سمير البرغوثي: سقوط الامبراطوريات: على من نعم بدفء “الحضن” ألامريكي أن يبدأ بالقلق

 

سمير البرغوثي

منذ الامبراطورية الرومانية والفارسية وانتهاءا بالامبراطورية السوفيتية مرورا بالامبراطورية العثمانية والامبراطوريات الاوروبية شهد التاريخ اشكالا متعددة لانهيار المبراطوريات منها من تفكك ومنها من دخل في حروب اهلية او خسر في حروب عسكرية خارجية ومنها من انكفأ على الداخل ولكن يبقى السبب الرئيس هو ان قدرة اقتصاد هذه الامراطوريات ومواردها لم يعودان قادرين على تمويل نفقات “الزعامة” مما ادى الى انهيار الجبهة الداخلية وما رافق هذا الانهيار من حروب اهلية عرقية ودينية او خسارة حروب خارجية او تفكك مكوناتها او الانكفاء على الداخل للحفاظ على الجبهة الداخلية ومكونات الامة  كما حدث مع الامبراطوريات الاوروبية في مطلع القرن العشرين.

لم يعد السؤال الذي يراود المحللين الأستراتيجيين وعلماء التاريخ والاقتصاد وعلم الاجتماع والسياسة من مختلف مشاربهم  هو هل ستنهار الامبراطورية الامريكية ام لا بل هو متى وكيف.بشأن ” متى” فالتنبؤات المتشائمة تحدد تاريخ 2030 اي بعد اعتلاء الصين لعرش الزعامة الاقتصادية العالمية وفقدان الدولار لبريقه العالمي وتحول روسيا الى القوة العسكرية الاولى.التنبؤات الاقل تشائما تتحدث عن قبل عام 2040 ولكن الكل يجمع بما فيهم اكثر المتفائلين ان الامر حتما سيتم قبل حلول عام 2050 اي في العقدين القادميين.

أما كيف فهناك سيناريوهات عدة بدءا من المتشائم الى المتفائل الاكثر تشائما يتوقع اندلاع حرب اهلية على خلفية عرقية عنصرية دينية وتتحول الولايات المتحدة الى دولة مارقة.  من جهتي لا ارى ان هذا السيناريو واقعي اذ ان الطبقة الراسمالية الحاكمة بشقيها الديموقراطي والجمهوري لا تسمح بتلاشي امتيازاتها ونفوذها ومؤسسات الدولة العميقة والقوانين المنظمة لها التي انجزتها على مدار اكثر من قرنين لصالح تجار الحروب الاهلية وزعماء العصابات وامراء الحرب وزعماء مافيا وتجار مخدرات وكل من يريد ان يبسط نفوذ له من خلال الفتوة والسلاح. واغلبية الشعب الامريكي من مختلف مشاربه الذي تعود على العيش بهدوء وسكينة وامن ووصل الى درجة عالية من التعليم والتحضر لا يقبل ان يعيش في هكذا بيئة. لا يمكن للمواطن الامريكي يقبل بالتنقل داخل ولايته او الى ولاية اخرى عبر حواجز مسلحة لمجموعات مختلفة كمثال بسيط فقط.

السيناريوالاقل تشاؤما هو ان تبادر كل من الولايات الغنية المحسوبة على الحزب الديموقراطي والجمهوري الى الانسحاب من الاتحاد الامريكي ومعها الولايات الأصغر التي تشاركها التوجه لينشطر الاتحاد الحالي الى اتحادين على الاقل وعلى الاغلب ان يكون الانشطار سلمي ليعاد ربط الاتحادين بمجموعة من الاتفاقيات التجارية والمالية كالتجارة الحرة او السوق المشتركة وحرية انسياب البضائع وحركة الافراد لكنهما كيانيين سياسيين مستقلين وبالطبع سيكونان اتحاديين قويين اقتصاديا لهما مقعدين مستقليين في نادي الدول الغنية والصناعية بسواسية مع بريطانيا وفرنسا والصين وكندا وروسيا وغيرهما من القوى الحالية او الصاعدة لكن لا يملك اين منهما دور الزعامة كما هو حال الولايات المتحدة في الوقت الراهن.وقد يبادر الاتحادين على غرار الاتحاد السوفيتي السابق الى تقاسم ورثة الولايات المتحدة الحالية من موارد وترسانة مسلحة وتمثيل خارجي الى غيره لكن لن يكون لأي منهما لا الرغبة ولا القدرة لوراثة الزعامة الامبراطورية الحالية للولايات المتحدة.

السيناريو الاكثر تفائلا هو السيناريو التي شهدته الامبراطورية البريطانية في زوالها وهو الانسحاب  الى الداخل للحفاظ على الجبهة الداخلية ووحدة الامة وتسليم مواقع نفوذها الى الولايات المتحدة والأنضواء تحت مظلتها الامنية للحفاظ على مصالها العالمية والحال ذاته مع الامبراطوريات الاوروبية الاخرى باستثناء امر وحيد ان الانسحاب الامريكي الى الداخل لن يرافقه انضواء تحت مظلة امنية لامبراطورية صاعدة لان العالم سيتجه الى نظام تعدد الاقطاب ستكون بذاتها هي جزء منه.

ليس من اختصاص هذه المقالة التنبوء والتمحيص بالسيناريوهات المختلفة ولكن الامر المهم أنه بالمحصلة النهائية   لن تكون الولايات المتحدة امبراطورية عالمية بعد ذلك.

النفوذ الامريكي في الشرق الاوسط ترافق مع انشاء دولة اسرائيل وتمكينها وحمايتها وتعزيز امنها وتفوقها النوعي العسكري من جهة وتمكين عائلات من الحكم في مناطق منابع النفط لضمان تدفقه واقتسام عوائده معها وحمايتها  بمظلة امنية من القواعد العسكرية وحاملات الطائرات والرعاية الاستخبارية والحماية الشخصية والتواجد في مختلف قطاعات الاقتصاد والدولة وبالاخص اجهزتها الامنية من جهة أخرى

على مدار عقود واسرائيل تصول وتجول وتعربد في الشرق الاوسط “بنفس” الامبراطورية الامريكية وعلى مدار عقود ارخى امراء النفط مؤخراتهم على كرسي الحكم يتمتعون بما تبقى من عوائد النفط بعد اقتسامها مع البلدان الغربية مطمئنين للمظلة الامنية الامريكية التي ينعمون بدفئها. ولكن بات على كلا الطرفين ان يقلقا حقا.

الحركة الصهيونية تراقب عن كثب القوى الصاعدة الجديدة كالصين والهند وروسيا وتحاول من الان نسج علاقات استراتجية معها ولكنني لا اععتقد ان التاريخ سيعيد نفسه عندما نقلت الحركة الصهيونية “بيضاتها” من سلة الامبراطورية البريطانية الزائلة الى سلة الامبراطورية الامريكية الصاعدة انذاك فهذه القوى الصاعدة الان لا ترغب اصلا بدور امبراطورية العالم كما أن تركيبة سكانها وبنيتهم الدينية والايدلوجية ومصالح القوى الاقتصادية والاجتماعية الداخلية ولوبيات الضغط لا تفرض على سياساتها الخارجية اعتبار وجود اسرائيل وامنها وتفوقها النوعي مسالة حياة أو موت بالنسبة لها كما هو الحال مع الولايات المتحدة. وعلى الجانب الاخر لا اعتقد ان هذه القوة الصاعدة ستبادر الى ارسال جيوشها للقتال لحماية امراء نفط في الوقت الذي يتضائل فيه اصلا اهمية النفط في منظومة مصادر الطاقة ولن يهمها من يحكم بلدان مصادر النفط لانه ايا كان الحاكم هو بحاجة لبيع نفطه في ظل التزاحم في مصادر الطاقة اكثر من المشتري نفسه.

التطبيع الجاري الان بين ابناء الامبراطورية الامريكية هو تماما كالاخوة الذين يشعرون الى حاجة للتقرب الى بعضهم والتعاضد فيما بينهم ليقينهم ان والدهم قد يذهب دون عودة !

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. شكرا للأستاذ سمير على النظرة الاستشرافية للمستقبل …وبالنسبة لأبناء أمريكا المأسوف على وضعهم لن يشكل تعاضدهم اي فائدة لهم …هم في ميزان القوى ضعفاء حتى لو اتحدوا …لأن الحلف المقابل أصبح يملك ناصية التكنلوجيا….. ومن قال ان هؤلاء الأشقاء يمكن أن يشكلوا يوم من الأيام اي حلف!!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here