سفيان بنحسن: ذكرى إعدام صدام.. حلم عربي تدلى من حبل المشنقة

سفيان بنحسن

أذكر منذ أكثر من عقد ونصف من الزمان، أيام كنت طالبا بكلية العلوم الإقتصادية بتونس، محاضرة لأحد الأساتذة حول مؤشرات تصنيف الدول بين  متقدمة ونامية، وعلى هامش الحصة إنتقل بنا الأستاذ بحديثه إلى العراق أو التجربة التي رأى فيها نجاحا فريدا لدولة عربية إستطاعت تجاوز الهوة العميقة الفاصلة بين العالمين، حدثنا عن العراق العظيم بكثير من الشجن مشيرا إلى أن مؤشرات التطور لتلك الدولة لم تضعها فقط ضمن قائمة الدول المتقدمة وإنما ضمن قائمة الدول العظمى، لم يكن العراق ليقارن بإسبانيا والنمسا وبولندا وإنما فقط بأسياد الكون ولعله لو تمكن من فك خيوط المؤامرة لصار منهم. مؤشرات التطور في العراق تجاوزت المجال الإقتصادي إلى الإجتماعي والثقافي، حدثنا عن نظافة شوارع بغداد حتى من أعقاب السجائر، عن الآفاق المفتوحة أمام كل وافد عربي، عن تقديس العمل وتشجيع الإبداع، عن الثقافة والشعر وعن شارع المتنبي الذي يزدحم فيه الباحثون عن آخر الإصدارات الأدبية أو عن أقدم المخطوطات النادرة.

نجح العراق حيث فشل معظم أشقائه، ولنجاحه أسباب علينا الأخذ بها إذا ما رمنا الخروج من دائرة التخلف والتبعية والإرتهان للأجنبي، ومن العوامل  نذكر سياسة العراق في التعاطي مع الثروة النفطية والتي كانت مغايرة لسياسة أشقائه، ففي الوقت الذي وظفت فيه ممالك الخليج ثرواتها لمحاربة كل نفس تحرري في المنطقة إختار العراق تسخير ثرواته لبناء الإنسان العراقي وتخريج آلاف الكفاءات العلمية ووضع لبنة نهضة عربية رائدة، كان النفط العربي قبل العراق العظيم أداة بيد الغرب يوظفها لإجهاض أحلام الأمة وعنه قال الراحل بومدين “هذه أكبر عملية نصب في تاريخ الأمم”، فبالنفط دفعت الرشى لنسف مشروع الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا وبه تم إنهاك الجيش المصري في اليمن تمهيدا لضربة قاصمة يوجهها العدو الصهيوني، وبه تجاوزت أمريكا أزماتها الإقتصادية وكان حكامنا في كل تلك الأحداث نواطيرا امام آبار النفط المسخرة لخدمة الغرب لتنقلب الثروة من نعمة إلى إبتلاء حتى أتى الإستثناء من بغداد التي رفعت شعار نفط العرب للعرب وبناء الإنسان قبل بناء الجدران وإختارت توظيف مواردها لمحاربة الأمية بحزم والنهوض بجودة التعليم حتى أقرت اليونسكو قبل العدوان الثلاثيني أن العراق يمتلك نظاما تعليميا يعتبر الأفضل في المنطقة. وكان من البديهي أن ينتج هذا النظام التعليمي آلاف الكوادر والعلماء الذين قد يمثلون نقطة تحول فاصلة إذا ما وظفها النظام المجاهد في الصراع العربي الصهيوني.

نجاحات السياسات العراقية بقيادة البكر ثم صدام مكنت البلاد أيضا من تطوير نظامها الصحي ليكون بشهادة اليونيسيف رائدا في المنطقة، ووفقا للتقرير الصادر سنة 2003 بالإشتراك بين اليونيسيف ومنظمة الصحة العالمية  والذي حمل عنوان “واتشينق برييف” فإن العراق كان قبل الحصار الجائر والعدواني الثلاثيني يعيش عصرا ذهبيا في جل مجالات الحياة.

إختارت بغداد تسخير كل مقدراتها لبناء الإنسان العراقي ولفتح الآفاق أمام كل عربي يطرق بابها، كانت البلاد تسير بثبات نحو إرساء عصر فيكتوري عربي تعبر فيه الأمة إلى ضفة الدول الصناعية كما عبرت بريطانيا زمن الملكة فيكتوريا من قطر زراعي إلى عملاق إقتصادي، لكن في الوقت الذي بحث فيه العراق عن سبل إستنساخ العهد الفيكتوري إستنسخت ممالك الخليج تجربة مدام كلود الفرنسية متخذين من سكان البيت الأبيض والإليزيه وبيكنغهام زبائن دائمين.

العراق الفقيد كان عظيما باحلامه ومشاريعه، بطموح قادته وبإخلاصهم في نسف الحدود أمام المواطن العربي القادم من المغرب ومن جنوب الصحراء ومن البحر الأحمر، كان العربي مواطنا عراقيا دون الحاجة إلى كفيل أو إقامة، وكانت بغداد كعبة الباحثين عن الأمل والكرامة والعلم، في العراق كان يمكن لغير العراقي على أن يكون عربيا أن يتقلد أرفع المناصب في الدولة، كان مجسما للوحدة العربية لا يحتاج فيها الوافد لتجديد الإقامة فكان الغريب فيها غريب الوجه واليد واللسان فإن كنت تحمل ملامح عربية وتكتب بلغة الضاد وتنطق بها فلك حقوق العراقي وعليك واجباته ولهذا أحببنا العراق ورفعنا صور قادته من البكر إلى صدام ورفاقه الأبطال، فلم يكونوا قادة للعراق وإنما للامة العربية ولم يكن حديثهم عن وحدة عربية لإلهاب حماس الجماهير وإنما كان مشروعا عظيما أخلصوا له وتفانوا في تحقيقه رغم دسائس إخوة يوسف ومكرهم.

اليوم نحيي ذكرى إستشهاد القائد الرمز، المهيب الركن العابر للطوائف، الفارس القادم عبر بوابة الزمن من عصر الإغريق، نحيي ذكرى إستشهاد صاحب الحسين والعباس والصمود والعابد والحجارة، ذكرى الرجل الذي أثبت لنا أن فكرة التطور العربي ليست طوباوية غير متصلة بالواقع وأنها إذا ما صدقنا العزم أقرب إلينا من حبل الوريد، ذكرى الرجل الذي أثبت لنا تاريخه أن الطعنة القاتلة لا تأتيك من بلاد العم سام وإنما من بلاد الحرمين واكشاك الخليج المحكومة رغما عن اهلها بمن تبقى من بني القينقاع والنضير وقريظة وأن أولى شروط الخلاص أن توجه رصاصتك نحو العدو وتبقى ألف رصاصة نحو ملوك الغدر والخسة والخيانة والنذالة.

[email protected]

كاتب تونسي

Print Friendly, PDF & Email

10 تعليقات

  1. استاذنا العزيز
    بلد الرافدين بلد الحضارات وعلى مرور التاريخ
    العراق البلد العربي النابض وشعبه المضياف
    والمدافع عن البلدان العربية وخصوصا القضية الفلسطينية
    الشعب العراقي في العد العكسي منذ استلام الحكم في انقلاب عسكري عام 1963والانتقام منه
    بسبب طرد الإنكليز من البلد وإعلان الجمهورية العراقية بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم اول رئيس جمهورية في العراق يشهد العراقي كل المشاريع اللتي اقيمت والبنية التحتية للبلد والتقدم في كل المجالات والحريّة اللتي تمتع بها المواطن العراقي ولمواقفه النبيلة تجاه الأمة العربية
    احترق الرئيس عبد السلام عارف بسقوط طائرته في رحلة داخلية
    استلم الحكم عبد الرحمن عارف اخ الرئيس المحترق
    عام 1966 وعاش العراق احلى أيام من حرية وعلاقات متوازنة دوليا
    حتى الانقلاب العسكري المشؤوم عام 1969 وتمت خيانة بين الشركاء والقصة طويلة
    عاش البلد نوع من الحرية الى عام 1975 بعد استكمال بناء قوات الأمن وما كثرة أسمائها
    حينها بدا العد العكسي الى الانقلاب على احمد حسن البكر عام 1979
    استلم صدام حسين الحكم بقدرت قادر مع العلم انه لم يملك اي شهادة علمية عسكري او مدنية منحت له شهادات فخرية (ارجع الى خطاباته تجدها بلغة عربية ركيكة)
    وصل العراق الى الحضيض في عهدة من حروب ومقابر جماعية وقطع السن ورؤوس وحتى من اقرب الناس له والتخلف حدث ولا حرج وما زال البلد يعاني من التخلف والى يومنا هذا
    استغل ملايين الإخوة العرب على حساب العراقي اللي لم يأخذ ابسط الحقوق في عهده
    كان العراق الاول عربياً فأصبح الأخير

  2. ليت الكاتب عاش تحت حكم صدام ليفهم معنى الظلم والإرهاب والديكتاتورية! نعم هناك بعض المرضى في الغرب يمجدون هتلر وموسوليني ولكن لا تجرؤ أي صحيفة بالنشر لهم . لو كان العراق كما يقول الكاتب لما تَقَبلَ بعض العراقيين افكار الدرعية الصحراوية وداعش. لو كان العراق كما يقول الكاتب لأصبح مثل ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية! لقد ضاع العراق عندما جاء صدام حسين فقد أهلك الحرث والنسل وافرغ العراق من كل العقول النيرة وحوله الى مجتمع عبيد (وهكذا كل الدكتاتوريين).. لن نتقدم خطوه مع تمجيد عقليات القتل والهمجية الدكتاتورية. لا افهم هل هو حقد على شعب العراق الجريح أو قصر في العقول او مرض في القلوب؟ وا أسفي على أمة يشيد كتابها ومفكريها بالدكتاتوريين والقتلة! اين ضاع ضمير هذه الأمة؟ هل تفهمون الآن لماذا تنتصر اسرائيل على العرب؟ اقرؤا كيف يحاسبون نتنياهو على سرقة بعض الدولارات وكيف نمجد الجزارين والقتلة والمجرمين والسارقين من حكامنا! لا غرابة ان يغزو العراق خمسة آلاف داعشي من تونس!

  3. صدام حسين نسف كل انجازات المرحوم الشهيد السعيد اللواء عبدالكريم قاسم وكذلك نسف كل انجازات المرحوم احمد حسن البكر الذي اختاله صدام حسين بعد قتل اولادك وصدام جند نفسة لخدمة المشاريع السعودية ودمر الأنسان العراقي وكل الأنجازات التي تحدث عنها الأخ الكاتب كانت موجودة ولكن بعد وصول صدام تهدم كل شيئ

  4. كما ان اسطورة خطبة طارق بن زياد حين فتح الأندلس وحرق السفن وتداولها الملحمي في الذاكرة المدرسية العربية ، مع العلم ان الأولين لم يذكروها ومع العلم ان الجميع من مؤرخي تلك المرحلة ينكرونها ماعدا ثلاثة لايعتد بهم كثيرا لوصف فتح الأندلس لأنهم ليسوا من ابناء الزمن نفسه ولاالتجربة نفسها ، الا ان الجميع بنفس الوقت يتداولونها كونها من حقائق تاريخهم الذهبي الذي لايشكك به الا حاقد ! ، كذلك سكان المغرب العربي من شعوب الطائفة الشيزوفرينية ، اللذين يعتبرون صدام المجرم الجبان بطلهم القومي ، اما الشعوب المشرقية المبتلية بطاعون آل البيت اللذين قبض حسينهم مليون دينار من معاوية قبل موته كراتب سنوي حسب رواية ابن مخنف ، فلا يرون مشكلة في اعتبار ذلك من ضمن مضلومية الحسين الأسطوري!
    اما كاتب هذا المقال فهو مردد لأساطير المجرمين من قساة هذا الزمان اللذين يحاولون كل شيء الا نقد اساطيرهم وكذبهم وتوريطهم البلاد والبشر بحروب مهلكة واعدامات بلا محاكمة وقتل على التقرير من مواطنين ادمنوا كتابة التقارير على الجميع ، ففي بلاد العرب لايوجد ضحية ، هم الجلادون فقط يتوالدون ويتصهارون ويمزق احدهم الآخر في اجيال متعاقبة.
    الضحايا الحقيقيون ماتوا منذ زمن طويل على المشانق وفي سجون الصحراء او هاجروا وهجروا في مناف بعيدة.

  5. السيد الكاتب المحترم
    انا عراقي تعديت الستين ، عشت نصفها مشرداً عن بلدي غير أني شاهدت الكثير و عشت عدداً من السنين تحت حكم البعث أكثر من كافية لتدعني أتسائل إن كنت أيها السيد الكاتب تتحدث عن نفس البلد الذي عشت فيه و لم أنقطع يوماً عن تتبع أخباره و حاله .
    مع كل التقدير للحب الذي تكتب فيه عن بلدي لكن مع شديد الأسف لم يكن ذاك هو الحال .
    و من سمع ليس كمن رأى!
    الراحل صدام حسين له ما له ، غير أنّ ما عليه كبير

  6. نطلب من الكاتب يسرد لنا الأختراعات التي أنتجها العراق في فترة صدام و لا ينسى النظريات العلمية و كذا الطائلت التي تطير بدون وقود حتى يعيش العربي رعشة التفوق و الاقتدار .

  7. الإنجازات التي تتكلم عنها والتي حققها العراق كانت كلها قبل عهد صدام حسين. بعد استلام صدام للحكم بدأت المصائب تحل بالعراق واولها الحرب على ايران التي ورطه بها ال سعود وحكام الخليج طبعا بمخطط صهيوامريكي لتدمير العراق و ايران خدمه لإسرائيل. بعد ان آفاق صدام واكتشف المؤامره تم استدراجه الى مؤامره ثانيه للقضاء على ما تبقى من العراق وهي فخ الكويت والباقي معروف للجميع حتى اليوم الذي قبض الجيش الامريكي عليه بعد ان دلهم على مخبئه أولاد عمه وتم إخراجه من البالوعه التي كان يختبأ بها ومعه مسدس لم يستخدمه للدفاع عن نفسه ثم تقيده وسحله على وجهه في ارضية سيارة الهمر بين بساطير الجنود الأمريكان. هذا هو الزعيم الذي تبكي عليه؟ طبعا اذا كان العرب قدرهم الاختيار بين قيادات مثل صدام حسين او الملك سلمان وابنه قد افهم لماذا يبكي البعض على أيام صدام.

  8. غازي الردادي يتكلم بلسان نواطير العرب الذين خذلوا العراق ولولا تخاذل النواطير لما استطاعت أمريكا من احتلال العراق،وهاهم النواطير يدمرون سوريا.

  9. والله الطعنه القاتله والغدر جات من صدام ، عندما غزا الكويت غدرا وفجرا ، وهي التي وقفت
    معه في سنوات حربه مع ايران ،، انه ابشع غدر وعدوان عرفته العرب ،
    والان الاستاذ الفاضل سفيان عكسها وجعل صدام هو من تلقى الطعنه القاتله من جيرانه ،
    اما عن إنجازات صدام ، يكفيه انه اول زعيم عربي يجرب السلاح الكيماوي ضد شعبه ،
    وعن إنجازات صدام الاخرى فيرد عليك العراقيين ، هم اعلم بإنجازاته الخارقه ،،
    تحياتي ،،

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here