سميح عامري: صعود سعيد في تونس.. هل هو انتصار “للترامبية” في العالم العربي؟

 

سميح عامري

 

في ثاني انتخابات حرة وديمقراطية تشهدها تونس في تاريخها، وفي سابقة هي الأولى من نوعها في العالم العربي، نجحت شخصية مستقلة معادية للمنظومة الحاكمة في نيل ثقة أكثر من ثلاثة ملايين ناخب لمنصب رئاسة الجمهورية، الفوز الكاسح لقيس سعيد سيكون له ارتدادات على طبيعة العلاقة المعقدة بين السلطات الثلاث، وقد لا يختلف كثيرا عن ما يحدث في الولايات المتحدة تحت رئاسة دونالد ترامب.

 

صعود ثوري ناعم من خلال الإعلام

 

بعد أيام من الثورة الشعبية التي أطاحت بالرئيس التونسي الراحل زين العابدين بن علي، وفي خضم حراك شعبي يبحث جاهدا ويائسا عن بوصلة تؤسس لواقع سياسي ودستوري جديد أطل على التونسيين عبر شاشة التلفزيون رجل غير مألوف لهم، طليق اللسان ويشرح بالعربية الفصحى مخاطر وقوع البلاد في المآزق الدستورية و سبل تفاديها أو الخروج منها بأقل الأضرار.

 

أصغى آنذاك كثير من التونسيين باهتمام بالغ إلى تحليلاته واقتراحاته، فيما تندر آخرون بأسلوب الرجل في الحديث و بجديته المطلقة في الحوار وحتى بلغة جسده المتحجرة، حتى أطلق عليه وصف “الروبوكوب” أو الرجل الآلي. لم يأت ببال أحد آنذاك أن „الروبوكوب „ و أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد سيعتلي يوما ما سدة حكم بلد حكمه من قبله “محاهد أكبر” ترجل بعد انقلاب أبيض و “صانع تغيير” فر من ثورة شعبية و “مناضل حقوقي” سقط بصندوق الاقتراع و “ديناصور سياسي” انقرض بتسمم غذائي.

 

سقطت حكومات وصعدت أخرى وزعزعت اغتيالات سياسة وهجمات إرهابية موازين القوى في الحكم. وفي أثناء ذلك، واصل سعيد إلقاء المحاضرات القانونية في أروقة جامعة تونس واستمر ظهوره على شاشات التلفزيون من حين إلى آخر كخبير دستوري يشرح النظريات الدستورية المستلهمة من تجارب شعوب أخرى، كلما اصطدمت البلاد بمأزق دستوري أو كلما اشتعل جدل ما تحت قبة البرلمان، حتى بات وجهه و طريقة كلامه مألوفين عند أجزاء واسعة من التونسيين.

 

قبل عامين بدأت فكرة دخول قصر قرطاج ترواد سعيد، لكنه لم يفصح إطلاقا عن نيته تلك، حتى حانت أمامه الفرصة السانحة في العيد الثاني والستين لذكرى الجمهورية. لم تكد تمر ساعات قليلة على دفن الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي في مقبرة الجلاز، حتى بدأ السباق نحو خلافته بين شخصيات وازنة تدفعها سرا وعلنا أحزاب سياسية. استقر عدد المرشحين في الأخير على سبعة وعشرين يتقدمهم رئيس الحكومة الحالي ووزير دفاعه  ورؤساء حكومات سابقة ورئيس سابق ورجال أعمال وإعلام.

“عصفور نادر” يغرد خارج السرب؟

 

لكن خلافا لكثير من المترشحين، لم يلجأ سعيد إلى البرلمان طلبا لتزكيات عشرة نواب وفضل النزول إلى الشارع و جمع عشرة آلاف تزكية شعبية من الناس، خلافا لكل المترشحين لم يكلف نفسه عناء ضم فريق من الخبراء والمستشارين ممن ينكبون بالأدلة والأرقام على تحليل مشاكل الشأن العام ومطالب الرأي العام.

كما أن سعيد لم يقدم، كما تجري عليه العادة في أي انتخابات حرة كانت أو مزورة، برنامجا انتخابيا، كما أنه لم يعلق لافتات إشهارية في الشوارع ولم يطور استراتيجية تواصل وتسويق تصل بأفكاره إلى الشباب المنتشر على الشبكات الاجتماعية، ورغم ذلك انتشرت فيديوهاته وصوره هو على صفحاتهم انتشارا واسعا، وما زاد من حيرة المراقبين أن المرشح المستقل نفى امتلاكه لحساب على فيسبوك أو استثماره لدينار واحد في مجال التسويق الإليكتروني.

 

ركز الأستاذ المتقاعد في خطابه على سخط الشارع و معاداته لمنظومة الحكم التقليدية بنخبها و بخطابها السياسي والإعلامي وأيضا على نظام الأحزاب و على هيمنة الحزبين الكبيرين، حزب النهضة ونداء تونس، على المشهد خلال الخمس سنوات الماضية و اختلافهما العقيم حول قضايا لا تهم التونسيين كثيرا في حياتهم اليومية.

 

معاداة المنظومة الحاكمة كانت بدورها المحرك الرئيسي وراء انتخاب الأمريكيين لمرشح قادم من خارج الأطر التقليدية كدونالد ترامب قبل ثلاث سنوات وأيضا الأوكرانيين بانتخابهم ممثلا كوميديا لا يفقه الكثير في عالم السياسة.

 

قلب هرم السلطة رأسا على عقب

 

يسود انطباع في تونس خاصة لدى الشباب، أن الثورة غيرت الوجوه والواجهة فقط، لكنها لم تنجح في تغيير أسلوب الحكم الذي أسسه بورقيبة واستمر فيه بن علي من بعده، يرتكز أسلوب الحكم في تونس بالأساس على سلطة مركزية ظلت عاجزة في مرات كثيرة قبل وبعد الثورة حتى على تلبية أبسط الخدمات لمواطنيها كالماء والكهرباء والمواد الغذائية، وذلك في وقت يتحرك فيه العالم من حولهم بوتيرة متسارعة من الثورة الرقمية إلى مرحلة الذكاء الاصطناعي.

 

كما يسود انطباع عند كثيرين أن الحكومة لا تتحرك، إلا بعد حلول فاجعة ما في إحدى الجهات، لتوفد أحد مسؤوليها من العاصمة لمشاركة المواطنين آلامهم أمام عدسات المصورين ومنحهم آمالا باقتراب انفراج الأوضاع. في الوقت ذاته اضطرت الحكومات المتعاقبة في تونس للدفاع عن نفسها في وجه الاحتجاجات الاجتماعية عبر إلقاء اللوم على من سبقوها. وأنها هي من تتحمل مسؤولية ارتفاع التداين الخارجي و ارتفاع التضخم و العجز التجاري وركود السياحة و قطاع استخراج الفسفاط.

 

حتى من تولوا الحكم بعد الثورة كحركة النهضة والرئيس السابق المنصف المروزقي باتوا يحسبون على المنظومة الحاكمة ولم ينجحوا في عيون كثيرين في تقديم بديل أفضل. وهي ربما الأسباب نفسها التي تفسر فشل مرشح النهضة الشيخ عبد الفتاح مورو والمنصف المروزقي من المرور إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية.

 

حكم المجالس المحلية قد يشعل حربا ساخنة مع البرلمان

 

تفطن سعيد قبل كثير من خصومه أن صبر الشارع الساخط قد بدأ بالنفاذ وأن الكثيرين خاصة من الشباب مل من إعادة اسطوانة الوعود. وهو ما تلخصه مقولته الشهيرة “لن أقدم للتونسيين وعودا كوعود كافور الإخشيدي إلى المتنبي”.

 

عوض ذلك، لعب سعيد في اللعبة الانتخابية بالأساس بورقة تغيير ما يعتبرها “المنظومة الفاسدة” بأكملها أو جزء منها باعتبارها، حسب رأيه، تعمل “بآليات بالية باتت تعطل تحقيق التنمية عبر المشاريع الصغيرة والمتوسطة”.

 

وكحل لمشاكل الاقتصاد المعقدة، اقترح رجل القانون مبدأ تركيز الحكم للجماعات المحلية وضرورة منح الشعب سلطة القرار عبر “انتخاب مجالس محلية تتخذ وتنفذ وتراقب لوحدها قرارات تركيز مشاريع اجتماعية وتنموية عجزت السلطة المركزية عن تنفيذها”.

تمويل بعض هذه المشاريع، حسب سعيد، سيأتي في إطار تسوية قضائية مع العشرات من رجال الأعمال ممن أدينوا سابقا بالفساد. وهو يعول أن تقلص هذه الفكرة من الضغط الشعبي المتزايد على الدولة حتى تصب جهودها على قطاعات أخرى كالصحة والتعليم.

 

هذا المفهوم الجديد لتوزيع آليات السلطة عبر إعطاء مساحة أكبر للجماعات المحلية قد يفسر بدوره الموجة الشعبية الكبيرة لمساندته في الانتخابات. ورغم أنه لا يملك تجربة سياسية ولا حزبية، إلا أن سعيد، المتشبع جيدا بالدستور وبفصوله، على دراية واسعة أيضا بأن البرلمان سيكون الحجر الأكبر أمام تحقيق رؤيته. وفي حال معارضة البرلمان لمشاريعه، كشف سعيد قبل انتخابه أنه “سيكون مجبرا على مصارحة الشعب بالحقيقة وليتحمل آنذاك كل مسؤوليته أمامه”. وبعد انتخابه بأكثر من ثلاثة ملايين صوت، وهو يفوق عدد الأصوات التي حصلت عليها الأحزاب مجتمعة في البرلمان، ثد يكون سعيد في موقع أقوى سياسيا وشعبيا من الأحزاب. و هو ما سينذر بعدها بحرب ساخنة بينهما.

الشعبوية و مقاطعة الإعلام التقليدي

 

حرب سعيد المرتقبة ضد البرلمان قد تعيد للأذهان حرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الكونغرس. توجد بين سعيد وترامب أكثر من نقطة تشابه. النقطة الأبرز هي الشعبوية فكلاهما يعادي المنظومة التقليدية أو ما يعرف في الولايات المتحدة “بالاستبليشمنت”. خلال الحملة الانتخابية، تعهد قيس سعيد أنه “لن يسكن قصر قرطاج، في حال انتخابه رئيسا لتونس، وأنه سيقيم في بيته في إحدى ضواحي العاصمة” وأنه “لن يركب السيارة الرئاسية الفارهة”. رفع سعيد شعارات الثورة مثل “الشعب يريد” و”إعادة مجد تونس” مشددا أن “إعادة إرادة المواطنين المسلوبة من النظم الحاكمة” ستكون أولوية له وأن المصالح القومية ستكون قبل كل شيء.

 

في الولايات المتحدة أيضا أشار دونالد ترامب، قبل وصوله البيت الأبيض، على أنه لا يرغب في “ترك سريره بمقر إقامته في برجه العقاري الشاهق بنيويورك” وأنه “ليس بحاجة لامتيازات رئيس الدولة” كونه يملك طائرته الخاصة. شعاره الشهير “لنجعل أمريكا عظيمة من جديد” ساهم في تعزيز شعبيته لدى الأمريكيين، خاصة عندما تعهد “بفرض الإرادة الشعبية على كل قضية رئيسية تؤثر على البلاد وأن الناس على حق والنخب الحاكمة على خطأ”، متعهدا هو الآخر بوضع مصلحة “أمريكا أولا”.

 

مقاطعة الإعلام التقليدي هي نقطة أخرى يشترك فيها الرئيس التونسي الجديد مع نظيره الأمريكي في الحملة الانتخابية، قاطع ترامب وسائل الإعلام التقليدية كـ “سي أن أن” وغيرها ووصف بعضها بالأخبار الكاذبة وفضل إجراء حوارات مع قنوات بعينها. في تونس أيضا، قاطع سعيد قنوات خاصة كالحوار التونسي و “نسمة” التابعة لنبيل القروي، وهاجم بعض المحطات متهما إياها بالإفلاس الفكري وبأنها تعيش “حالة من التخبط لتصنيفه مرة بالإسلامي ومرة أخرى باليساري”، وبعد انتقادات شديدة لمنح قنوات أجنبية أولوية في الحوارات الحصرية واستثناء التونسية منها، قام سعيد بإجراء حوار وحيد مع القناة التونسية الأولى.

 

تلك الصورة السوداء التي رسمها ترامب عن الإعلام في بلاده دفع مرة بأحد أنصاره خلال إحدى التجمعات الجماهيرية بالاعتداء على أحد صحفيي “السي أن أن”. في تونس أيضا تم الاعتداء على صحفيي قناة “الحوار” الخاصة في شارع الحبيب بورقيبة أثناء تغطيتهم لاحتفالات أنصار سعيد.

 

ورغم وجود فروقات كبيرة بين النظم السياسية في أعرق ديمقراطيات العالم كالولايات المتحدة، وأحدثها كتونس، لا يمكن التكهن بمدى استخدام قيس سعيد لنفس الأساليب التي يحكم بها ترامب الولايات المتحدة. لكن ما يبدو واضحا، خاصة من خلال خطاب الرئيس السابع لتونس، أن العلاقة بين السلطات الثلاث في عهده ستكون معقدة. البرلمان لن يقبل بأي حال من الأحوال أن يبقى مكتوف الأيدي أمام محاولات سحب السلطة من تحت قدميه. في المقابل لن يرضى سعيد أن يكون كمن سبقوه من الرؤساء في قصر قرطاج، قد ينجح في تحقيق رؤيته لتونس وفي حال فشله، قد يستقيل أو ُيعزل من منصبه عبر البرلمان.

صحافي تونسي مقيم في ألمانيا

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. قرأة تفسيبرية جيدا لكن اختلف معك في العنوان … فشتان بينا الرجلين … انتهازي سلطوي متعجرف …. و حقوقي ديمقراطي بسيط

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here