سلام على ارواح زهور الموصل البريئة

سعد ناجي جواد

سلام عليك يا موصل الحبيبة، سلام عليك يا ام الربيعين وانت تتوشحين بالسواد مرة ثانية، سلام عليك وانت تزفين فلذات اكبادك الى جنان الخلد محتسبة صابرة راضية بقضاء الله وقدره. ان العين لتدمع والقلب يتوجع لما حل بك و بأهلك النجباء،  وعزائك الوحيد هو هذا الموقف الشعبي الجميل والمتضامن الذي وقفه معك كل أبناء العراق من شماله الى جنوبه، والذين اكتوا مثل ما اكتوى أبناءك بنار الاحتلال وكوارثه، وبإمعات وقتلة وفاقدي الغيرة الوطنية والشخصية ومجرمين بكل ما تحمل الكلمة من معاني. تاجروا ولا يزالون يتاجرون بدماء أبناء هذا البلد المنكوب بدون اي حياء وخجل. ولا ادل على ذلك من الصراع الذي يدور اليوم حول اختيار محافظ جديد للموصل يحاول فيه المتنافسون غير الشرفاء شراء المنصب بالسحت الحرام الذي جمعوه منذ بداية الاحتلال وحتى هذا اليوم، وبدون توقف او خجل. سلام عليك وانت تضربين المثل في الغيرة عندما واجه آبناءك من يعتبرون انفسهم (مسؤولين كبار) بالحجارة والاحذية، لان هذا هو ما يستحقونه. ربما يقول قائل وما ذنب هولاء في غرق عبارة في نهر دجلة، كما تحاول بعض الأصوات المتواطئة و غير الشريفة ان تقول، والجواب ان اي مسؤول حكومي يتحمل مسؤولية دماء الابرياء الذين راحوا ضحية الاهمال في مجال عمله لانه أهمل المراقبة ومتابعة القضايا التي تمس حياة الناس، وكل من وصل الى منصب دون استحقاق او كفاءة يجب ان يحاسب على أخطاءه. في كل دول العالم التي تمتلك احترام لنفسها ولشعبها يبادر الوزير والمسؤول الاول الى الاستقالة اذا ما حدث امرا تسبب في ضياع حياة شخص واحد، وحتى ان وقع هذا الخطا في أقصى ارجاء البلاد، الا في عراق اليوم حيث يصر الجميع على البقاء في مناصبهم رغم الكوارث التي تحصد ارواح الابرياء.

ما يحدث في الموصل اليوم هو نموذج مصغر لما يحدث في العراق، في البداية ورغم الكارثة حاول المحافظ ان ينأى بنفسه ويتوارى عن الأنظار، ثم يتظاهر بانه متضامن مع عوائل الضحايا، حيث يواجه برد فعل يستحقه عندما حاول الذهاب الى مكان الحادث، وعندما تمت مواجهته من قبل الجموع الغاضبة هرب بسيارته مسرعا بعد ان حاول، بل دهس بعض المحتجين، ثم بدا ينثر السحت الحرام على الفاسدين من امثاله في مجلس المحافظة لكي يجدوا له مخرجا قانونيا وإداريا لكي يهرب بما سرق من سحت حرام وبدون اي محاسبة، ولكي يفتح نفس المجلس باب المزايدات على المنصب مرة ثانية، حتى قيل ان السعر وصل الى اكثر من عشرة ملايين دولار يعرضها فاسد اخر لكي  يسطو على منصب المحافظ كي يبدأ سلسلة جديدة من النهب والسلب لاموال المحافظة ولاجئيها. عندما اثيرت الكثير من الامور حول فساد المحافظ الحالي نقل عنه انه قال بانه لا يأبه لما يقال عنه، وانه لا يوجد هناك من يستطيع ان يحاسبه لان شركاءه و داعميه هم من قادة الاحزاب الحاكمة وقادة فصائل الحشد الشعبي، وبالتالي فلا احد يجروء على اقالته او مقاضاته. تماما كما قال ويقول وزراء ومسؤولون كبار، سابقين وحاليين،  عندما تثار قضايا حول فسادهم. والملفت للنظر ان قادة الاحزاب او الفصائل لا يستنكرون هذا الادعاءات او يرفضونها او يطالبوا بمحاسبة من يدعيها وإحالتهم للمحاكم،  على الأقل بدعوى ادعاءات كاذبة، مما يؤكد صحة ما يدعيه هولاء الفاسدين. وحتى في مسالة العبارة المنكوبة فلقد قيل ان مالكها او مالك الشركة التي تمتلكها هو شريك او تابع لأحد فصائل الحشد الشعبي، ولم يبادر هذا الفصيل آلى تكذيب هذا القول او ان يتعهد بالمساهمة في تسليم هذا المالك للعدالة كي ببريء نفسه.

ان نكبة او نكبات العراقيين المستمرة منذ عام ٢٠٠٣ ولحد هذا اليوم ستستمر طالما بقي الفساد والفاسدين يهيمنان، وطالما وجِدَ هناك من يحمي هولاء الفاسدين وممارساتهم سواء من الداخل او من دول الاقليم او الخارج، وما لم يبادر العراقيون بنفسهم للانتفاض على هذا الواقع المزري و يرمون من تسلط على رقابهم بدعم من الولايات المتحدة وايران واسرائيل وبعض دول الخليج وتركيا في مزبلة التاريخ، وبعد ان يقام لهم المحاكم العادلة التي تقتص  منهم ومن ما ارتكبوه من جرائم تجاه العراق وشعبه، وان غدا لناظره لقريب ان شاء الله.

لشهداء الموصل الابرياء، بل ولكل شهداء العراق الذين ذهبوا ضحية جريمة الاحتلال التي ارتكبت في عام ٢٠٠٣، والتي تمر ذكراها المؤلمة السادسة عشرة هذه الأيام ، الرحمة،  ولذويهم الصبر والسلوان، و إنا لله وإنا اليه راجعون.

اكاديمي وكاتب عراقي

Print Friendly, PDF & Email

6 تعليقات

  1. عزيزي وأخي سعد
    شكراً على المقال الجميل.
    تعليقي هو أن ما يحزننا نحن أهل الموصل , هو أن الأذى و الإجحاف الذين يحلون بأهلها , هو من صنع أهلها الذين باعوا ضمائرهم الى قادة الأحزاب الفاسده والمتطرفه
    هذا ما يحزن أهل الموصل أشد الحزن

  2. كل الاحترام لك سيدي مواقفك وايمانك بعروبتك رغم مانواجهه من انحدار وتراجع الا انك مخلص لهذه العروبه شاهدتك منذ يومين علي قناة الميادين وآمنت ان هناك رجالا مؤمنين بامتهم ووطنهم تحياتي وتقديري

  3. ألأخ العزيز الدكتور سعد كلنا نعلم من هم اهل الموصل …..انهم ابطال اصلاء ومحبون باخلاص لارضهم المعطاء ,وسوف تعود االموصل العريقة بكل شئ الى سابق عهدها انشاء الله و تبقى شوكت في عيون الاعداء.

  4. كل العراق، بل كل الوطن العربي، يشارك الاستاذ الجليل سعد جواد بتقديم أسمى آيات التعازي الى أهالي موصل الحدباء على هذا الحدث الجلل. محافظة نينوى و سكانها النشاما، بعربها و أكرادها، بمسلميها و مسيحييها و إيزيديها، يستحقون كل خير لما قدموه للوطن من تضحيات جمة، الا انهم، ومع مزيد الأسف، قد قاسوا المر و اكثر، كل ما حل بهم من دمار و عذاب كان من الممكن تفاديه لو لم يبتلي العراق بزمر من الأرجاس تتحكم بمقدراته منذ 2003; زمر ظالمة ولاءها الوحيد للمال الحرام، ولكن عقابهم آتياً لا محالة، فكما قال تعالى: “سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون”. سورتان فقط في القران بدأت بالويل: “ويل للمطففين” و “ويل لكل همزة لمزة”؛ صفة المطففين تنطبق كلياً على الزمر التي نخرت العراق بالفساد و سرقت كرامته و ثروته بالخيانة والاحتيال، فالويل الويل لهم من عذاب الله و غضب الجماهير.

  5. عاشت ايدك أستاذنا الجليل. انت حقا مفخرة للعراق، ولنا نحن من تتلمذنا على يديك. بارك الله بك وبقلمك

  6. شكرا ًعزيزي الاخ سعد لقد وضعت كل النقاط على الحروف ونجحث من جديد بربط الفاجعة المؤلمة في الموصل المسكينة بالاحتال الانجلو امريكي
    مع الشكر والتقدير
    كمال

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here