سفيان بنحسن: إيران والشيطان الأكبر.. تلويح بفوهات غير محشوة

سفيان بنحسن

لعبة “التشكن” أو لعبة الجبان: فيها يتسابق اللاعبان بسيارتين تتجه كل منهما نحو الأخرى بالسرعة القصوى، والخاسر هو من ينحرف عن الطريق بحثا عن السلامة بعد إدراكه أن الطرف الآخر مندفع بجنون نحو المواجهة، هذه اللعبة قد تنتهي غالبا دون صدام يذكر والنصر فيها يكون بتسجيل تنازلات من الطرف المنهزم ما كانت لتحدث لولا إدراكه أن لحظة الصدام قد باتت وشيكة، ويبدو أن الولايات المتحدة التي إعتادت لعب الشطرنج مع العرب وهي اللعبة التي لا تنتهي إلا بموت الملك أو الزعيم تجنح في تعاملها مع إيران نحو لعبة التشكن وتراهن على تسجيل نصر يحفظ هيبتها كقوة مهيمنة على العالم من دون أن تطلق رصاصة واحدة.

لا نجد في التاريخ الحديث مواجهة مباشرة بين إيران وبين الغرب بل لعل الأحداث الأبرز التي شهدتها المنطقة كانت فيها طهران في صف الولايات المتحدة وداعما قويا لها سواء قبل الثورة الإسلامية أو بعدها، ففي خمسينات القرن الماضي كانت إيران الشاه أول المنخرطين في حلف بغداد وهو الحلف الذي إقترحته الولايات المتحدة للتصدي للمد الشيوعي ووكلت بريطانيا لقيادته نيابة عنها، وكان الحلف آنذاك يهدف إلى إسقاط الأنظمة العربية المناوئة للمشروع الصهيوني أكثر من سعيه المعلن للتصدي للمشروع الشيوعي في المشرق العربي، ومن اهداف الحلف التي كشف عنها آيزنهاور في مذكراته وذكرها عبد النصار في إحدى خطبه كانت غزو سوريا وإنهاك مصر قبل أن يتصدع الحلف بسقوط الملكية في العراق سنة 1958 وزوال سطوة نوري السعيد.

إيران الثورة الإسلامية لم تكن في واقع الحال أقل تناغما مع المشروع الأمريكي رغم حالة الجفاء البادية على السطح، والواقع أن ما كان يجمع إيران بمن أسمته الشيطان الأكبر هي القائمة المشتركة للأعداء المحتملين والتي دفعت بكلا الطرفين إلى تجاوز خلافات النفوذ أو تأجيلها إلى ما بعد الإجهاز على تنمويي الوطن العربي، وتبقى تفاصيل “إيران-كونترا” أكبر الشواهد على عمق المصالح المشتركة بين العم سام والمرشد الأعلى، ففي ثمانينات القرن الماضي وفي الوقت الذي كانت فيه حرب الخليج الأولى أو القادسية الثانية مستعرة الإوار قامت إدارة ريغن بتزويد طهران بشحنات من صواريخ تاو عبر الأراضي المحتلة لتكون داعما رئيسيا في الخفاء لإيران من أجل الإجهاز على الثورة العربية الكبرى في العراق العظيم. وكان الدعم الأمريكي سببا مباشرا في إطالة أمد الحرب قبل يخالف العراق منطق القوة ويخرج منتصرا أقوى مما كان عليه قبل بداية المؤامرة، وفي زمن العدوان الثلاثيني ثم الحصار ورغم رسائل الود التي أرسلها العراق لطهران وإختياره إيران لتكون ملجأ طائراته المدنية إلا أن الحدود الشرقية كانت أبرز الخطوط تشددا تطبيق قرار الأمم المتحدة الجائر بفرض الحصار على العراق إضافة إلى الحدود السعودية والكويتية، وللتاريخ فإن الأردن كان الرئة الوحيدة التي تنفس منها العراق طيلة تلك السنوات قبل أن تنظم إليه سوريا سنة 2001.

مع بداية معركة الحواسم التي إنتهى على إثرها الحكم الوطني في العراق كان الموقف الإيراني متناغما مع المشروع الأمريكي، وبالعودة إلى كتاب “المبعوث”  للسفير الأمريكي  زلماي خليل زادة تنكشف الكثير من الحقائق حول الدور الإيراني والدعم اللوجستي المقدم للقوات الغازية إثر سلسلة من الإجتماعات في جينيف بين زادة وجواد ظريف وزير الخارجية قبيل الحرب لتكون إيران واحدة من الجهات التي وثقت فيها أمريكا وأطلعتها على خطة الغزو وخطة ما بعد الغزو، وهو الدور ذاته الذي لعبته إيران في حرب أفغانستان.

ورقة العداء الإيراني لأمريكا لم تعد تنطلي على الشارعين الامريكي والإيراني، وفي الوقت الذي يصطف فيه العرب بين مؤيد للولي الفقيه ومتحمس لتهديدات ترامب يضع كلا اللاعبين في الإعتبار أن فرصة الإنحراف عن الطريق في لعبة “تشكن” لم تنته بعد وأن الصدام إن حصل فلن تراق فيه قطرة دم أمريكية ولا إيرانية إنما هي الأدوات العربية من ستخوض المعركة بالوكالة. الحرب إن وقعت فستكون بين حلفاء أمريكا من العرب وحلفاء إيران من العرب أيضا، القتيل عربي والأرض المحروقة عربية والمنتصر إما فارسي أو أمريكي. ومع كل السيناريوهات الممكنة لا نملك إلا أن نسأل الله زوال حكم عربي مول وحرض ضد العراق وسوريا واليمن وليبيا فينطبق عليهم المثل العربي القديم “ما قطعتَ إلا كفك وما جدعت إلا أنفك”

[email protected]

تونس

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. القرن العشرين قرن التناقضات
    متي يستعد العالم لدفع ثمن السلام
    إنه أقل أضعاف المرات من ثمن الحرب

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here