سليم البطاينة: ثنائية الخوف من الدولة والخوف عليها

سليم البطاينة

على ما يبدو أننا أمام تجريد شامل من كل مضمون إيجابي شاهدناه سابقًا وهو حرية الرأي فالقبول الشعبي لأية دولة يتسندُ إلى ضمانات الحقوق والحريات العامة والتي تُقر دستوريًا وتُفعل سياسياً واجتماعياً واقتصادياً والهدف منها تحسين الأوضاع المعيشية للناس وارتفاع منسوب خدمات التعليم والصحة والنقل وإدارة النفايات الخ ، فلا يُمكن ان يُخطىء المرء ملاحظة التذبذبات النفسية التي يمُر بها الاردنيين طيلة السنوات السابقة ، فأحيانا ترتفع حدتها وأحياناً أخرى تُخمد فقد تحول الخوف من الدولة إلى الخوف عليها.

فحين يعمُ الخوف ينسحبُ من الفضاء العام العالم والمُبدع والفنان والأديب والكاتب والنُخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية ويترك الفضاء فسيحاً لضجيج فارغ المضمون حينها يرتفع منسوب الكراهية والتشويه ، وتُوضع النزعة الإنسانية إجباريا خارج الخدمة.

فتسفيه السياسة يُورط الدولة في رفض التداول الحر للحقائق والمعلومات ، ويُحيل المواطن الى خانات التبعية والانتظار وتشويه الوعي الجماعي للمواطنين فالخبرة التاريخية والمعاصرة لأنماط الحكم المستبدة ثبت عجزها عن تحقيق التنمية المستدامة على نحو مستقر وتُزج الدول والمجتمعات إلى آتون ازمات أقتصادية واجتماعية وسياسية لا تنتهي.

فالفيلسوف البريطاني Thomas Hobbes ( ١٥٨٨-١٦٧٩) يرى أن الأمن هو الأساس المتين لبناء الدولة ، فالجميعُ بحاجة إلى سلطة حاكمة تفرضُ القوانين وتُلزم الناس بالتقيد بها من خلال إطار اخلاقي يُحقق العدالة والمساواة بين الناس دون اللجوء إلى الحقد والكراهية فالسلطة يمكنها أن توفر الأمن وتنزع الخوف ( انتهى الأقتباس) فبيدينا أن نجعل الأمن سُلماً نصعد به للاستقرار والاطمئنان ، لا ان نجعله وسيلة للخوف والخضوع فالناس الأن تعيشُ حالة من الخوف وغموض الرؤية وعدم اليقين وانسداد الآفاق وهي ردود فعل على هموم الجمود التنموي فالاردنيين مثلهم مثلُ أي شعب من شعوب العالم يودون أن يعيشوا في بلد آمن وان لا تكون حياتهم على شظف العيش والرعب من المستقبل فالدولة ليست النظام فهي الارض والشعب والسلطة فسقوط الدولة معناه سقوط الثلاثة معاً.

فالخوف على الدولة ليس فقط في مراجعة التهديدات والأخطار الخارجية إنما بمواجهة الفشل الداخلي المتراكم منذ عقدين من الزمن فنحنُ لا نبحثُ عن دولة تُلغي وجودنا كمواطنين بل دولة قوية تُحقق العدل المستمد من سيادة القانون وتصون كرامة الناس دولة تتوازنُ مؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية ، فلا يُماري عاقل في الاْردن بأن تكون دولته قوية وصلبة فلسنا بحاجة لأستعداء نماذج كارثية أدت لانهيار الدول ؟ فهل هناك أصواتًا داخل الاْردن تعطي الناس الأمل وعدم الخوف من المستقبل ؟

كاتب ونائب اردني سابق

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here