سكان مصر الجديدة يستغيثون فهل من مغيث؟ عشرات الحوادث بعد توسيع شوارع الحي العريق و عدم وجود أماكن لعبور المشاة.. أبناء الحي يدقون ناقوس الخطر 

القاهرة – “رأي اليوم” – محمود القيعي:

قديما وحتى أيام معدوات، كان حي “مصر الجديدة” ملء السمع والبصر، ولطالما تغنى ساكنوه بجماله الآسر للقلوب، حيث الأشجار الخضراء الوارفة التي كانت تملأ جنباته فتنشرح بها الصدور، وتبتهج لرؤيتها القلوب. 

اليوم انقلب الأمر رأسا على عقب، بعد أن تغيرت صورة الحي الجميل بدعوى تطويره وتوسيع شوارعه.

لم تكن كارثة سكان الحي العريق في اختفاء الخضرة واقتلاع الأشجار من جذورها، بل تجسدت في أسوأ صورها بعد تكرار الحوادث (أكثر من 8 قتلى في أيام معدوات)، وبات الأهالي في كرب كبير وهم مقيم نتيجة دماء الأبرياء. 

الفقيه الدستوري الشهير نور فرحات علق على ما يشهده الحي العريق بقوله: “فلنصدق مؤقتا ما يتردد علي لسان بعض المسؤولين من أن ما يسمي بتطوير حي مصر الجديدة الهدف منه فتح شرايين الطرق السريعة التي تربط العاصمة الجديدة بأحياء القاهرة ومخارجها إلي باقي المحافظات، وفي الحقيقة أنني كنت أميل لتبني هذا التفسير رغم ما به من غلظة وقسوة وتعد علي حق البشر في الحياة الكريمة، إلي أن بدأت في تقليب الأمر علي أكثر من وجه.

الوجه الأول :أن فكرة العاصمة الجديدة لم تكن أبدا جديدة علي تخطيط الإدارة المصرية وسبق أن أنشأت مدينة السادات لهذا الغرض ومع ذلك لم يفكر أحد في اغتيال الطابع المعماري الحضاري للأحياء القديمة وتحويل شوارعها (شوارع الجيزة مثلا) إلي طرق حرة سريعة علي حساب راحة وأمن السكان.

الوجه الثاني: أن هناك دولا سبقتنا إلي إنشاء عواصم جديدة ومع ذلك لم تبقر أحشاء الأحياء التراثية للمدن القديمة لتوفير طرق سريعة للعاصمة الجديدة .فإنشاء برازيليا مثلا لم يتبعه توسعة أحياء وشوارع ريودي جانيرو وتحويل سكانها إلي سجناء علي جوانب الطرقات الحرة التي تقطعها السيارات المارقة .بل بقيت ريو دي جانيرو علي حالها محافظة علي جمال شوارعها التي أصبحت حقا مكتسبا لسكانها وللبشرية، 

الوجه الثالث: ويثور سؤال، هل أجدبت قرائح مهندسي الطرق عن أفكار جديدة لفتح منافذ للعاصمة الجديدة بعيدا عن مناطق تمركز التجمعات السكنية ،و دون تشويه أحد أجمل أحياء القاهرة وهي مصر الجديدة؟ أظن أنه وفقا لما أثير من مناقشات ، كانت هناك بدائل كثيرة تحافظ علي الطابع المعماري لمصر الجديدة وعلي حقوق سكانها ، عرضها المشاركون في الندوات ، ولكن يثور الشك أنه تم اللجوء إلي تشويه الحي الجميل العريق عمدا لصالح استثمارات المقاولات لأهداف أخري لم يعلن عنها.

الوجه الرابع: هل من هذه الأهداف حمل سكان مصر الجديدة ومن بعدهم مدينة نصر علي التخلي عن أسلوب اعتادوا عليه في العيش في حي جميل لا تحيطه أسوار المعازل وأسوار الكومباوند،و يختلطون بكل الشرائح في تناغم اجتماعي، ودفعهم إلي الهرولة إلي العاصمة الإدارية بحثا عن سكن مريح لا تشق مساكنه الطرق السريعة ؟ وهل يعزز هذا الافتراض (الذي قد يكون غير صحيح) حالة الركود التي يعانيها الاستثمار العقاري ويشمل حركة البيع في العاصمة الجديدة ؟ 

نريد لمسئول يؤمن بالعقل ويحترمه أن يحاورنا بعيدا عن منطق أن الدولة (ليست بابا أو ماما) رغم كونها ( بابا وماما وعمو وجدو) لأصحاب السيارات الفارهة الذين يتنقلون بين التجمعات ذات الأسوار العالية بسيارات تمرق كالسهم “.

وأضاف فرحات في تعليق آخر:

” الحل الوحيد أمام أهل مصر الجديدة هو الهجرة إلي العاصمة الإدارية ، وهذا هو المطلوب ، فليس من عاقل يسكن علي قارعة الطريق السريع “.

دعوة للموت!

الكاتب نبيل عمر كتب مقالا بعنوان “دعوة للموت في ميدان روكسي”، جاء فيه: “كنا ليلا، حين تسمرت قبل أيام على رصيف فى ميدان روكسى أضرب كفا بكف، أفتش عن وسيلة جهنمية أخرج بها من المتاهة التى حبسنا فيها من أعادوا تنظيم الميدان الكبير، كيف يمكن عبوره دون أن تسيل دماؤنا؟، صعب للغاية، السيارات تنهب الأرض مستمتعة بالتنظيم الجديد الذى يسمح لها بالطيران، بالطبع السائقون على دين ملوكهم، وإذا كان المسئولون لم يعملوا حسابا للبشر، فلماذا يتصرف سائقو السيارات بإنسانية ورحمة ويمسكون من سرعتها؟، هل يتنكرون لما درج عليه المجتمع من عادات تخاصم الضبط والربط إلا قليلا؟”.

وتابع عمر: “يفتح ميدان روكسى فى مصر الجديدة على أربعة شوارع رئيسية، تنتشر فيها محلات تبيع سلعا من الإبرة إلى الصاروخ، ناهيك عن عيادات أطباء ومراكز صحية ودار سينما شهيرة ونادى هليوليدو ومطاعم ودور عبادة وكافتيريات.. إلخ.

عشر دقائق مرت، أقدم رجلا لكن الخوف يصدني، ثم طقت الفكرة فى رأسى كحفرة انشقت فى الأرض فجأة وابتلعتني: سألت عسكرى مرور عابرا: أين ضابط المرور؟ ألتفت حوله ثم قال: فيه ونش على ناصية شارع السيد الميرغنى ربما تجده هناك. مشيت إليه لم أجده وقال أمين شرطة: الضابط فى ميدان روكسي..أى خدمة؟

سألته: كيف يعبر مواطن الشارع الذى عرضه لا يقل عن خمسين مترا وسط هذه السيارات المسرعة دون إشارة مرور؟ نظر أمين الشرطة حوله، كأنه يحاول أن يطابق ما قلته على واقع الشارع، رد ببساطة: فيه ناس قدامك عمالة تعدي..أين المشكلة؟ قلت: على طريقة البهلوانات”.

وتابع ساردا: “لم يفهم النكتة، تركته وعدت إلى ميدان روكسي، رأيت العربة الونش واقفة أمام سينما الحمرا الصيفي، قرأت الفاتحة والشهادتين، عبرت الشارع متقافزا، يقف ضابط برتبة نقيب مع بعض معاونيه سألت: لو عايز أعبر الشارع ماذا أفعل مع هذه السيارات؟ قال بلطف: يساعدك جندى على العبور.

قلت: هذا ميدان واسع جدا لا تتوقف فيه حركة البشر والسيارات لحظة واحدة، مستحيل أن تجد عساكر مرور يساعدون كل هؤلاء الناس على عبور الشوارع. قال: نعمل ما نقدر عليه.

سألته: هل يعقل عدم وجود إشارة مرور فى ميدان يعبره مئات الآلاف من الناس يوميا؟ بسعة صدر أجاب: ليست مسئوليتي، نحن نحاول المساعدة فى حدود إمكاناتنا، هذه مسئولية محافظة القاهرة مع الجهة التى خططت الميدان. تدخل مواطن عابر فى الحديث قائلا: والدى خبطته هنا عربية من أسبوعين، تكلفنا 80 ألف جنيه لعلاجه حتى الآن.

رد مواطن آخر: ولا شارع فى مصر الجديدة بعد التنظيم الجديد فيه إشارة مرور مشاة، وتلميذ ضربته سيارة فى شارع أبو بكر الصديق من أسبوعين.

رد الضابط: لسنا الذين خططنا الشوارع، دورنا أن نحافظ على تنفيذ القانون، عدم الركن فى الممنوع، عدم تعطيل الطريق..إزالة المعوقات.. إلخ. من ساعتها وشيطان التفكير يهرس عقلى بتساؤلات موجعة: لماذا أهملت محافظة القاهرة احتياجات المشاة؟ يا ترى هل درس المسئولون تاريخ المرور فى العالم؟”.

يذكر أن مصر الجديدة (هيليوبوليس) أحد أرقى أحياء القاهرة، وهو واجهة القاهرة  من الجهة الشرقية وأحد مداخل العاصمة وأول من يستقبل القادمين من أنحاء العالم لوجود مطار القاهرة الدولي به وأحد مداخل العاصمة للقادمين من الإسماعيلية والسويس أسسه البلجيكي البارون امبان، وبه قصره الشهير (قصر البارون)، وتتميز المنطقة بالمباني الكبيرة . وقد احتفل في سنة 2006م  بمرور 100 عام على تأسيس الحي.

الكارثة 

أهالي حي مصر الجديدة دشنوا (هاشتاج) بعنوان “مصر الجديدة “، عبروا فيه عن أحزانهم وهمومهم، وسارعوا باقتراح الحلول. 

إيمان زكي مبارك( إحدى سكان الحي ) قالت: “الحل السريع الان هو نزول ١٠ أمناء شرطة و١٠ عساكر فورا لتنظيم المرور وعمل مطبات صناعية من نهاية الكوبري وكل ٢٠ متر في منطقة المدارس…. ديه حلول مش هتاخد ٢٤ ساعة… مش لازم مصر كلها تموت علشان الباشا مدير المرور يتحرك.”.

رشوان عادل قال: “للاسف المكان ده امام مدرسة النصر شارع تقاطع ابوبكر الصديق مع شارع هارون والمكان ملئ بالمارة وطلبة المدارس .. لازم يكون هناك مطب صناعي علي الأقل”.

سكان آخرون طالبوا المسؤولين بوضع حد لنزيف الدماء في الحي الذي بات مؤرقا لهم بالليل، مقلقا لهم بالنهار.

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. الصوره الاخيره “قبل وبعد” ؛
    معبره عن “غباء وخراب ما بعد ١٩٥٢ ” !

  2. لولا ان هناك ملايين الفلسطينيين الذين يستغيثون يوما ولا من عثماني مغيث يا سيد قيعي، كنت هناءتك على روح الفكاهة التي تتمتع بها.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here