سفيان بنحسن: فنزويلا معركة العالم الثالث في وجه الـ”سي آي إي”

سفيان بنحسن

ينسب إلى الثائر الأممي “إيفو موراليس” رئيس بوليفيا قوله “إن الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة الوحيدة غير المعرضة للإنقلابات العسكرية لأنه ببساطة لا توجد بها سفارة أمريكية” وتؤكد لنا احداث النصف الثاني من القرن الماضي وبعض احداثنا اليوم صواب هذه النظرية، فمع كل إنقلاب عسكري ومع كل ثورة مضادة تستهدف التنمويين أو قوميي العالم الثالث يتجلى الدور الخفي للسي آي إيه.

من واقع التجارب المريرة لأمتنا بجناحيها العربي والإسلامي مع العربدة الأمريكية يمكننا الجزم بأن خوان غوايدو رئيس الجمعية الفينزويلية الذي أعلن نفسه رئيسا للبلاد هو نسخة فينزويلية من أعضاء مجلس الحكم الإنتقالي في عراق ما بعد الإحتلال أو من ملوك وأمراء النفط ونواطير سايكس بيكو في أكشاك الخليج أو هو كرزاي جديد بملامح لاتينية أو شلقم آخر يبكي كذبا واقع بلاده المرير، ولعل العبارة التي إلتقطها المصورون الصحفيون من دفتر ملاحظات مستشار ترامب جون بولتون والتي أشارت إلى نشر 5000 جندي على الأراضي الكولومبية المتاخمة لفينزويلا تؤكد بأن غوايدو هو أشبه بدمية خيوطها بيد العم سام وأن نجاحه إن كان مقدرا سيحول بلاد سيمون بوليفار إلى حديقة خلفية للبيت الأبيض وساحة مفتوحة أمام الشركات الأمريكية.

فينزويلا ليست حالة منفردة وإنما معركة من حرب طاحنة رقعتها القارات الخمس وطرفاها الولايات المتحدة وحلفاؤها من جانب والتنمويون الذين تمثل سياساتهم الإقتصادية متراسا في وجه الهيمنة الامريكية من جانب آخر، هي معركة العراق العظيم والجماهيرية الخالدة وهي معركة دمشق ونيكاراغوا ومصر عبد الناصر وتشيلي سلفادور اللندي، هي معركة ثوار الجنوب في وجه الإمبريالية والنصر فيها  سيكون حتما بداية الإنحسار الأمريكي، ونعتقد أن الدافع الإقتصادي في كل تلك الحروب والمواجهات كان المحرك الرئيسي للأحداث رغبة من سكان البيت الأبيض في إجبار هذه الدول على إنتهاج سياسات تخدم المصالح الإقتصادية للولايات المتحدة الامريكية.

المعركة لم تبدأ في يناير من سنة 2019 وإنما سنة 1953 وفي رقعة جغرافية بعيدة جدا عن كاراكاس، في النصف الآخر من العالم وتحديدا في طهران، فقد مثل آنذاك إصرار رئيس الوزراء محمد مصدق على تأميم صناعة النفط تحديا خطيرا أمام بريطانيا وأمريكا مما حدا بجون فوستر دالاس وزير خارجية آيزنهاور وشقيقه آلان دالاس مدير السي آي إيه على الإشراف المباشر على عملية عزل مصدق في ما سمي بعملية “أجاكس” مستعينين بدميتهم رضا بهلوي، ومثل نجاح الإنقلاب حافزا للأمريكان لتكرار التجربة في موقع آخر لكن ضمن نفس الحرب على قوميي العالم الثالث فلم تمض سوى أشهر قليلة حتى حدث الإنقلاب الثاني في غواتيمالا سنة 1954 ضد جاكوبو أربينز غوزمان بإيعاز من شركة يونايتد فروت “الفاكهة المتحدة” التي صادر غوزمان بعض أراضيها كجزء من مشروعه القومي لتحويل غواتيمالا من بلد متقهقر يسيطر عليه الإقتصاد الإقطاعي إلى دولة حديثة تدعم الإقتصاد الوطني وتذود عنه. وتكرر السيناريو أكثر من مرة وفي كل قارات العالم وكان لأمريكا اللاتينية نصيبا وافرا من إنقلابات وكالة الإستخبارات المركزية ففي سنة 1963 قاد المارشال هومبرتو كاستلو إنقلابا على نصير الفقراء في البرازيل والرئيس المنتخب خواو غولار لترزح البلاد تحت وطأة حكم العسكر طيلة أكثر من عقدين من الزمن وكانت السي آي إيه هي القائد الفعلي لهذه الثورة المضادة لتتيح للشركات الأجنبية دخول السوق البرازيلية الضخمة.

الأمثلة على إنقلابات وكالة الإستخبارات الأمريكية لا تكاد تنتهي، ففي الأرجنتين سنة 1955 إنقلب الجنرال إدواردو ليوناردي المدعوم من واشنطن على الرئيس المنتخب خوان بيرون الذي عرف بإنتهاجه سياسة التصنيع المحلي وفرض تعريفات جمركية منفرة في سبيل حماية الصناعة الوطنية، وفي أندونسيا قام سوهارتو سنة 1967 بعزل سوكارنو الذي قام بطرد صندوق النقد والبنك الدوليين بعد أن إتهمهما بتشكيل غطاء لمصالح الشركات الغربية متعددة الجنسيات لتدخل البلاد حمام دم فاق عدد ضحاياه المليون وفق بعض التقديرات، و في تشيلي أعلنت الشركات الأجنبية بقيادة International Telephone & Telegraph ) ITT) الحرب على سلفادور اللندي إثر نجاحه في إنتخابات 1970 بعد أن كشف عن عزمه خوض معركة تأميم القطاعات الحيوية حتى النهاية، أما في حال فشل بيادق الإمبريالية في السيطرة على البلاد فسيأتي حينها دور التدخل العسكري الأمريكي المباشر أو سيناريو بغداد وطرابلس.

إن ما كان يجمع غوزمان بمصدق وصدام والقذافي وبيرون وسوكارنو وغولار وشافيز ورفيقه مادورو وإيفو موراليس هي رغبتهم جميعا في إنشاء إقتصاد وطني غير خاضع للإملاءات الغربية. جمعهم الإيمان بان معركة التنمية لا يمكن كسبها من دون خوض معركة التأميم وأن بلدانهم لن تسلم من حالة التبعية سوى عن طريق فرض سيادتها الكاملة على كل القطاعات وغلق الأبواب أمام المصانع والشركات الغربية دعما لنظيرتها المحلية. معركة آمن فيها المقاومون بأن ثراء وتقدم وإستقرار بلدان الشمال متناسب عكسيا مع تطور وإستقرار بلدان الجنوب فلا يمكن لأحدهما أن يتحقق إلا على حساب الآخر ولكي تضمن الو م أ والدول الإستعمارية ديمومة تفوقها عليها فرض نهج إقتصادي على الآخرين يخدم مصالحها بالدرجة الأولى.

فينزويلا ليست حالة فريدة وغوايدو هو النقيض للإستقلال والسيادة، ربما في فينزويلا من الفساد ما يغطى الأرض شرقا وغربا لكن الإصلاح لم يأت يوما مع الدبابات الأمريكية والأمريكان وإن برعوا في الهدم كما لم يبرع فيه أحد من قبلهم فإنهم أثبتوا في أكثر من مرة أنهم أفشل الأمم في بناء ما هدمته أيديهم.

[email protected]

كاتب تونسي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here