سفيان بنحسن: نتائج الإنتخابات في تونس.. من تحزب خان

 

 

سفيان بنحسن

“إن الصراع الحزبي على السلطة لا فرق بينه إطلاقا وبين الصراع القبلي والطائفي ذاته” (معمر القذافي، الكتاب الأخضر، الفصل الأول)

يلتقي الشهيد معمر القذافي في ما ذهب إليه مع المفكر العربي عصمت سيف الدولة الذي رأى أن الأحزاب في الوطن العربي مقترنة غالبا بالفشل وأن مرجع الفشل ليس لأنها كانت “أحزابا” بل وقبل كل شيء لأنها لم تكن “أحزابا” وإنما تجمعات تردد شعارات براقة وتتحدث عن الجماهير من دون أن تعْرِف الجماهير أو أن تعرِّفها كيف ستترجم أفكارها العامة ووعودها الإنتخابية إلى واقع ملموس، فالأحزاب في الوطن العربي قديما وحديثا تقوم على أساس معكوس لا يسمح فيه للقواعد بإختيار قياداتها وإنما القيادة هي التي تختار القواعد والقيادة هي من تنشء الحزب وتحله وتعيد إنشاءه في شكله الجديد وتغير الأفكار والأصدقاء والحلفاء دون العودة إلى أنصارها وجماهيرها. العيب ليس في الحزب كأداة سياسية وإنما في النسخة العربية للأحزاب، هكذا تحدث الشعب التونسي في الإقتراع الأخير.

واجهت كبرى الأحزاب في تونس الفضيحة التي تستحقها بهزيمتها أمام المستقلين، وسواء تحول هؤلاء المستقلون إلى أحزاب في المستقبل أم لا فإن إلتفاف جزء منهم حول فكرة واحدة يجعل منهم حزبا وإن لم يأخذ شكله القانوني بعد، ولعل الهزيمة المدوية لمن إعتقدوا أنهم كبار ناتجة عن هوة باتت تفصل النخب السياسية عن الشارع بل والنخب الإجتماعية  أو الصفوة عن السواد الأعظم، فإن كان جون جاك روسو يتحدث عن ضرورة تقريب الحدود القصوى فلا يبقى غنى فاحش ولا فقر مدقع من أجل أن تستقر الدولة فإن ما يحدث في بلادي مخالف تماما لهذه الدعوة فالهوة الإقتصادية تتسع ومعها يعلو الساتر الفاصل بين “النخب” وبين “المحكومين”، لكن المحكوم حين خلا إلى ورقة الإقتراع أنزل عقابه بمن قاده إلى هذا الواقع معلنا إنطلاق فصل آخر من فصول الثورة لا يهدف هذه المرة إلى إسقاط نظام وزرع آخر وإنما إلى إفتكاك المبادرة.

إشارات التغيير في تونس كانت كثيرة لكن النخب السياسية أصابها من التعنت ما منعها من تلقف الإشارة إلا بعد صدور النتائج ولعل تعنتها عائد إلى كونها تستمد قراراتها ومبادراتها من وراء البحار فتكون بذلك منفصلة عن آمال وألام الجماهير، والمتابع للمشهد التونسي سيلاحظ بكثير من اليسر أن السنوات الأخيرة في البلاد كانت سنوات الدعوة إلى التخلص من ربقة الشركات الأجنبية المتخصصة في الطاقة وهي دعوات إنتبه إليها تيار واسع من المستقلين ورفعوها شعارا في حملاتهم بينما بقيت الأحزاب مكبلة بأفكار “جون لوك” الداعية إلى عدم التدخل في السوق، وهنا كان السؤال “كيف ستغير واقع التونسي إن كنت ترفع شعار “البقاء للأصلح”؟” ومن أين يأتي التغيير إن كان توجه الأحزاب الليبرالية هو عدم التدخل في السياسات الإجتماعية والإقتصادية؟ هذا إن أحسنا الظن بهم ولم نقل إنهم موظفون لدى الشركات الأجنبية تناط لهم مهمة الدفاع عن مصالحها. الشعب بعث رسائله بأن المعركة القادمة هي معركة تأميم الثروات وسواء وجدت هذه الثروة ام لا فإن تجنب السياسيين الحديث عن التأميم جعلهم في عيون الشعب بيادق بيد حاكم الإليزيه وبيد السفير الشهير في تونس، والمتأمل في نتائج الإنتخابات وترتيب المترشحين سيلاحظ دون عناء أن الخطاب الداعي إلى كسر الهيمنة الفرنسية على مقدرات البلاد كان الأقرب إلى قلوب وعقول الناخبين.

إن ما نريد أن نستطرد إليه هنا أن تونس قد إنتقلت من حكم الفرد في حقبة ما قبل الثورة إلى حكم الصفوة في الحقبة الأخيرة، لكن الإنتقال إلى الديمقراطية بمعنى حكم الشعب لم تعرفه البلاد بعد، ربما تشهده في قادم السنوات لكنها يقينا لم تبلغه في الفترة الماضية بدليل ضرب قادة الأحزاب عرض الحائط بمطالب الجماهير وإصرارهم على لعب دور الوصي على الشعب القاصر كأن هذا الشعب مباح لكل من يدعي أن له رأيا في حل مشكلاته، وفات هذه النخب أن بإمكانهم تنظيم قواعدهم داخل أطر الأحزاب لكن ليس بالإمكان خلق تلك القواعد من العدم وهي ملح الأرض ونور الفضاء، هي موجودة قبل الحزب ومستمرة بدونه فإن ارتأى قادة الأحزاب السير في ركاب الجماهير كانت لهم القدرة على تمثيله وإن تعالوا وإنزووا في أبراجهم العاجية هجرتهم الجماهير التواقة إلى الحرية.

من تحزب خان، ليست دعوة إلى تبني ما جاء في الكتاب الأخضر للعقيد الشهيد لكنها صرخة جماهيرية بأن الأحزاب العربية وضعت بشكل يجعلها مفصولة عن واقع المجتمع، أحزابنا جزء من تاريخ كان فيه الحكم للفرد أو للجماعة فالقواعد ليس عليها أن تملك من أمرها غير حق الطاعة للقائد ما يجعلها في موضع التبعية له ولتحالفاته، وحين يتغير النظام نحو الديمقراطية “حتى دون أن يبلغها” ستكون هذه الاحزاب خارج دائرة إهتمام الجماهير. أحزاب غير ديمقراطية لا تتبنى صرخات الشارع ولا تعود إلى قواعدها قبل بناء تحالفاتها لا يمكن أن تكون جزء من المشهد الديمقراطي الذي تسير نحوه البلاد، أحزاب تتعالى عن نداءات الجماهير لا يمكن أن تمثله، أحزاب تابعة لقوى خارج المجتمع هي أحزاب غير مشروعة لا يمكن إئتمانها على مصير البلاد.

[email protected]

تونس

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. رحم الله زين العابدين بن علي القائد الحكيم الشجاع باني تونس الحديثة و مجدد العهد مع الوطنية والاعتدال والبناء الحقيقي للدولة

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here