سفيان بنحسن: عذرا فرنسا، لم يبق في المآقي دموع لضحاياك

soufian-bihasan

سفيان بنحسن

جمعة دامية شهدتها باريس ربما هي الأفظع منذ عقود، هجمات هي الأعنف لم تعرفها فرنسا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في أربعينات القرن الماضي، عشرات القتلى ملقاة جثثهم في الشوارع في مشاهد توحي لنا بأنها من إحدى الدول المنكوبة في الشرق الأوسط لا من أوروبا الغربية التي تنعم بالهدوء والامن وتشرف من بعيد على عمليات التخريب في الوطن العربي، فرنسا مرة أخرى تحت وابل من الرصاص وعلى بِرك من الدماء لكن الضربة هذه المرة ستكون لها تداعيات كبرى على السياسة الداخلية والخارجية.

لم يكد العالم يستفيق من هول حادثة إسقاط الطائرة الروسية حتى وجد نفسه أمام حادثة غزوة باريس التي يُنتظر أن يتبناها تنظيم الدولة الإسلامية في الساعات القليلة القادمة كما يشير المحللون والمتابعون، هذا الحدث ستكون له تأثيرات جمة في وطننا الكبير الذي عانى لعقود من الإعتداءات الفرنسية والتدخلات السافرة في الشأن العربي، لعل أبرز الإرتدادات التي سيرصدها العالم ستصب حتما في مصلحة النظام السوري الذي سبق وحذر الغرب من خطورة دعم الجماعات الجهادية والعبث بإستقرار بلاده مؤكدا على أن الحرب التي يخوضها دفاعا عن نفسه ووطنه تتجاوز ساحاتها حدود سورية إلى الدفاع عن الشعوب الأخرى التي ستتعرض حتما لنفس هذا الإرهاب. فرنسا تقف مرة أخرى على حقيقة أن كلام الأسد لم يكن نابعا من فراغ وإنما من دراية بخطورة اللعبة التي شاركت فيها الدول الغربية، وفي إعتقادنا ستقتنع بكثير من التأخير بأن زلزال الشرق الأوسط سيمتد إلى باريس وكل العواصم الأوروبية وسيدرك الشارع الفرنسي بأن المتورط الحقيقي ليس جند البغدادي وإنما غباء ساكن الإليزي وإندفاعه الأعمى نحو مغامرات مجهولة العواقب في ليبيا وسوريا ومالي. السياسات الفرنسية الخرقاء ساهمت بشكل مباشر في تمدد الجماعات الجهادية في الوطن العربي وكانت فرنسا السند الرئيسي لهذه الجماعات في حربها ضد النظام الوطني الليبي بقيادة العقيد الراحل معمر القذافي ثم في حربها في سورية، فوفرت لها الدعم السياسي والعسكري اللامشروط، وكان الفرنسي سيء الصيت برنار ليفي حاضرا في كل بؤر التوتر في المنطقة وكثيرا ما إلتقطته عدسات المصورين مع الشرارة الأولى لكل حريق في جسد الأمة. الحديث عن رحيل الأسد سيكون في إعتقادنا جزءا من الماضي وسيطرق كثيرٌ من حكام العواصم الأوروبية أبواب دمشق والكريملين طلبا للتنسيق الأمني مع الجيشين الروسي والسوري.

إقليم كردستان قد يكون هو الآخر أحد أبرز المستفيدين من هذا الهجوم، فهذا الكيان أثبت أيضا قدرة على الصمود على الأرض متى توفر له الغطاء الجوي، وقد بات اليوم أحد أهم الأدوات لمجابهة خطر التنظيم المتشدد، ووحدها حكومة المنطقة الخضراء في بغداد سيقع تهميشها من أي تحالفات قادمة بالنظر لعجزها الفادح على السيطرة على الأراضي أو لجم العصابات المتحالفة معها، في المقابل أثبت تنظيم الدولة الإسلامية أنه وإن خسر الكثير من المناطق إلا أنه لا يزال قادرا على الضرب بقوة ورد الصاع صاعين لكل من يتجرأ على مهاجمته.

رغم تحول هذا التنظيم إلى دولة مترامية الأطراف إلا أن ما يتناساه الكثيرون أنه إنبثق من القاعدة التي تمرست في عمليات الصيد المنفرد وأنه يجمع بشكل فريد ومعقد بين خصائص الدولة وخصائص التنظيم وسيبقى قادرا لفترة طويلة على توجيه الضربات المؤلمة لكل من أعلن الحرب على دولته، فخسارته لمناطق سيطرته لن تقود بالضرورة إلى لجمه ودرء مخاطره، وما على الغرب إلا التعايش مع مخاوفه وتحمل نتائج الخراب الذي زرعه في مشارق الأرض ومغاربها.

يؤلمنا سقوط الضحايا في كل مكان، لكن أود تذكير من سيتهافتون على السفارات الفرنسية بأن نفس هذا اليوم قد شهد مقتل أكثر من أربعين لبنانيا وعشرات السوريين والعراقيين، كما شهد قطع رأس راع تونسي يبلغ من العمر 16 عاما، كلها جرائم لن يكترث لها العالم الحر، فدعونا نوفر دموعنا نحن العرب لنذرفها على ضحايانا الذين لن يبكيهم احد

كاتب تونسي

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here