سفيان بنحسن: صفقة القرن سترتد على عرابيها من حكام العرب.. إليكم ما حدث في صفقة القرن الماضي

سفيان بنحسن

يقول الراحل اليمني الكبير عبدالله البردوني في إحدى قصائده “ترقى العار من بيع إلى بيع بلا ثمن، ومن مستعمر غاز إلى مستعمر وطني”، ويبدو أن العار قد ترقى مرة أخرى إلى البيع مع الدفع فيقبض الغازي من الخائن ثمن الأرض والأرض معا، وما سمي اليوم بصفقة القرن هو مثال على إرتقاء العار وفق الصورة التي رسمها البردوني، فالعرب لن يبيعوا فلسطين ويقبضوا ثمنها وإنما سيمولون بعد ذلك مشاريع التهجير والتوطين على أراضيهم وسيتحملون وزر بناء وطن بديل قادر على إستيعاب الملايين الذين سيتم تهجيرهم ترهيبا وترغيبا، وبعيدا عن تفاصيل الصفقة المختلة التي يقوم فيها طرف ما بتقديم الأرض والثمن إلى الطرف الآخر فإن لهذا السيناريو الفاشل قبل أن يبدأ أحداث مشابهة في القرن الماضي إرتدت على صانعيها بعنف، وأصطلح آنذاك على تسمية هذا المخطط ب”حلف بغداد”.

في منتصف خمسينات القرن الماضي أنشأت الولايات المتحدة حلف بغداد دون أن تنضم إليه رسميا في سنوات نشأته الأولى وأوكلت مهمة قيادته إلى بريطانيا، ضم الحلف كلا من المملكة العراقية وإيران وتركيا وباكستان إضافة إلى المملكة المتحدة، وكان الهدف المعلن من وراء إنشائه التصدي للمد الشيوعي في ذروة الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، لكن تهديد الحلف بغزو دمشق سنة 1957 ونشر تركيا للآلاف من جنودها على طول الحدود مع سوريا بتعلة تغلغل الفكر الشيوعي فيها مثل دليلا على أن أهداف الحلف تتجاوز إحكام الطوق على المعسكر الشيوعي إلى محاربة كل مد قومي عربي يهدف إلى مجابهة الكيان السرطاني الذي أصاب جسد الأمة في فلسطين، وكان الإتحاد السوفياتي آنذاك هو موئل الدعم الكبير للدول العربية المواجهة للعدو الصهيوني بالسلاح والعتاد. في الجانب الآخر من الأمة وصف جمال عبد الناصر الحلف بأنه سجن كبير أعده الإستعمار للشعب العربي، وتجلت دقة التشبيه الناصري مع قيادة بريطانيا للعدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 وقبل ذلك مع تطويق مصر من الغرب إثر توقيع الحكومة الليبية برئاسة مصطفى حليم إتفاقا عسكريا مع الأمريكان يقضي بمنحهم قاعدة عسكرية ضخمة في طرابلس لتصبح بذلك ثاني قاعدة عسكرية على التراب الليبي بعد القاعدة البريطانية في بنغازي، إضافة إلى توقيع إتفاقية دفاع مشترك بين المملكة الليبية وتركيا لتكون ليبيا بذلك عضوا غير معلن في الحلف وتصبح فلسطين والدول المتصدية للمشروع الصهيوني هي الهدف الحقيقي من وراء إنشائه.

غير بعيد عن فلسطين كان هزاع المجالي في الأردن أبرز المتحمسين لحلف بغداد، لكن درجة الوعي التي إمتاز بها الشارع العربي في تلك الفترة جعلته يقلب الطاولة على المتآمرين تباعا بدء بإسقاط حكومة المجالي سنة 1955 بعد أيام قليلة على تزكيتها ثم بالإنقلاب الذي شهده العراق  سنة 1958 والذي أطاح بالملكية وفتح أبواب القصر أمام عبدالكريم قاسم أبرز حلفاء المعسكر الشيوعي. قتل في الإنقلاب الملك فيصل الثاني وولي عهده عبدالإله وعدد من الأسرة المالكة إضافة إلى رئيس الوزراء نوري السعيد عراب الحلف وصاحب بيان إعلان قيامه والذي عرف في ما بعد  ببيان نوري السعيد – مندريس. بهذا الإنقلاب بات العراق عمليا خارج الحلف قبل أن ينسحب رسميا سنة 1959 وينتقل المقر إلى تركيا.

في سوريا أدت تهديدات الحلف لدمشق إلى الإسراع بقيام الجمهورية العربية المتحدة لتصبح الجبهة الجنوبية أكثر مناعة في وجه الدول المعادية، وتستمر الموجة الإرتدادية لتطال الأردن سنة 1960 إثر تفجير مقر رئاسة الوزراء ومقتل المجالي ونجاة الملك حسين الذي كان من المفترض أن يزور المقر قبل ساعات من التفجير.

حلف بغداد أو صفقة القرن الماضي كانت لعنة حلت بصناعها العرب، فأدت إلى تصاعد نمو الحركات المناوئة للمشروع الأمريكي الصهيوني في العراق وليبيا إضافة إلى دمشق، ولا نخال التاريخ إلا عائدا بعجلته إلى الوراء وسيحصد اليوم كما حصد بالأمس رؤوس وعروش المتآمرين، صفقة القرن الحالي أو حلف البحرين لن يكتب لها سوى الفشل وعقب أخليها أنها صنيعة أنظمة دكتاتورية فاسدة لم تجن سوى عداوة الشعب العربي. يقينا ستمضي الصفقة إلى مزبلة التاريخ كسابقتها وستحمل في رحيلها رعاتها العرب.

كاتب تونسي

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here