سفيان بنحسن: تونس والتجربة الديمقراطية.. المنعرج الحاسم

سفيان بنحسن

يقول المفكر السوري الراحل جورج طرابيشي “عدو الديمقراطية هو تصويرها على انها الخلاص .. وكبرى مشكلات العالم العربي (أي الوطن العربي) اننا اختصرنا الديمقراطية إلى أحد مظاهرها وهو صندوق الاقتراع” وتخبرنا تجاربنا العربية السابقة أو تجارب التنمويين في العالم الثالث أن إعتبار الديمقراطية غاية في حد ذاتها وليست وسيلة لتحقيق العدالة الإجتماعية وصون كرامة الإنسان هو أول المسامير في نعش التجربة، فالديمقراطية لا تجلب الخلاص للشعوب لكنها تصاحبه أو هي جزء منه إن توفر بموازاتها الإستقلال السياسي، فجدوى الديمقراطية ستكون حتما منقوصة في بلد خاضع بشكل مباشر أو غير مباشر للإحتلال أو لإملاءات السفراء الحاكمين بأمرهم.

في فيض الخطابات المتداولة في تونس اليوم عن تجربة الديمقراطية، بالكاد جيء على ذكر أنها ليست فريدة في الوطن العربي، فالحقيقة التي نتجاهلها أن تجارب أخرى إستمرت ردحا من الزمن قبل أن يرى فيها الغرب تهديدا لمصالحه فيأتي عليها بإستعمال أدواته القديمة وأساليبه المتجددة، وجدير بالتذكير هنا ببعض هذه التجارب التي أجهضتها الإستخبارات الغربية بعدما رأت فيها من بعد تحرري يهدد سيادة الغرب ومصالحه. أعظم التجارب العربية كانت في سوريا التي شهدت سنة 1931 وصول محمد علي العابد إلى السلطة عن طريق الإنتخاب قبل أن يستقيل أواخر سنة 1936 لأسباب قيل إنها صحية وبسبب تقدمه في العمر بعد أن شارف على الثمانين. إستمرت التجربة الديمقراطية في سوريا وتم إنتخاب هاشم الأتاسي ليقود البلاد ثلاث سنوات قبل يتنحى إحتجاجا على مماطلة فرنسا حول إستقلال سوريا وعدم تطبيقها لما جاء في وثيقة الإسقلال فيتعطل العمل بالدستور وتتوقف التجربة إلى سنة 1943 تاريخ إنتخاب شكري القوتلي رئيسا جديدا بعد فوز الكتلة الوطنية في الإنتخابات النيابية قبل أن تتعرض التجربة لإنتكاسة جديدة مع أول إنقلاب عسكري قاده حسني الزعيم المدعوم من الغرب. ثم تعود الحياة السياسية مجددا إلى البلاد مع إنتخاب الأتاسي الذي قام سنة 1955 بتسليم السلطة في إحتفال رسمي إلى الرئيس المنتخب الجديد القوتلي في مشهد نادر في التاريخ العربي، ثم تنتهي التجربة الديمقراطية في هذا البلد إثر تهديدات حلف بغداد بإجتياح سوريا وإعلان قيام الجمهورية العربية المتحدة للوقوف في وجه هذا الحلف، ورغم فضل الجمهورية العربية في تحصين سوريا إلا أنها أجهزت على الحياة السياسية وعلى التعددية الحزبية في البلاد.

التجربة السورية كانت ضحية غياب القدرة على تحصين الجبهة الداخلية من التدخلات الخارجية، فتحت حراب الإحتلال كانت القوى الدولية هي الوصي الفعلي على إرادة الشعب والمتحكم في مصيره. تجربة لبنان أيضا توصف بكونها إحدى تجارب الديمقراطية في الوطن العربي ولو أنها أقرب إلى التوافقية أو الميثاقية الهشة والمتعثرة، وأيضا التجربة الجزائرية التي إنتهت بحمام دم لازالت آثاره قائمة إلى اليوم ويتحدث المؤرخون عن دور ضباط فرنسا في الجزائر في تلك الأحداث الدامية التي أنهت التجربة الديمقراطية في مهدها.

الحديث عن تجربة تونسية فريدة هو أمر غير دقيق، وفرص نجاحها حيث فشل الأشقاء تبقى رهينة الاتعاظ بتجارب من سبق، وأهم التحديات التي تواجهنا اليوم هو تحدي إستعادة السيادة السليبة، فداخل خيمة السفير الفرنسي الحاكم بأمره ستكون الديمقراطية أداة لشرعنة وصول رجال الإيليزيه أو على الأقل تمكين من يحفظ مصالح الفرنسيين في تونس من تسيير البلاد ولو من خلف الستار، فإن وافقت نتائج صناديق الإقتراع هوى ساكن الإليزيه وجب تثبيت التجربة والإشادة بها وإن خالفتها فيقينا سيتم نسف الحياة السياسية كما حصل سابقا في سوريا أو في دول أخرى شبيهة بواقعنا العربي كتجربة المغدور سلفادور اللندي في شيلي وجاكوبو أربينز غوزمان في غواتيمالا، الديمقراطية إن لم تكن مصحوبة بصحوة إجتماعية وإقتصادية وبحرص على إستقلال القرار السياسي فلن تكون سوى واعض قديم الطراز يزكي ويشرعن الهيمنة الغربية، وفي ظل تداعي الجبهة الداخلية التونسية اليوم إثر التدهور الحاد في صحة الرئيس والصراعات في أروقة القصر حول الخلافة المحتملة تبدو الأشهر القادمة حاسمة لإعطاء التجربة نفسا جديدا أو إلغائها، والنفس الجديد لن يكون أكثر من فرصة أخيرة للتحرر من ربقة التدخل الفرنسي وللإنقلاب على المقيم العام تمهيدا لوضع الركائز الأساسية للديمقراطية الحقيقية، ديمقراطية الأحرار.

لا تستقيم الديمقراطية مع السيادة المبتورة، ولعل العراق مثال حي على ذلك وهو البلد الذي كان عظيما قبل أن يدفع إستقلاله ومناعته وقوته ثمن مسرحية الديمقراطية والتداول على السلطة وفي غياب تام للسلم الإجتماعي والعدالة وسيادة القانون. الديمقراطية ليست غاية وإنما وسيلة لتثبيت الحرية الفردية والجماعية، فالحرية هي ذلك الخيط الرفيع الفاصل بين يوتوبيا أفلاطون وبين الدستوبيا مدينة الفساد والفقر والقمع والمرض.

[email protected]

كاتب تونسي

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. يشيــر السيد سفيان في هذا المقال المـهم ، إلى أن الدمقراطية تعطي ثـمارها إلا عندما تكون هناك صحوة إجتماعية و اقتصاية مـتـوفرة ، من أجل خـلق الأرضية الملائـمة لـتـطبـيق المـبادئ الأولية للـدمقراطية التي تـنـص على أن الحرية حـق مشروع لـكل فـرد، و بـأن حـرية كل فـرد تـقف عند الدائرة التي تـبـتـدأ فيها حـرية الآخـر .
    الصحوة الإجتماعية في تـونس ، مع الأسف ، لم تـحـصـل والسبب الأصلي يرجع إلى الإعلام المرئي الذي يبدو وكأنه مـتـشـبـع بمبادئ ” المبـالغة و الـتضليل” أكثر من تـشـبعه بـمبدأ الحرية الحقيقية التي تـبـني الأمم . يـجب تطهير هذا القطاع ، و الأولوية مطلوبة بإلـحاح .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here