سليم البطاينه: نحن لم نولد لنموت من أجل وطن نسي أبنائه

سليم البطاينه

لم نعُد نعرفُك، وما عاد يعرفُك أحد؟ وما عُدنا نشعرُ بأمان على ارضك ، فقد تعبنا من شدة الركض ، فقد دفنوا أحلامنا وأضاعوها دون ان يرمشُ لهم جفن وكذبوا علينا كثيراً حتى أصبحوا يصدقون كذبهم على مر السنين ، فنحن لم نُولد لنموت من أجل وطن نسي أبنائه، فهل علينا الاعتذار لتاريخ توقف على رصيف ميناء مهجور تلاطمه الامواج، فحين يبتلع الفساد الدولة وتغيبُ العدالة الاجتماعية يتحول الوطن إلى إقطاعيات ، فالتحول من المكان لا يُلغي الوجود لأن المكان ثابت لا يُمكن تعويضه  فالشاعر الفرنسي آرثر رامبو Nicolas Arthur Rimbaud  (١٨٥٤- ١٨٩١) قال عند الجوع يتجرد مفهوم الوطن من كل زيف ولا يوجد خبز سيّء، والكاتبه والروائية الجزائرية أحلام مستغماني قالت بأن الوطن لا يُرسم بالطباشير بيد تمسكُ طبشورة ويد أخرى تمسكُ ممحاة، والتاريخُ لا يُكتب على لوح خشب ، فالشاعر والأديب العربي السوري محمد الماغوط قال ما الفائدة من الاسم اذا كان صحيحاً والوطنُ نفسه معتلاً ، فهل يا ترى سنصل يوماً لمعنى الوطن أم سيبقى كلمات لا تمت للواقع بصلة وسيبقى حبراً على ورق.

فالسياسة مثل الطبيعة تخشى الفراغ، وكل فراغ هو تعبير عن أزمة مفتوحة ، فالوطن لا يحتاجُ إلى ندوات ولقاءات بل يحتاجُ لمن يسترجع ثقته به ، تلك الثقة التي فقدت منذ عقدين من الزمن ، فالفرح وصناعته لا تهطُل على الناس من السماء ، بل تحتاجُ الى قدرة على صياغتها

فقد طال خريفنا الذي تساقطت كل اوراقه دفعة واحدة و ترك اشجارنا عارية تلسعُها رياح الفقر و الجوع و المرض في وطن اصبح طاردٌ لابنائه و صار قبراً كبيراً و عشاً للفاسدين بمسمى وطن ، فاعلم باننا ربما نرحل عنك ذات يوم فحجم الظالمين فيك لم يعد أهون من جحيم الآخرين ! فلا تخزن أن رحلنا عنك ، لكن أعلم بأننا لم نختر الرحيل عنك إلا حينما اُجبرنا على البقاء في الجحيم ، وأعلم بأن الطفل عندما يفلتُ من يد أمه سيعود لها باكياً من ذلك الحجر الذي تعثر به وجرحه ، فلا أجد أكثر وطنية في نظري من الذين يبحثون عن أي شيء في حاويات القمامة ؟ فالأمر لا يتعلق بالموقف الإنساني اتجاههم لكن بالمأساة التي أوقع الوطن هؤلاء فيها

فما هو ذلك الوطن الذي يُفضل ابنائه الهجرة منه وتركه وحيداً للحد من آلامهم وآمالهم المرتطمة بواقع لا يسمح بالعيش الكريم ، فالهجرة ليست النهاية ، بل ربما تكون البداية لكل شيء ، فالشعور بالخوف من المستقبل داخل الوطن غربة ، والتوازن النفسي للأردنيين هو شعورهم بصيانة كرامتهم وعدم تجاوز قيمتهم الإنسانية

فعندما كُنا أطفالاً تعلمنا من آباءنا كيف نحب الوطن دون أن نسأل ما هو الوطن أو أن نطلب أن نراه لنعرفه ! فما أقسى الشعور بالغربة وانت تعيشُ داخل وطنك ، وما أصعبه عندما تشعر بانه ليس وطنك والأرض ليست مُلكك وانت تعيشُ فقط ببدنك داخل وطنك.

كاتب اردني

Print Friendly, PDF & Email

6 تعليقات

  1. كلامك استاذ سليم في الصميم والوجدان..تكتب وتنطق بقلم ولسان الاديب الغيور على وطنه والدمع بعيناه…اكتب وعبر عما يجول بخاطرك من واقع نعيشه كلنا واصبحنا لانطيقه…تبا لاولئك الانتهازيين من الزمرة الفاسدة ..الذين افسدوا البلاد والعباد…

  2. لا علاقه يا عبد الكريم للإسلام بما يعانيه الوطن العربي من تخلف ومشاكل، السبب انت والجميع يعرفه وهو بتسلط فئه فاسدة عل عروش وحكومات تلك الدول بدعم ومباركه من اسيادهم الغرب والمستعمر السابق ، وما جاء الإسلام الا ليحقق العداله للناس كافه

  3. الحمد لله على كل حال نحن بخير من الله وبنعم لا تحصى، فلماذا كثرة الكلام على وطن بحاجه لوقوف أبنائه معه في مثل هذه الظروف السياسية والاقتصادية التي يعيشها العالم اليوم، كن مع الأردن واحتسب إلى الله بأي شخص عبث بمقدرات الوطن عن قصد وانا على علم بأن هذا الكلام لا يعجب الكثير من هم يسييؤون ويحاولون الاساءه للوطن

  4. الدكتور الكريم يتألم للغربة التي يعيشها الإنسان العربي في وطنه الذي ألغته الثقافة الإسلامية المزيفة التي طغت على الفكرة المتناهية في الصغر التي وصل اليها العقل العربي ممزقا ً جدار بلانك ( للذكاء ) ثقافة إسلامية مبنية على العولمة نريد اصطحاب كل سكان الكرة الأرضية إلى الجنة..! هذه هي مهمة المسلمين على الأرض متجاوزين الخصخصة والأنانية حتى لو بالإكراه ..! ومن يقف في وجه هذا التوجه كان مصيره القتل ( الشهيد ) ناهض حتر ..! الذي لم يحرق كما حرق جيوردانو بيرينو لانه تكلم عن الكون والمجرات ..! أو طُلِق َ من زوجته على أضعف الإيمان .. أوسجن لسنوات بحجة ازدراء الأديان فقمع رجال الكهنوت الإسلاميين بحجة الدعوة والإصلاح وتقويم البشر وهو ما اعتمدت عليه الأنظمة العربية الفاشية وسهلت لهم الطريق فضاعفت عدد دور العبادة عدة مرات لدرج أن عدد المصلين لا يتجاوز عدد الأصابع تجاوزوا القوانين والأعراف وأفسدوا الدين والعباد فأضاعوا المسلمين ومن يعيش معهم مشتتي العقل ومشردي الفكر لاهثين وراء لقمة عيشهم فمن أسلم أمره للمشايخ باع دنياه على أمل الذهاب إلى الجنة ورضي بحياة رغيفها ملوث بالذل والقهر ومن كره رؤية اللحى وتمرد على الانصياع فضل التهميش ..غريب .. ولكن غالبا ً ماتكون الكرامة محفوظة .

  5. كل انسان بالوطن له نظرة ورؤية عن هذا الوطن ,, فالمستفيد منه يحبه ,, والغير مستفيد اما يعيش غريبا او يرحل عنه ,, وحركة الهجرة بالتاريخ تعبير عن ذلك ,, فلا يكفي ان يكون الانسان من ابوين واجداد من هذا الوطن ,, فكثيرون ولدوا من يلدان وهاجروا فصار بلد الهجرة وطنهم ,, ترامب من اصول المانية ولا يهمه شيء عن المانيا او حتى اجداده بالقرية التي طردت جده قديما قبل ان يولد ,,
    هناك مفاهيم اعم واشمل من الوطن نفسه ,, مفهوم القومية بالايمان لشخص بانتمائه القومي العربي فهو يعتبر ان كل بلاد العرب اوطانه ,, وهناك المفهوم الديني الذي يتفوق مفهوم الدين ويربطه باخوة له بالدين بمختلف البلدان ومنهم من يحلم بامة اسلامية يكون وطنه جزءا من تلك الدولة .. اما من يستفيد ماديا وينظر بتلك النظرة فالهجرة تكون اسهل ما يكون بديلا ..
    الحاكم وصفاته وعدله واهتمامه بالشعب كافة ويؤمن ويسعى للشعب بعيش كريم وغد افضل هو ما يعكس رؤية المواطن لوطن عاش فيه ويوثق ارتباطه فيه ,, كالاب المهتم او عكس ذلك الاب الذي يهمل عياله ,, فهذا له تأثير على العائلة وتماسكها وقوتها ونجاحها ودعم افرادها لبعضهم البعض ,,
    والله سبحانه وتعالى يقول : ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)[النساء:97].

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here