سليم البطاينة: يا مهدبات الهدب غننّ لوصفي

سليم البطاينة

تنتابني حالة من الضحك كلما اسمع أو اقرأ بين فينة وأخرى ان هنالك من يزال يخاف من اسم وصفي التل رغم مرور خمسون عاما على استشهاده وهو قابع في قبره حينها اتذكر المسرحية الشهيرة للأسباني Alejandro Cason ( الأشجار تموت واقفة ) ، وأتذكر ايضاً المقولة المأثورة للكاتبة والمفكرة الفرنسية Simon de Beauvoir ( تفكير المهزوم تفكير مأزوم ) فكم توالى الليل والنهار علينا ومضت سنوات طويلة وما زالت صورة وصفي التل لا تغادر عيون الاردنيين ، وما زالوا يستذكروه كل عام وكأنهم فقدوه اليوم فقد كان شخصية أردنية أسثنائية لم يشهد لها الأردن مثيل ، وكان مسكونًا بالهموم الوطنية ويفكر بصوت عال لا يجامل في قناعاته أحد، ولم تكن لديه منطقة رمادية بين الحقيقة والوهم فجرأته لفتت أنظار الراحل الكبير الحسين في مرحلة مبكرة من حياته السياسية ففي عهده وبأول حكومة له أجرى مصالحة وطنية كبرى بين المعارضة والحكم وأصدر عفوًا عن المعتقلين السياسين والمنفيين السياسين.

فالطعن والتحرش السياسي في سيرته من قبل البعض ما هو إلا نتاج فكر مهزوم ومأزوم فوصفي كان مشروع الدولة الوطنية ورمز القطاع العام ونهضة الريف والبادية والحفاظ على الارض الزراعية وكان من داعمي التعليم المجاني ودعم سلع الفقراء.

إلى جانب كل ذلك كان يهتم بالثقافة والهوية الاردنية والأغنية الوطنية ففي مطلع ستينات القرن الفائت قام هو والمشير حابس المجالي والشاعر الوطني الكبير حسني فريز بأعداد كلمات لتكون أغنية وطنية أردنية ( تخسى يا كوبان ما انت ولف لي ، ولفي شاري الموت لابس عسكري ٠٠٠٠الخ ) فمن شدة اهتمام وصفي بتلحين تلك الكلمات أرسل دورية شرطة للبحث عن الموسيقار الكبير جميل العاص حيث وجدوه بجبل الحسين يأكل البوظة فعندما دخل رئاسة الوزراء كان وصفي في استقباله وادخله احد المكاتب وطلب منه عدم الخروج حتى ينتهي من تلحين تلك الكلمات وأخذ مفتاح الغرفة في جيبه.

وقد كان لوصفي كثيراً من الأصدقاء من الفلاحين والبدو وأصحاب الدكاكين يجلس عندهم ويجادلهم في الشؤون العامة وفي حراثة الارض وتقنيب الزيتون وتربية الماشية وصناعة ألبانها وسمنتها وشنينتها فوصفي كانت ثروته هي خياله الوطني الذي أراد توظيفه لخدمة الأردن فقد غادر الدنيا مديوناً وترك ارث كبير أتعب من بعده.

فمن المستغرب والملفت للنظر أن نجد بعض السياسين عندما يكبر يصبحُ هائماً ولا يفهم ما يدور حوله بل تُسيره الخبائث والظنون فيستسلم لقوى الشر التي تريد أن تصنع الفتن والأزمات فكلنا نعلم أن الانسان عندما يكبر يزداد حكمة وعقلانية في توخي الحكم على كثير من الأمور دون استعجال خوفاً من ان يتحول كلامه إلى كلام مبعثر ومشتت ليغرد خارج السرب.

فأصعب ما يواجهه السياسين الذين يمرون بظروف أستثنائية صعبة كالتقدم بالسن هو التفكير المهزوم والذي ينشأ نتيجة ارتباك المشهد أمامه ، فيجد عقله خارج التغطية فالخطأ الكبير لهذا النوع من التفكير أنه ضعيف الذاكرة ومسموم الخيال ، ويتجاهل العلاقة بين الماضي والحاضر وأسير حالة من الخيال المتصلب وقاصر في البحث المعمق في الماضي ويقفز فوق الواقع فالاردنيين يعرفون جيدا أن ليس لكل الأشخاص تاريخ يستحق الذكر ، وان الأجسام المغمورة بالمياه حتى بعد أن تطفوا إلى السطح تكون فاقدة للوزن ولا قيمة لها.

كاتب ونائب اردني سابق

Print Friendly, PDF & Email

8 تعليقات

  1. الأخوة المعلقين (فلسطيني اردني وافتخر) و Al-mugtareb
    في العديد من التعليقات التي أدليت بها على مقالات سابقة في هذه الصحيفة الموقرة امتدحت مساحة الحرية التي يتمتع بها الأردنيون ولكن يجب ألا نمجد الماضي وأشخاصه دون أن ننتقص من عيوبه التي لا زلنا نعيش تبعاتها حتى اليوم وما ‘صفقة القرن’ إلا نتيجة لعدم احترام الآخرين لنا.

  2. ظني أن الكاتب المحترم يقصد في مقاله هذا عندما يقول (من المستغرب والملفت للنظر أن نجد بعض السياسين عندما يكبر يصبحُ هائماً ولا يفهم ما يدور حوله بل تُسيره الخبائث والظنون فيستسلم لقوى الشر التي تريد أن تصنع الفتن والأزمات فكلنا نعلم أن الانسان عندما يكبر يزداد حكمة وعقلانية في توخي الحكم على كثير من الأمور دون استعجال خوفاً من ان يتحول كلامه إلى كلام مبعثر ومشتت ليغرد خارج السرب )
    يقصد به العجوز نذير رشيد ولقائه الأخير مع وكالة عمون

  3. Honestly I tried to figure out what this article is up to and all about….Wasfi Al-Tal passed away and he is with his God….let/s discuss the ongoing threats that face Jordan with open eyes and avoid mentioning the dark days that were resulted from “Black September”….

  4. .
    الفاضل Omar A-Safadi
    .
    — سيدي، لم تكن أصلا معركه مع الفلسطينيين ليقول الحسين طيب الله ثراه ” ادمينا أنوفهم ” ويقصد الفلسطينيون ، كانت أيلول معركه مع التنظيمات المدعومه أمريكيا وسعوديا وناصريا لاستبدال فلسطين باقامه الوطن البديل بالاردن ( جماعه اوسلوا لاحقا لتحقيق ذات الهدف ) وتصدى لهم الشرفاء من اردنيين وفلسطينيين بما في ذلك التنظيمات الفلسطينيه غير المنغمسه بالمؤامرة و جميع عشائر بئر السبع الفلسطينيه الأبيه التي تعيش على تراب الاردن وتعرف معاني الوفاء .
    .
    لكم الاحترام والتقدير .
    .
    .

  5. في البداية اسمحوا لي أن اشارككم الرأي في الاعجاب بشخصية وصفي التل كرجل دولة من الطراز الأول …فهذه أرضية مشتركة للبدء في التعليق على المقال .
    ومن ثم اسمحوا لي أن أبدي بعض التعليق المحايد على المقال والأخوة المعلقين …تعليقي على المقال هو رفضي وتحفظي على جملة قابع في قبره …والمفروض أن هذه الكلمة تطلق على السجناء غالبا القابعين في السجون …والافضل لو قال كاتب المقال ..مسجى في قبره ..هذه وجهة نظري ….
    أما بالنسبة المعلقين الاخوة بدوي فلاح والاخ عمر الصفدي
    ….فعتبي على تعليقهم أن يعرفوا أن زوجة وصفي التل فلسطينية من القدس جمعها مع وصفي الحب والاحترام وطيب الأصل …وان وصفي لم يكن أبدا عنصريا ولا فءويا ولا إقليمي …إنما كان انسان مسلم عربي اردني فلسطيني مخلص لقضايا أمته …وان اصول ال التل الكرام هي من عكا من ذرية الأمير الفلسطيني ظاهر العمر الزبداني كما روت أحد المراجع التاريخية في الانساب …
    إن فلسطين والقدس والفلسطينيين هي عناصر خط الدفاع الأول عن الأمة العربية والإسلامية وعن الاردن على وجه الخصوص …فلولا ثبات أهل فلسطين طيلة المءة عام الماضية لكانت إسرائيل الكبرى أمر واقع منذ عشرات السنين ….ارجوكم …اذا بتحبوا الاردن أن لا وتحدثوا بلسان الفءوية والإقليمية …كذلك إذا كنتم تحبون فلسطين والاقصى …لا تتحدثوا بنفس اللسان …ليس هناك نسب ولا جاه بعد بني هاشم …وليس هناك منزلة كمنزلة محمد صلى الله عليه وسلم ….الاردن والأردنيين وفلسطين والفلسطينيين كلهم إخوة وعمومة وخؤولة ويد واحدة وقلب واحد …فلا تذكروا ايلول وتنسوا الكرامة …ولا تذكروا ايلول وتنسوا شهداء العروبة والإسلام من الأردنيين على تراب فلسطين …في معارك اللطرون وباب الواد وأسوار القدس …وصفي كان يجمع ولا يفرق ….ولولا لعبة الأمم وجهلة الماركسية والشيوعية لما استطاع الأعداء أن يغرزوا اسافينهم بين الفداءيين الابطال والشعب الاردني البطل ….ودمتم

  6. كل إنجازات وصفي هو أنه انخرط في المخطط الأمريكي الإسرائيلي و أنهى الوجود الفلسطيني المسلح في الأردن و بموافقة و باتفاق مع ابو عمار و الجامعه العربيه . أما غير هيك أين إنجازات الرجل كله كلام في كلام سنعمل و سوف و سيكون …. الخ ولكن على أرض الواقع لا شيء أما انه قعد مع الفلاحين و أصحاب الدكاكين و البدو فهذه تدل على أخلاقه العاليه . و كما يقال عند بعض الشعوب حسن الأخلاق و طيبة الرجل ليست مهنه .
    و الله اللي بسمع رؤساء الحكومات شو يحكوا بقولك راح نصير غير شكل و من يومها لليوم ما صرنا بس صابرين

  7. الأستاذ سليم البطاينة
    في خضم معارك أيلول كان الملك حسين يتفاخر على شبكة الإذاعة الخاصة للهواة (قبل الإنترنت) بأنه أعطى الفلسطينيين أنفًا دمويًا We gave them a bloody nose كما قالها باللغة الإنجليزية .
    كان معظم المشتركين في هذه الشبكة من الأوروبيين والأمريكيين حيث كان مسموحا لها بالعمل في بلدانهم ولكن ليس في العالم العربي . فعلى الرغم من كل مشاكله في ذلك الوقت الحرج وجد الملك حسين راحة حقيقية في التحدث مع زملائه في الغرب بهذه الطريقة. وفي مثال آخر من عدم احترام الذات في تلك الفترة عندما انحنت زوجة وصفي التل على جسده في بهو الفندق و صرخت بأن العرب أبناء كلب كتعبيرعن أول ماتبادر إلى ذهنها. باختصار نحن لا نستحق احترام الشعوب إذا كنا لا نحترم أنفسنا

  8. ايام وصفي كان الاردن للأردنيين أما الآن الاردن صار مشاع لشتى الأصول و المنابت و من شتى الملل و النحل

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here