سليم البطاينة: الاردن: كثيرٌ من الرّجال وقليلٌ من الحُكماء والعُقلاء.. فغياب الحُكماء يولّدُ الأزمات

سليم البطاينة

قبل أيام قمت بزيارة خاطفة لمنزل الأخ والصديق الوفي معالي قفطان المجالي وزير الداخلية الأسبق …. وبعد انتهاء مراسم الإستقبال والترحيب وشرب القهوة السادة الكركية بادرته بسؤال كيف شايف الوضع وإلى أين نحن ذاهبون ؟ والمشهد مُقلق ولسنا في حاجة إلى شرب حليب السباع كي نقول أننا بأحسن حال مطمئنين على قادم الأيام …. فكارثة كبرى أن يكون اليوم والغد كما كان في الأمس فالأردنيين بداخلهم أحلام مُرتبطة بطموحاتهم.

فبادرني أبا فراس بالقول أينما تذهب ترى اليأس في وجوه الناس وتسمع منهم كلمة الإحباط والكُل يسأل في أي اتجاه نحن سائرون ؟ فالإحباط أفرز حالة من القلق والفوضى في حياة الناس وعمل على تعميق شعور الناس بفقدان العدالة الإجتماعية إضافة إلى قضايا الفقر والبطالة …. فالوعود من قبل الحكومات المتعاقبة كثيرة لكن للأسف دون نتائج.

فهناك حقيقة لا يستطيع أحداً انكارها وهي عندما تتحقق العدالة الإجتماعية تنهض الدولة ويُحصن المجتمع من الإنفجار …. فالعدالة لها علاقة وثيقة بالإنتماء …. والأزمات حدث ولا حرج وهي نتاج سياسات حكومية فاشلة.

فلدينا الكثير من الرجال وبنفس الوقت نفتقرُ  إلى الحُكماء والعقلاء …. ودعني هنا أسرد لك قصص يعود تاريخُها إلى تسعينات القرن الماضي عندما كنت محافظاً لمحافظة اربد وقتها كان وزير الداخلية معالي نايف القاضي وحدثت مشكلة وفتنة كبرى في إحدى مدن الجنوب السياحية قُتل على أثرها اثنين من المواطنين خلال اشتباك مسلح مع القوات الأمنية بسب عقارات مبنية على أرض الدولة.

فلحظة وقوع الحادثة تحرك الوزير القاضي إلى قلب الحدث والتقى الناس وجلس معهم وحاورهم ونزع فتيل القنبلة واحتوى المشكلة عن ذرّة أبيها وقام بتصفية الأجواء.

وهذا الفعل لم يأتي من خلال قوة الوزير القاضي بصفته وزيرا للداخلية ويملك الكثير من أدوات القوة بل بمدى احترام الناس لنايف القاضي وثقتهم فيه ولهيبته وهيبة الدولة حينها.

وهناك قصص أخرى مشابهة ففي عام ٢٠٠١ كنت أميناً عاماً لوزارة الداخلية وكان وزير الداخلية حينها معالي الدكتور عوَض خليفات وحدثت مشكلة كبرى في مدينة العقبة من حالات شغب غادر على أثرها الوزير خليفات عمان إلى العقبة ومعه مدير الأمن العام ظاهر الفواز وتم الجلوس مع الناس ومحاورتهم وتفهمهم لمشكلتهم التي تم حلها فوراً.

وهذا يؤكد أن وجود الوزير والمسؤول بقلب الحدث ومع الناس له أثر كبير في حفظ هيبة الدولة وكرامة المواطنين وتصفية واحتواء الأزمات أينما كانت وتحقيق العدالة الإجتماعية للجميع.

فالقصص كثيرة لوزراء ومسؤولين أحبهم الناس ووثقوا بهم ولطالما نزعوا فتيل أزمات كثيرة مرت على الأردن أمثال  طارق علاء الدين و زيد بن شاكر و فتحي أبو طالب و رجائي الدجاني والدكتور عارف البطاينة وسالم مساعدة ومروان الحمود وعوني المصري ومحمد عضوب الزبن وعبد الرزاق النسور  وعلي سحيمات والكثير من أنماط تلك القامات التي لم تسعفني الذاكرة حالياً على ذكرهم.

فجميعهم عُرف عنهم صلابتهم التي مهّدت لهم سُبل تخطي العقبات والعراقيل بعزيمة لا تتزعزع وهمة لا تفتر وكان لديهم سعة أفق وحنكة وفطنة وحسن إدارة وصدق …. ورؤية واسعة الأفق بعيدة المدى لمصالح الأردن فقد كانوا يملكون من الحكمة ما يؤهلهم لإدارة دفة الأمور من خلال رجاحة العقل وصواب القرار بحيث جعلوا من الدولة مرجعية للسلوك.

ولَم يسلكوا طُرقاً معوجّة ولَم تكن لديهم علاقة في التجارة والبيزنس والكُميشن …. فقد كانوا علامة فارقة في تاريخ الأردن.

وتلك الشخصيات لن تتكرر حيث اجتمعت فيها القناعة وارتبطت بالناس بالزمان والمكان.

فالأوضاع المُتردية تُفرز نتيجة يقينية هي أفتقادُنا لصنف نادر من هؤلاء الرجال …. فمن أكبر مصائب الدولة الأردنية كانت عندما انخرط الغالبية في التجارة هم وأبنائهم وأصهارهم وقتها تم وأد الرجال والحكماء والعقلاء وبدأ التصحر الرجولي.

وسائل أن يسأل كيف غاب هذا النوع من الرجال ؟ وهل غُيّبوا أم تغيّبوا ؟ أم تغايبوا ؟ فقد لا يعلم البعض أن أحد أسباب تدهور حالنا اليوم هو غياب الحكمة …. ففي الوقت الذي يكثر فيه العقلاء والحكماء نستطيع تفادي أكثر الازمات التي تعصفُ بنا …. فليس كل من اشتغل بالسياسة هو حكيم.

فكل ما يدور حولنا يسحبُنا إلى الأسفل فلا يجب أن نُضيّع المزيد من الوقت الضائع أصلاً في الفعل وردّة الفعل فالبلاد بحاجة إلى عقلاء وحكماء يقرّبون وجهات النظر ويبدّدون السُّحب …. فلا بد من موازنة الأحكام عند التصدي لقضايا تمسُّ نبض الشارع.

فنحن للأسف في زمن فاض ماض قاموسه نفاق وكذب وخداع وكراهية بغضاء …. زمن كثر فيه الضجيج والعجيج …. زمن انقلبت فيه الموازين وبدا وجه الزمان حزيناً.

كاتب اردني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here