سليم البطاينة: مائة عام من عمر الدولة وما زال هناك من يؤرقه هوس الهوية؟

سليم البطاينة

يبدو أن هم الوطنية ووحدتها ونسيجها الإجتماعي يجتاحه ما نسميه هوس الهوية فهل بتنا نعاني من أزمة هوية والتعريف من جديد من هو الأردني ؟ وهل بعد مائة عام من عمر الدولة الأردنية مطلوب إعادة بناء الهوية الأردنية من جديد ؟ فأين تكمن اشكالية الهوية في الأردن ؟ فالهوية الوطنية الأردنية لطالما كانت قصة كبرى وقلق وطني يشغلنا جميعاً والحديث عنها قديم لكنه يتجدد أحياناً.

فسابقاً مرت الجغرافيا الأردنية والديموغرافيا بمراحل منحتها المرونة رغم دكتاتورية الإقليم المُحيط بِنَا …. والتاريخ شهد جذوراً عميقة لفكرة الأردن وهوياته المتعددة …. وخوفنا بات على الهوية من أن تتجزأ من هوية جامعة عامة إلى هويات فرعية تُصبح أقوى من الهوية الجامعة.

فالهوية تتغير أحياناً تبعاً لتحركات الخطوط المرسومة للحدود …. فعندما تضيع اتجاهات البوصلة يُصبح مصطلح الهوية مصطلحاً ملغوماً وغير مفهوم وتُصبح الوطنية اطاراً حاضناً فاسداً له رائحة كريهة …. فهناك بعضاً من الدول العربية فشلت في بناء هوية وطنية جامعة مما ساهم في بروز هويات فرعية … ففي العراق مثلاً انهارت الدولة وحل محلها المذهب والهويات الصغيرة بدلاً من الهوية الوطنية وعكس مصر فقد انهار النظام ولَم تنهار الهوية المصرية … فالأمم تنهار عندما تتخلل هويتها.

فحين تتصادم الهويات الفرعية تواجه الهوية الوطنية الكثير من المخاطر …. انقسام وصراع الهويات سيلحق أضراراً بالدولة والمجتمع.

فقد آن الأوان لمصطلح الهوية أن يقوم على أسس صحيحة وأن يتم تنظيف البيئة الوطنية الأردنية من عناصر الهدم داخلها وأن يتوقف التوظيف السياسي من قبل البعض لمسألة الهوية الوطنية ومحاولة احتكارها أو فرض الوصاية عليها …. فقد شاهدنا في الآونة الأخيرة أن هناك توظيف سياسي لأصحاب أيدلوجيات فرانكوفونية تحاول خلق شرخ داخل النسيج المجتمعي الأردني الذي حافظ على استقراره وتماسكه طيلة عقود مضت.

فليس مقبولاً أن تميع المصطلحات ولا أن تفقد اللغة معانيها …. هذا إذا أردنا بناء دولة أردنية حديثة على أساس تجاوز كل الهويات الأخرى …. فالعلاقة بين الفرد والدولة تقوم على أساس الهوية الإنسانية ومبدأ المواطنة …. ففي حال انعدام شعور الفرد بهويته يتولد لديه أزمة وعي Warner’s Crisis.

فالدولة أيضاً تحمل هوية وأدواراً لهذه الهوية والتي تتحدد عبر مجتمعاتها القائمة على اقليم جغرافي …. وهذا ما حدث عند بداية تأسيس الدولة الأردنية عام ١٩٢١ عندما قام كيان الدولة السياسي والإجتماعي حينها على ركنين أساسين هما الإنفتاح والتعددية.

فكانت نسيج فسيفسائي متنوع من مسيحيين وشركس وشيشان وشوام وأرمن وأكراد ودروز وبعدها بسنوات وبعد النكبة جاءت الثنائية الكبيرة وهم الفلسطينيين …. فكلها اندمجت في بوتقة واحدة بلورت الهوية الأردنية وأضفت نوعاً كبيراً من الهوية على المجتمع.

فذلك التنوع كان من نتائج وقائع تاريخية لا يمكن إلغاءها وليس بمقدور أي نظام أو سلطة أن تُلغي وجود التنوع في المجتمع الذي تحكمه.

فبعد مرور مائة عام من عمر الدولة فما زال لدى البعض وللأسف غموض وشعور مرتبك حول الهوية الوطنية وهوسها …. وتجاوز كل الحواجز والممنوعات وحاول العبث بالوحدة الوطنية ونسيجها الإجتماعي …. فأي مساس بالوحدة الوطنية وهويتها من شأنه تقويض السلم الأهلي وتراجع عملية التنمية السياسية وتهديد وخطراً على بنية الدولة وبقائها.

فالدولة ومؤسساتها هي جزء لا يتجزء من تلك المشكلة فهي لم تعمل في إنتاج وخلق أنماط فكرية جامعة لقيم المجتمع الأردني مستقاة من خصوصياته ممثلة لمتطلبات أفراده فبعد مائة عام ولا زلنا نفتقد غياب استراتيجيات فعلية لتنظيم المجتمع ؟ فمسألة الهوية لا بد لها أن تكون في قمة الهرم ولا بد من إحاطتها بما أمكن من اهتمام …. فوظيفة الدولة هي تنظيم المجتمع وليس ضبط المجتمع.

نائب اردني سابق

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. تحية للكاتب الفاضل ، سيدي ما ورد في مقالك لامس بشكل عام توصيف الأزمة الخفية الظاهرة أبدا في الأردن ، ولم تتحدث أو تشر إلى مفاصل الخل ! . الموضوع شائك نعم ولكنه يحتاج الى المزيد من الشجاعة لمن يريد الأمن والرفعة لهذا ” المجتمع”
    دمت بخير

  2. مقال رائع ومن كاتب حر أروع نتمنى من المأزومين ان يقرأوه هذا المقال الرائع لعل وعسى يعلموا ان الوطن يتسع للجميع ولا داعي لتمزيقه وتسطيحه وتقسيمه لاجل نعرات بغيضة تاكل الاخضر واليابس وتوقف قطار نهضتها وازدهارها

  3. .
    — المشروع الصهيوني كما اسسه الغرب لتسخير العرب واليهود في صراع لا ينتهي لخدمته له عده اركان اهمها اثنان ،،، الاول ان تبقى اسرائيل كيانا لا يرقى لمستوى الدوله،،، والثاني ان يحول الاردن لساحة لا ترقى لمستوى الكيان .
    .
    — لذلك جُرد الاردن من تاريخه الزاخر لاثنا عشر الف عام وتم تهميشه تدوينا وسردا واثارا وكانه ارضا قاحله قبل تاسيس المملكه الهاشميه من مائه عام كما حُرم الاردن الحديث من التكوين التراكمي لكل ما يقام عليه من مشاريع فما ان ينضج اي منها حتى تختلق له العقبات لاحباطه ليبقى الاردن الحديث خيمه بلا اوتاد وهذا ما انعكس على اهله ويشعرهم بقلق دائم مشروع على مستقبلهم .
    .
    .
    .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here