سليمان أمين: فساد الآثار والمتاحف ومحاولات التغطية عليه إعلامياً

 

سليمان أمين

لعّل بعض تراخيص العمل المخالفة للقانون والمعطاة من قبل مديرية الآثار والمتاحف إلى جهات أجنبية مسيئة، وبعض مصادقات تلك المديرية على مشاريع غربية انتهجت الإساءة إلى تراثنا السوري، هو خير مبرر لنا للاستمرار في كشف الخطأ والمطالبة بعلاجه واتخاذ خطوات تدارك من قبل الدولة، أبى رؤساء الحكومة ووزراء الثقافة وفريقهم المستمر في الآثار والمتاحف أن يتخذوها رغم معرفتهم بها , وهو موضوع يدعو إلى تصحيح نهج مديرية الآثار بما يضمن حماية معطياتنا الأثرية وصون خريطتنا الوطنية التاريخية مما تتعرض له من محاولات محوٍ وإزالة وحذف في إطار أخطر المخططات التي تسعى للنيل من مستقبل سورية الموحدة عبر النيْل من تاريخها وحقيقة جغرافيتها عبر العصور.

من هم المتضررون من الإصلاح الثقافي؟

ورغم أن الملف أُثير قبل الأزمة بسنوات، إلا أنه تعرض للإهمال والإغلاق مما يؤكد وجود أطراف متضررة من الإصلاح في الآثار والمتاحف، ولعل ما يثير السخرية في مطلع الأزمة أن إدارة الآثار , ورداً على كل النداءات بضرورة الإصلاح  كانت قد وقعت في مطلع شهر نيسان من عام 2012 مذكرة تفاهم مع التاجر الدمشقي راتب الشلاح(!!؟؟) بهدف (دعم وتطوير المتاحف الوطنية والمواقع الأثرية) !!! فبالله عليكم ما علاقة “شهبندر التجار” بالآثار والمتاحف السورية؟؟؟ في الوقت الذي تقتل فيه مديرية الآثار القدرات العلمية يومياً, ثم أين دعم وتطوير المتاحف الذي تحدثوا عنه؟ وما الغرض من لقاء مسؤولي الآثار بالمذكور أمام كاميرات الإعلام آنذاك؟

تاريخ الساحل السوري ضحية العمل الأجنبي وقد شهدنا بعد ذلك أخبار تكليف مدير الآثار الأسبق (بسام جاموس) من قبل وزيرة الثقافة (لبانة مشوح) بتوثيق تاريخ الساحل السوري وآثاره, وما لفت انتباهنا آنذاك هو حذف عصر الحديد من كل تاريخ الساحل السوري ضمن مشروع المدير المعزول، وعدم ذكره لمصطلح الحضارة الكنعانية الفينيقية كأهم حضارة ازدهرت في الساحل السوري, ولاحظنا أن المذكور قفز من عصر البرونز مباشرةً إلى الفترة الكلاسيكية, ويدفعنا ذلك إلى إبداء ما يلي: وهو أن المدير الأسبق مارس نفس منهجيته حين كان مديراً عاماً، وتتلخص هذه المنهجية في جزء منها بإقصاء فترات تاريخية وأثرية مهمة جداً من تاريخ الساحل السوري، وهو بذلك يحقق رغبة غربية عدوانية على الحضارة السورية ككل، كما نلاحظ أن المشروع يؤكد كذب المدير المعزول حين طبّل وزمّر كثيراً في وسائل الإعلام بأنه “وشركاءه” قد أنهوا توثيق الآثار السورية! وهنا نتساءل: هل يحق لوزارة أو وزيرة أو أشخاص طرح مشاريع من هذا النوع الذي يحذف عصوراً من تاريخ البلد؟  فمفردات المشروع المذكور تتلاقى مع أهداف مشاريع غربية تمت في الآثار والمتاحف السورية في السنوات الأخيرة دون أن يرف جفن لمسؤول ثقافي مالكٍ للقرار, هذا وقد تابع المدير العام الجديد آنذاك (مأمون عبد الكريم 2012-2017) سلسلة إقصاء بعض العصور السورية وأهم مدنها الكنعانية الفينيقية، بل وأهم مختصيها، دون أن يسأله شخص في الحكومة عما فعل!

محاولات لتشويش الإعلام والرأي العام

 يأتي برنامج “إلى حد ما” على الفضائية السورية مؤخراً ليطلق بعض الحلقات الخاصة بالآثار والهوية الوطنية، فيخرج به ضيوفُه عن موضوع الحلقة الأولى التي بُثت بتاريخ 21/5/2015، والتي تناولت الحقيقة بوضوح شديد ونادر، ويستضيف بتاريخ 10/3/2016 المرحوم الدكتور عفيف بهنسي المدير العام الأسبق للآثار والمتاحف في فترة الثمانينات، وقد طرح مذيع الحلقة على المرحوم السؤال التالي: “من يحدد مكانة وحجم سوريا، التاريخ أم الجغرافيا؟ وما هو دور علماء الآثار في تحديد الهوية السورية، وهل الآثار عنصر محايد بهذه الحرب الشرسة؟ إلا أن المرحوم كان قد تهرّب من الكثير من الأسئلة وبدا وكأنه يغطّي على خلفائه من نفس التيار الثقافي، وهنا نسأل:هل قرأ المرحوم كتاب “إكرمان-شوارتز” الخطير والصادر في نسخته الأولى –بترخيص مديرية الآثار- عام 2003 بعنوان (الآثار السورية من 16000 ق.م إلى 300 ق.م) ؟؟؟

نعتقد أن إجابات المرحوم كانت ستكون مختلفة حول حيادية الآثار في الحرب المعلنة وغير المعلنة على سوريا حيث استهدف الكتاب المذكور وحدة التاريخ السوري وأساء إلى الروابط والأدلّة الحضارية للسوريين القدماء بنَفَس تقسيمي تؤامري, ثم هل اطلع المرحوم على وثائق “ليون جيروم ليفي” الذي موّلت منظمته تنقيبات في سوريا حتى عام 2010؟ ففي حال اطلع المرحوم على تلك الوثائق فإن إجاباته ستكون حاسمة في الربط بين الجغرافيا والتاريخ..!! وبتاريخ 10/8/2017 استضاف برنامج “إلى حد ما” كلاً من محمود حمود مدير آثار ريف دمشق والذي أضحى مديراً عاماً للآثار بعد أقل من شهرين من الحلقة ومعه الفنان التشكيلي طلال معلا الذي كان يعمل في مجال المتاحف, وقد حملت الحلقة عنوان “اللغة والهوية” لكن الضيفين خرجا عن الموضوع خروجاً كاملاً ولم يقدّما معلومات مفيدة, بل سمعنا الكثير من الشعارات, كما أن الضيف “حمود” وصف دور “الآثار والمتاحف” بالتوعية وليس الترويج!  وما نعرفه أن لهذه المديرية مديرية تخطيط وعلاقات عامة ومكتب صحافي ومركز بحث وسلسلة قديمة جديدة من المشاريع الأجنبية، ومنها ما كان يدّعي الترويج للتراث السوري بأموال هائلة كمشروع تطوير السياحة الثقافية الممول بأربعة ملايين يورو دون نتائج تُذكر, ومن ناحية أخرى فلماذا لم تتطرّق الحلقة إلى الحرب على اللغة الآرامية كجزء هام من التراث الآرامي ومكونات الهوية في سورية والمنطقة؟! وللعلم فالآرامية ليست لغة منقرضة كما قال الضيف حمود، بل حية وتعرضت للكثير من التشويه الرسمي, وللعلم أيضاً، ليس للآرامية خصوصية دينية كما ادعى الضيف، بل حضارية.((والذي سنسرد لها مقالاً خاصاً في القادم من الأيام ))   وأخيراً وبتاريخ 8/3/2018 استضاف برنامج “إلى حد ما” مدير الآثار والمتاحف محمود حمود تحت عنوان “آثارنا هويتنا”، وفي تلك الحلقة التي أثارت استياء المختصين، تمت التغطية على كل المخالفات في الآثار والمتاحف، كما تهرّب الضيف من أهم الأسئلة التي وجهها له مذيع الحلقة بخصوص نشاط منظمة “ليفي” الصهيونية وكتاب ” إكرمان-شوارتز” المذكورين…

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here