سليم البطاينة: لا نَكْتُبُ بالحِبْرِ السّرّي

سليم البطاينة

لا أُريد هنا مقارنة وضعنا المُزري الحالي ، ولا إثارة الحنين إلى ماضي انتهى بنوع من النوستالجيا فللعَقل قدرات محدودة على استيعاب كل ما يحدث وما نسمعه ؟ فقد ضاقت صدورنا وفقدنا الحيرة والقدرة على الاندهاش ، فلن نَخجل من البَوْح أو الكتابة فنحن لا نكتب بالحبر السري ولا نعمل تحت الأرض فكلامنا واضح وعناوينُنا مكشوفة فنحن نكتب لأنّنا نُحب الأردن ونغار عليه وعلى سمعته ونخاف على ثرواته.

فالنقد والاختلاف وثيقة الصّلة بحرّيَّة التعبير والنقد الفكري والسياسي فالالتزام بالحق في النقد يكشف أن هناك عقل منفتح، فإشاعة فوضى المعايير تُحَوِّل النقد والخلاف إلى حرب نتائجها الجهة الأقوى علماً بأن قضية الجراءة في الانتقاد هي ميزة استثنائية فالاردنيون ومنذ سنين طويلة لم يروا بصيص نور شمعة صغيرة ، فقد ضاقت بهم الأمور ونفذ صبرهم وطاقة تحملهم و تعِبوا من شدّة الركض وأصابهم الاحباط وباتوا يشعرون بالتّيه فهناك من يكذب عليهم.

فلا يمكن إلغاء الأحداث التي مرّت على الأردن خلال عقدين من الزمن من ذاكرة التاريخ ولا بد من تدوينها كما هي دون زيادة أو نقصان ، ويجب أن يُترك للقارىء حرية تكوين تحليله الخاص ورؤيته للأسباب الحقيقية لكل حدث ، فلكل واحد قراءتهُ الخاصة للأحداث ، وكل واحد ينظر من منظارِه ومن موقعه على ما حدث فكفانا وضع الرأس في الرمل كما تفعل النعامة ؟ فالديموقراطية في الأردن كذبة والحرية مزحة وحقوق الانسان سراب فمنذُ سنوات طويلة وإلى الآن لم يتذوق الاردنيين شعورهم بالطمأنينة أو التفاؤل بالسير نحو المستقبل.

فالفرق بين الغباء والعبقرية هو ان العبقرية لها حدود ، والغباء لا سقف له والناس لم تعد تنطلي عليهم الحيل الساذجة ، فالبعض من الذين يكتبون هذه الأيام يلوّنون السماء والأرض ويلوّنون الأمنيات التي تصعد بينهما ، ويزيّنون الوطن بنشرات الأخبار ، ولا يهمهم نوع الألوان المستخدمة هل هي صالحة للتلوين أم هي ألوان للدعاية و التطبيل.

فبات هذا الزمن هو زمن التهاوي والانحطاط فكل يوم يتحدثوننا عن النهضة والتفاؤل فماذا أطعمنا هذا التفاؤل غير القهر والظلم والجوع ، فالشعب الاردني وللأسف سريع النسيان ويقبل أن يُلدغ من جحره مرّات ومرّات فقد نُحِرَ مرات كثيرة.

وكبرنا وكبر العجز والانتظار وتخطانا الزمن وضاق بنا المكان ؟ وأختنقنا ونحن نُحاول في كل مرة ان نمسك بأطراف الوطن ؟ فبتنا نبحث عن وطن لا يتسلّط فيه متنفذ أو قريب أو نسيب على ثروات البلاد  وطناً تُقْطَعُ أيادي التسلل تحت أستار الظلام لا نشكو فيه من ظلم أو جوع وننام فيه على طمأنينة، وطن صلب الأساس متماسك البنيان لا قيد فيه على قلوبنا ولا خوف من أقوالنا.

فالهوية أصبحت ضائعة والوطن مسلوب والنَّاس تبحث عن مَوْطِن يكثرث لهم و لأحوالهم ، ولم يعد يهمهم اسمه أو مساحته ولا بيرَقّه ولا هويته ولا حدوده ولا حتى طيفه الترددي فالوطن أصبح بنظرهم ليس الجغرافيا فوطنهم تم وضعه في مسرحيات وتمثيليات و تم اختطافه و دهسه تحت عجلات مركباتهم وباعوه بثمن بخس.

فلا تجعلوا الاردنيين يهجروا مواقعهم إلى السيرفرات الخارجية واجعلوا الأقلام سلاح للدفاع عن الأردن ، وامنحوا الكلمات لتكون رصاصات تدافع عن الوطن فهناك داخل الدولة من يريد إبقاء الشعور بالعجز مستمر فالتكميم لن يفيد الوطن ، فالجندي دون سلاح وخوذة لن يستطيع ان يدافع عن بلده فأجمَلُ فجرٍ هو الذي يأتي بعد ليل حالك ،عندها سنكون بضعفنا أقوى و بفقرنا أغنى.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here