سليم البطاينه: أسئلة لا ينتظر الأردنيين عليها أي جواب

سليم البطاينه

الحديث عن الفساد داخل الأردن هو حديث عن خط مستقيم في مفهومه الهندسي ، لكن لا بداية له ولا نهاية ؟ فالأردن عاش في سنواته الماضية أكبر مرحلة فساد في تاريخه ؟ مرحلة نهب وبيع مقدرات وأصول الدولة ومؤسساتها والاستحواذ عليها دون حسيب أو رقيب ، فالفساد أستشرى وأكل الأخضر واليابس وجعل الأردنيين يعيشون حالة من البؤس والفقر والعوز والجوع ، فما جرى أمره غريب وشيء حقيقة يُثير العجب لربما لم نجد له مثيلاً حتى في دول المافيا والعصابات ، فاللصوص في الاْردن هم اكثر قوة وهيمنة من عصابات المافيا ، فمن يسمع أو يقرأ عن حجم الأموال التي نُهبت سيصاب بألم شديد في قلبه ، فلو ذهبت تلك الأموال إلى تطوير التعليم والخدمات الصحية وتحسين نوعية مياه الشرب والخدمات وإدارة النفايات لما وصل حالنا الى هذا الحال.

فرغم عدم توافر ارقام رسمية لحجم تلك الأموال بالخارج ، فالتقديرات الغير رسمية تُشير إلى أن حجمها كبير جداً، فخبراء القانون والاقتصاد يؤكدون ان عملية استرجاع الأموال المنهوبة والمهربة الى الخارج ستكون معقدة ولكنها ليست مستحيلة فهي حق ثابت وغير قابل للتنازل أو التقادم.

فبعد قرار رقم ٥٨/٤ للأمم المتحدة والصادرُ بتاريخ ٣١ تشرين الاول ٢٠٠٣ بعمل اتفاقية خاصة بين بلدان العالم لمكافحة الفساد  UNCAC واسترداد الموجودات حسب الفصل الخامسُ منها ،، حيث عرفت الاتفاقية إعادة كافة الأصول والأموال المنهوبة بأنها مبدأ أساسي من مبادىء الاتفاقية والتي دخلت حيز التنفيذ في ١٤/١٢ من عام ٢٠٠٥ ، والأردن كانت من أوائل الدول الموقعة على تلك الاتفاقية، فما يحدث من جانب بعض الدول التي تستقبل تلك الأموال لمسؤولين في دول تعاني الفقر والعوز والجوع يقعُ عليها مسؤولية تاريخية واخلاقية في إعادة هذه الأموال لأن هنالك شعوباً تموت جوعاً ولا تجد رغيف الخبز، فهل تمتلكُ الحكومة الجراءة بتقديم تقديرات وأرقام حول حجم تلك الأموال ؟ فالخطوة الاولى تتمثل في حصرها واين هي متواجدة ، فاسترجاع تلك الأموال سيكون بمثابة رسالة طمأنة للأردنيين ، علماً بأن الأردنيين أصبحوا على دراية ووعي كامل بدأ يسود بينهم كثقافة جديدة حول تلك القضايا والاسماء المتورطة فيها.

فإذا كان صاحب البيت جباناُ واللصُ جريئاً فالبيت آيل للدمار دون محالة ، فمستوى الفقر والجوع والبطالة والمديونية المرعبة وتردي مؤسسات الدولة لا يحتاج إلى دليل لوجود فاسدين ، فالأمر بات يستدعي فتح ملفاً طالما كان محرماً على العامة ؟؟ وهو ملف أموال الفاسدين الذين نهبوا البلاد وخيراتها.

فصحيفة The Guardian البريطانية لديها وثائق تحتفظ بها لسياسيين وتجار سلاح وقادة ومحتالين لم يفرجُ عنها حتى تاريخه وعددها بحدود ٣ مليون وثيقة تخصُ بيانات ل ١٥٠ الف شخص من ١٧٠ دولة في العالم ، حيث كشفت بيانات شركة Apple Pay Marine الامريكية وشركة Paradise Papers والذان يمتلكان ما مجموعه ( ١٣،٤ مليون وثيقة ) عن معاملات لقادة ولسياسيين وأفراد في أماكن في جُزر الكاريبي وفِي جنوب المحيط الهادي ، وفِي جزر فيرجن البريطانية النائية British Virgin Islands ، وتُعتبر هذه الجزيرة الملاذ الآمن حيث تستقطب روؤس أموال الفساد والمافيات والعصابات ، فاسترجاع ما جرى من نهب وسرقة يستوجب تحديد الأماكن أولاً وأخيراً.

فجريدة ( The Washington Post ) الامريكية أكدت في عددها الصادر في ٣ تموز عام ٢٠١٨ بأن البيانات المالية لشركة Paradise Papers تُشير عن العلاقة الوثيقة بين رجال السلطة الأغنياء في دول العالم الثالث الفاسدة ، فعلى ما يبدو فأن هنالك علاقة تكاملية بين البلدان المصدرة للفساد والبلدان المضيفة ( بلدان الملاذ ) حيث تقوم تلك البلدان بحماية ثروات وممتلكات الفاسدين واللصوص في العالم؟

فكتاب (أرض المال) للكاتب الألماني (أوليفر بولوخ) يسرُد تفاصيل قصص مُثيرة وأحداث تجري في عالم الثراء والأثرياء، والطرق والأساليب والحيل التي يستعملها أصحاب الثروات الطائلة لأخفاء ثرواتهم في بلدان آمنة والتي تُسمى بجنات المال الآمنة، حيث تسود السرية التامة بشأن تلك الأموال التي تتحول إليها، والبنوك التي ستوضعُ فيها والشركات الوهمية التي سترعى امتلاكها.

فالمفهوم الحقيقي للفساد أصبح غير دقيق ؟ حيث أن المعركة الحقيقية تكون ضد التدفقات العابرة للحدود والمراكز المالية التي تستقبلها ، فالعالم عليه ليس الالتفات إلى مؤشرات فساد الدول بل تلك الشبكات العابرة للحدود ومقدمي الخدمات الذين يسمحون لأموال الفقراء المنهوبة بالتنقل؟

كاتب ونائب اردني سابق

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. .
    — مقال مميز بمضمونه وتوقيته ، كل التقدير والاحترام للأستاذ سليم البطاينه .
    .
    .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here