتخابات :

أولا-  أن اليمين الصهيوني المتطرف   ( اقول المتطرف مجازا لأنه لا يوجد تيار صهيوني متطرف وتيار غير متطرف) حقق انتصارا كاسحا اذ يبلغ عدد المقاعد التي حصل عليها نحو 95 مقعدا( الليكود 35 وازرق- ابيض 35 والأحزاب  الدينية الصهيونية 25.

لعل ادق تعبير عما انتصر في هذه الأنتخابات ما جاء في افتتاحية صحيفة (هآرتس ،11/4/2019 أن “الثقافة الحكومية والرسمية لنتنياهو التي لا كوابح لها انتصرت: وصم الأقليات والمعارضة بأنها طابور خامس، الملاحقات السياسية، الأكاذيب والتحريض. انتصرت أيضاً طريقة سلوكه الذي لا يعرف موانع أو قيود، ولا يتوانى لحظة عن تشويه سمعة كل من يهدد حكمه – سواء أكان رئيس أركان سابق تجرأ على منافسته في الانتخابات، أم موظفون ومسؤولون رسميون قاموا بعملهم بنزاهة، مثل المفوض العام للشرطة المنتهية ولايته روني ألشيخ، ومدعي عام الدولة شاي نيتسان،  والمدعية العامة ليئات بن – آري، ورئيس الدولة”..

ثانيا –  ان هذه ألإنتخابات اتخذت طابعا تنافسيا شخصيا وليس ايديولوجيا. فلا اليمين بكل تناسخاته  ولا الوسط و أشلاء اليسار يعتبرها صراعاً أيديولوجياً بين معسكرين بشأن قضايا  ساخنة  مثل مصير الإحتلال . بل ظهرت هذه ألإنتخابات  استفتاء على حكم نتنياهو  وسياسته العدوانية المتشددة .اذ ان ايا من ألأحزاب المتنافسة لم يطرح بديلا عن الوضع الراهن او اي مشروع حل للقضية الفلسطينية.وبحسب “هآرتس″.” ليس نتنياهو وحده الذي فاز، بل أيضاً الثقافة والأسلوب وقيم الحكم التي يعرفها الجمهور جيداً بعد عشر سنوات من حكم متواصل وتراكُم 13 عاماً – لقد انتصرت”البيبية”. وربما عكست نتئج هذه الأنتخابات  ازمة قيادة و/أزقا استراتيجيا.

ثالثا- حقق نتنياهو فوزا  كبيرا يمكّنه من تاليف حكومة برئاسته بكل سهولة من دون حاجة الى ألإئتلاف مع الجناح   الآخر بزعامة بيني غانتس  استنادا الى المعادلة التالية : ليكود 35 والأحزاب الدينية  25  وخمسة أصوات من احزاب يمينية اخرى فهذا يوفر له الحد الأدنى من المقاعد التي تمكنه من تأليف حكومة  أكثرية برئاسته -65 مقعدا .وهذا يعني ان مقاعد  منافسه أزرق –أبيض (35 مقعد)  يفتقر الى الدعم الكافي من الأحزاب الصغيرة الأخرى للحؤول دون بقاء نتنياهو في الحكم لولاية خامسة .وهذا يعني أيضا  انه حصل على حصانة تضمن له الحكم لمدة اربع سنوات أخرى .وصرخ نتنياهو انه سينهي مهمة تشكيل الحكومة بسرعة لأن ” كل واحد تقريبا صرح بانه سيدعمني . وأنوي  اقامة حكومة وحدة وطنية قوية”. وأضاف مخادعا ” أنوي ان اكون رئيس حكومة لجميع مواطني اسرائيل من يمين ويسار  ويهود وغير يهود على السواء”، متجنبا  ذكر العرب بألإسم.

رابعا – لقد فاز نتنياه لتولي حكم اسرائسل لمدة سنوات اربع اخرى  على الرغم من حقيقة  انه لايزال  يقف  أمام قرار المستشار القانوني للحكومة بإحالته على المحاكمة في ثلاثة ملفات جنائية ، مع مراعاة عقد جلسة استماع له [بعد الانتخابات]، بتهمة الرشى، والاحتيال وانتهاك الثقة. “انتصر نتنياهو على الرغم من معرفة الجمهور أن السبب الوحيد الذي جرّ الدولة من أجله إلى انتخابات هو محاولة عرقلة صدور قرار المستشار القانوني بشأنه. انتصر نتنياهو على الرغم من أنه كان واضحاً للجميع أن الائتلاف الذي سيشكله سيستخدم صلاحيات التشريع التي يملكها بصورة سيئة، وسيحاول تمرير قوانين كل هدفها  منع إحالته على المحاكمة. في مثل هذه الحالة فإن انتصاره هو انتصار البيبية التي لا تميز بين مصلحة الدولة وبين مصلحة نتنياهو”.

خامسا- لعل ابرز هذه النتائج  وما لها من دلالات خطيرة على صورة الحكم في المستقبل ان اليسار بزعامة ميرتس (4   مقاعد) وحزب العمل(6 مقاعد) مني بهزيمة فادحة  تجرده من القدرة على تشكيل معارضة فعالة  وتحرمه من دعم احزاب أخرى . وهذا يعني ايضا ان الساحة اصبحت خالية امام اليمين الصهيوني حتى وان  بقي الجناح الآخر (غانتس ولابيد) في المعارضة . فهذه المعارضة التي يمكن ان تضم الكتلتين العربيتين (10 مقاعد) وكتلتي اليسار ألأخريين (10 مقاعد) اي ما مجموعه 20 مقعدا اضافة الى 35 مقعد أزرق أبيض. ولكن هذه المعارضة  تفتقر الى قواسم مشتركة  ولا سيما بالنسبة للسياسة الخارجية . وسوف نشهد المزيد من توحش نظام اليمين الصهيوني ودكتاتوريته العقائدية من دون محاسب .

سادسا –  ستنعكس هذه الأنتخابات سلبيا على الفلسطينيين العرب في اسرائيل اذ كشفت النتائج الرسمية شبه النهائية في انتخابات الكنيست الإسرائيلي ، حصول القوائم العربية على عشرة مقاعد، بعد فرز أكثر من 97% من الأصوات.

وبحسب النتائج، بلغ عدد المقاعد التي حصلت عليها قائمة الجبهة والعربية 6، فيما اجتازت القائمة الموحدة والتجمع نسبة الحسم بصعوبة وحصلت على 4 مقاعد.وتعد هذه النتيجة، خسارة للكتلة العربية في الكنيست الإسرائيلي، حيث فقدت 3 مقاعد عن الكنيست السابقة. والدلالة العملية لهذه النتائج ان قسما كبيرا من العرب امتنع عن التصويت احتجاجا على انفراط القائمة المشتركة وعل قانون القومية الذي استثنى العرب السكان الأصليين من المواطنة ليكرس بقاءهم اقلية غير معترف بها  رغم انهم يشكلبون نحة 20% من مجموع السكان وهي غير ممثلة برلمانيا بما يتناسب وقوتهم العددية على الأقل. ناهيك ان حكومة نتنياهو زرعت كاميرات خفية في التجمعات العربية للناثير على تصويت العرب وتهديدهم.

سابعا-  بالنسبة للقضية الفلسطينية  تعتبر نتائج الإنتخابات تفويضا شعبيا لنتنياهو للمضي في تنفيذ سياسته الرامية الى بناء المزيد من المستعمرات .وبحسب سياسته المعلنة سيواصل نتنياهو التنكر لحقوق الشعب الفلسطيني وألإصرار على عدم السماح بقيام دولة فلسطينية والمضي في تهويد مدينة القدس.. وربما يعتبر نتائج الإنتخابات  تفوبضا له لضم الضفة الغربية .الخ  .

والأدهى من ذلك ان الرئيس ترامب ينتظر فوز نتنياهو للمضي قدما في تنفيذ “صفقة القرن”  التي تلقى تأييدا من قبل جميع ألأحزاب الصهيونية من دون اية معارضة فعالة.

ثامنا – على صعيد سياسة التطبيع التي تنتهجها بعض ألأنظمة العربية ، سيواصل نتنياهو سياسة   الترويج للتطبيع لدى بعض الحكومات العربية . فما دام وضع العرب على هذه الصورة من السوء يجد نتنياهو ان التربة خصبة  لمواصلة جهوده التطبيعية  مدركا انه لا تو جد معارضة عربية فعالة لجهود التطبيع .

تاسعا – بالنسبة للعلاقات الأميركية – الإسرائيلية   سيستمر التحالف بين ترامب ونتنياهو وسوف يحاولان انجاز اكبر قسم من صفقة القرن قبل الخروج المتوقع للرئيس ترامب من البيت ألأبيض.

وخلاصة القول ان المجتمع الإسرائيلي بصورة عامة  تحول تحت حكم اليمين، وبعد اغتيال اسحاق رابين بالذات ، الى مجتمع  يميني متعصب  مشحون بكراهية العرب اذ نشأ جيل جديد  خضع لغسيل دماغ  جردّه من اية نزعة انسانية ومن اي ميل نحو التعايش السلمي مع جيرانه الفلسطينيين.

ان نتائج هذه الأنتخابات  لن تغير من الموقف الصهيوني تجاه القضبة الفلسطينية  كما  انها لم تغير اية انتخابات في السابق هذا الموقف حتى عندما كانت الأحزاب العمالية في الحكم. فهذه   لم تعترف بحقوق الشعب الفلسطيني بل هي التي فرضت الحكم العسكري على العرب  وبواسطته صادرت اراضيهم وأنشات المستوطنات عليها.

ولعل العبرة الأساسية التي يجب على القادة الفلسطينيين استخلاصها من هذه الأنتخابات انه لم يعد من المجدي في هذه المرحلة المراهنة على اي تغيير في الموقفين الأميركي والإسرائيلي .ولم يعد امام الفلسطينيين سوى الإعتماد على انفسهم بالمحافظة  على وحدة الشعب الفلسطيني وسلامة ما تبقى له من أرض, وعلينا ان ندرك ان القضية الفلسطينية تحظى بتأييد اكثرية شعوب العالم وحكوماتها وعليهم معرفة توظيف هذا التاييد في خدمة القضية الفلسطينية.

  وبكلمات اخرى  ان فوز نتنياهو  انما هو  طعنة جديدة  لأي حل سلمي و تخلٍّ عن السلام، وخضوع للمستوطنين وللمستوطنات، ودفن حل الدولتين ، وتبني رؤية الضم. إنه انتصار التطرف  والشوفيانية على العدل  والتعقل . فمن المؤمل ان ملايين الإسرائيليين  الذين  لم يصوتوا لنتنياهو ان يحاولوا ايجاد البديل للسياسات العدوانية  ويخرجوا ببرنماج يطرح مشاريع سلمية  وينظموا انفسهم ضد التطرف الأعمى  وضد نهج نتنياهو والبيبية (نسبة للقب نتنياهو “بيبي”) .

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. يذكر ألمقال:” فمن المؤمل ان ملايين الإسرائيليين الذين لم يصوتوا لنتنياهو ان يحاولوا ايجاد البديل للسياسات العدوانية ويخرجوا ببرنماج يطرح مشاريع سلمية وينظموا انفسهم ضد التطرف الأعمى وضد نهج نتنياهو والبيبية”, من الملفت للأنتياه ان لا رجاء من ألعرب أو ألفلسطينيين فعل أي شيء لأن ألمقال لم يذكر أي أمل منهم!!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here