سفيان بن مصطفى بنحسن: إنشغلت الإمارات.. فعادت إلى الصومال الحياة

سفيان بن مصطفى بنحسن

“الصوملة” مصطلح حديث في عالم السياسة يلجأ إليه المرء لوصف حالات الفوضى وإنسداد الأفق، هو مصطلح مرادف للدستوبيا مدينة الفساد التي يحكمها الشر والقتل والقمع والفقر والإقتتال والمرض، أوشكت سوريا على الإنهيار في ذروة الحرب الأهلية فقلنا إنها الصوملة، وإنهارت ليبيا إثر عدوان الناتو وعمليات ال”Unified Protector” فقلنا إنها الصوملة، نتجنى دون وعي على دولة لم تبتكر الحرب الأهلية ولم تكن السباقة إليها ولم تكن حربها الأكثر دموية في العالم ولا في القارة، تحركنا في ذلك بروباغندا أمريكية تهدف إلى الإنتقام من هذا البلد، فهل نعرف الصومال حقا؟

يمكن إعتبار الصومال رائد التجربة الديمقراطية في القارة الإفريقية، فبعد إستقلال البلاد وجلاء الإحتلالين الإيطالي والبريطاني سنة 1960 نجح آدم عبدالله عثمان أحد رموز المقاومة في الإنتخابات الرئاسية وتولى الحكم طيلة سبع سنوات قبل أن يُهزم في إنتخابات 67 ويتولى منافسه عبدالرشيد علي شارماكي الحكم في مشهد لم يألفه الوطن العربي ولا القارة الإفريقية. سنوات قليلة عرفت فيها البلاد حرية سياسية ونموا إقتصاديا إنتهت مع إغتيال شارماكي سنة 1969 ووصول العسكر إلى الحكم بزعامة سياد بري فتم تعطيل الدستور وحل البرلمان وإعتقال القادة السياسيين ليحكم الجنرال البلاد طيلة عقدين من الزمن بقبضة من حديد.

كان بري حالما بتوحيد الأقاليم الصومالية التي جزأها الإحتلال، وواقع الأمر أن ما أصاب الصومال التاريخي هو نسخة مما أصاب منطقة الهلال الخصيب في المشرق إبان مخطط سايكس-بيكو في بدايات القرن الماضي، سعى بري إلى إستعادة إقليم أوغادين من الإحتلال الأثيوبي وضم الصومال الفرنسي “جيبوتي” واجزاء من كينيا لتشكيل الصومال الكبرى، فإجتاح جيشه القوي إقليم أوغادين المحتل من الإثيوبيين وإستطاع السيطرة على ثلث مساحة أثيوبيا خلال الأسابيع الأولى قبل أن تصطدم قواته بمقاتلين من كوبا والإتحاد السوفياتي والجمهورية اليمنية في هبّة شيوعية لإنقاذ منغستو رجل المعسكر في القرن الإفريقي فتراجعت القوات الصومالية بعد أن أوشكت على إسترجاع الإقليم المحتل. لم تكن حرب أوغادين معركة تحرير فحسب وإنما حربا كونية أذكتها القوى الكبرى المتصارعة على مضيق باب المندب الرابط بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي وإنتهت بإنتصار المعسكر الشيوعي الذي كان قد خسر قبل سنوات موقعه في شمال البحر الأحمر إثر الخلاف الشهير مع السادات.

أدت الحرب إلى تراكم ديون الصومال وتحكم البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في إقتصاد البلاد وخصخصة المؤسسات الحكومية وتسريح أعداد هائلة من الموظفين الحكوميين، وطالت الإملاءات الأجنبية القطاع الزراعي الذي كان شريان حياة أهل الصومال، فضعفت الدولة المركزية وتخلى بري عن الحكم تحت وطأة الإضطرابات  والحرب الأهلية ليدخل البلد عصر أمراء الحرب وتجتاحه القوات الأمريكية لفرض الوصاية الدولية وبحثا عن الجنرال فرح عيديد فيتلقفها أهل الصومال ويسحلون الغزاة في الشوارع في مشهد أعاد لساكن البيت الأبيض أحداث حرب فيتنام، يهرب الأمريكان ويعلنون الصومال عنوانا للدولة الفاشلة، كأن الفشل لا يبدأ إلا مع كسر شوكة المارينز. سنوات من الإقتتال ومن إستباحة الدول الكبرى لأرض الصومال ومياهه وتحويل سواحله إلى مصبات للنفايات الكيميائية جعلت الحياة في هذا البلد جحيما فر منه أكثر من مليوني إنسان، وأستبيحت سواحل البلاد مما دفع بالصيادين إلى رفع السلاح في وجه السفن الغازية وهو ما عرفه العالم بعد ذلك بصولات القراصنة الصوماليين، ولا ندري هل القرصان هو المرابط في مياهه الإقليمية أم ذلك القادم من أوروبا وأمريكا وكل أرض قصية لنهب ثروة البلاد وتحويل شواطئها إلى مكب للنفايات.

لم يكن العرب “الأشقاء” بعيدين عن المشهد الصومالي وعن الفوضى التي شهدها البلد، وخلافا لمصر عبدالناصر التي دفعت شهداء في سبيل حرية الصومال على رأسهم الدبلوماسي الشهيد “كمال صلاح الدين” فإن بعض الأقطار العربية قد إمتهنت صب الزيت على فتيل الإحتقان القبلي في البلاد، وتكاد تكون الإمارات العربية الدولة الوحيدة التي تعترف بإقليم أرض الصومال ككيان مستقل وتبرم معه إتفاقيات طويلة الأمد لإستغلال إقليم بربرة متجاهلة الدولة المركزية والحكومة الشرعية، ويعود شنآن آل زايد على البلاد إلى وقوف الصومال على الحياد في الأزمة الخليجية ورفضه الإنصياع إلى رغبة الإمارات في نقل ملكية جزيرة سقطرى اليمنية الواقعة قبالة سواحل القرن الإفريقي إلى مقديشو، ويدرك حكام الإمارات أن حرمان اليمن من سقطرى سيقلص من نفوذه على مضيق باب المندب ويساهم في تشديد ربقة الحصار حوله ويحرمه من شريان الحياة الأخير.

إنتقل حكام البترودولار بقضهم وقضيضهم من دعم الصومال للتصدي للمد الشيوعي الأثيوبي في سبعينات القرن الماضي حين كانت لأمريكا مصلحة في ذلك إلى دعم الأقاليم المتمردة وترسيخ فشل الدولة الصومالية حين تحولت أثيوبيا إلى رأس حربة النظام العالمي الجديد في القرن الإفريقي، ومع وإنشغال آل زايد وآل سعود عن الصومال برمال اليمن المتحركة دبت الحياة في القطر العربي المنسي وتمكنت حكومته المركزية من تدشين عدد من المشاريع في قطاعات الزراعة والصحة والتعليم في ما بدا أنه خطوة أولى في مسيرة طويلة للنهوض بالبنية التحتية ستتلوها خطوات أخرى لمحاربة إنتشار السلاح والقات.

لم يكن الصومال يوما دولة فاشلة، هي حكومات فاشلة تعاقبت على البلاد طيلة عقود مظلمة فعبثت بأمن مواطنيه ولقمة عيشهم، وبين مفهوم الحكومة ومفهوم الدولة فوارق لا تكاد تراها العين العربية، الصومال يخرج اليوم من رماده وقد يسطر في القريب المنظور معجزة إفريقية جديدة إذا ما أشغلت رياح الخليج حكام أكشاك النفط عنه، سيعود الصومال قويا ديمقراطيا كما إنطلق منذ ستينات القرن الماضي فالفساد، بحسب بيتر أوستينوف، هو “وسيلة الطبيعة لتجديد إيماننا بالديمقراطية”. من يدري لعلنا نتضرع إلى الله يوما من أجل صوملة بلادنا العربية من أقصاها إلى أقصاها حين تصبح الصوملة مرادفا للإنبعاث من العدم.

Benhassen.sofiene@yahoo.fr

تونس

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. الأموال العربية صارت شرا ووبالا على العرب…. ينفقونها في إشعال الحروب وإذكاء الصراعات وشراء السلاح لماذا؟ ايظنون أن ذلك يديم حكمهم وملكهم؟ لو لم تستقل هذه الدويلات لكنا أسعد حالا ولكان العالم أثر أمانا

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here