سليم البطاينة: الاردن: مَحطّةُ ما قبلَ الهاوية

سليم البطاينة

إن أصعب ما يمكن أن يواجه أيّة حكومة هو غياب بدائل تختار من بينها الأفضل ، وتبتعد قدر الإمكان عن الأسوء ، و أن لا تفقد الحيلة فالأكثر صعوبة والأشد سوءاً هو أن يراك المفاوض الآخر وقد أصبح ظهرك للحيط ولا مفر لك من القبول بشروطه.

فما الذي حل بنا منذُ سنوات طويلة ؟ ولماذا انتظرنا حتى لم يعد أمامنا سوى اللّجوء لصندوق النقد الدولي فهذه للأسف هي الصورة الحقيقية لوضعنا مع صندوق النقد الدولي والذي تُسوّقه الحكومة على أنّه طوق نجاة وحيد لا مفر منه ، وعلى طريقة الدواء المر كالعلقم ؟ فما هو مطروح قائم على الرهان على مشاريع سياسية تُصاحبها انفراجات اقتصادية فتلك الأسئلة لا بد من تقديم اجابات شافية حولها ومقنعة للرّأي العام وللشارع الاردني ومن أوصلنا الى ما نحن به الان ؟ فالأجيال القادمة لا ناقة لهم فيها ولا جمل فالمُتَتَبّع لمسار إدارة الدولة وتعاملها مع القضايا المهمة يؤلمه الحال التي وصلنا لها من الضعف والتفكك وفقدان التوازن ؟ فعلى ما يبدو فإن هناك تكلّس ضرب الفكر السياسي والاقتصادي الأردني فكفانا تصريحات ووعود ولجان فالأمر بات أشبه بالقدر الذي لا مفر منه ولا يمكن دفعه فالشفافية والصدق والصراحة هي الثلاثية التي يجب أن تتعامل بها الدولة مع شعبها فالتفاؤل المفرط من هذه الحكومة بإمكانية قيام قطاعات اقتصادية مثل الاقتصاد الرقمي والريادة لخلق فرص عمل وتنمية الاقتصاد هو ضربٌ من الخيال.

فعلى مدارِ أشهر وأنا ابحث عن نموذج لأيّة دولة لجأت لصندوق النقد الدولي أو اتّبعت سياساته ونجحت في الخروج من ازماتها سالمة أو حتى تمكنت من التقدم ولو لخطوات ملحوظة لكني حقيقة فشلت ووجدت نماذج محزنة وصارخة لدول دفعها الصندوق نحو الهاوية فمثلاً نأخذ تجربة الإكوادور والتي رواها الخبير الامريكي والاقتصادي العالمي John Perkins صاحب كتاب ( الاغتيال الاقتصادي للأمم Confession Of an economic hit man ، حيث اعترف في كتابه بالصفحة رقم ٢٣ كيف تم نهب الدول عن طريق قروض الصندوق وكانت الإكوادور إحداهم.

فتدمير صندوق النقد الدولي لإقتصاد الدول النامية ليس محض خرافات بل هو قديم وجديد ومستمر خصوصًا عند الدول التي عاث بها الفساد والنهب فعالِم الاقتصاد الكندي Michel Chossudovsky أكّد أن صندوق النقد الدولي يمكن ان يترك الدول أفقر مما كانت عليه من قبل ومع ديون أكبر ومجموعة حاكمة أكثر ثراءًا.

فقرصنة الاقتصاد التي تَحَدّث عنها Perkins في كتابه ( الاغتيال الإقتصادي للأمم ) تعتمدُ في الأساس على مَنح القروض للدول بهدف تنمية البنى التّحتية وإنشاء مشاريع تنمويّة مثل ( بناء محطات توليد الكهرباء ، وتحلية المياه ومد الطرق وإنشاء الجسور و الموانىء و المطارات و السكك الحديدية و المناطق الصناعية ) فأبعاد ذلك الموضوع السياسية واسعة جداً وتحتاج الى الكثير من الوقت لسردها ؟ فشُروط الصندوق عادة ما تنتهي بالدول الى الهاوية ، فكلما كانت القروض كبيرة وعجزت الدولة عن تسديدها كلما كان هناك ضمانة لمزيد من النهب والسلب والفوائد.

فهناك دول تمكنت من الفرار من هاوية الصندوق والنجاة من سياساته ولعلّ تركيا وماليزيا وبولندا من أبرز هذه النماذج ولم تستمر بالإقتراض وخرجت من مأزقها الاقتصادي وتعاملت مع القروض على أنها وسيلة لدفع الاقتصاد الى الأمام وليس الوسيلة الوحيدة لرفع معدل النمو الاقتصادي.

فجميع قروض الصندوق تُسبب أزمات وتوسع الفجوة بين طبقات المجتمع فاللأسف فمع جميع تلك الشواهد والمعطيات ما زالت الدولة الاردنية تصرُ على الاستمرار في خوض التجارب المريرة مع الصندوق رغم ان المؤشرات تقول انها خطوة لا تتعدى كونها محطة ما قبل الهاوية، طوق النجاة للأنظمة السياسية هو قدرتها على صياغةِ مفهومٍ حقيقيٍ وواضح للتغير.

نائب اردني سابق

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. سيدي اذا تفحصت وجوه وتاريخ رؤساء السلطات الثلاث في البلد وما سبقهم الا ما رحم الله وبرعايه ودعم من القصر وأدواته نتعرف على السبب لا يسمح النظام الا للفاسدين والًرخيصين اعتقد ان المؤامره على العائلة الهاشميه والأردن وصلت الى درجه متقدمه وغياب الثقه الحاصل اليوم بين المواطن ان كان هناك مواطن فهم سكان اكثر من نصفهم يرغب بالهجره مقدمات لتغيير الحاله بما يخدم المشروع الصهيوني ولا حل الا محور المقاومه

  2. البنك الدولي هو أحد وأهم مخالب الرأسمالية انه يطحن الشعوب التي تحاول أن تتغلب على مشاكلها الاقتصادية دون اللجوء الاستدامة وما يترتب عليها من فوائد
    ولا مساعدة دون شروطا سياسية وكل الذين يوقعون اي اتفاق مع البنك الدولي يتقاضون عمولة تنساب في الحساب الخاص لصاحب التوقيع
    لقد تم إنشاء الصندوق الدولي بعد الحرب العالمية الثانية وذلك للسيطرة على اقتصاديات دول ما بعد الحرب بعد أن بهرتهم تجربة هتلر حيث انه حل مشكلة البطالة وقام بمشاريع والصناعة عسكرية دون الاستدانة اي حقق استقلالها سياسيا واقتصاديا
    وليس ببعيد اعدموا شاوسكوا حيث ان رومانيا لم تكن مدينة لهم ولو بدولار
    ثم القذافي حيث حقق نجاحا باهرا في مشروع الدينار الإفريقي الذي لو كتب له النجاح لكان منافسا قويا للدولار

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here