سفيان الجنيدي:  في الظل.. قامات مشرقة في المجتمعات العربية

سفيان الجنيدي

لا يختلف إثنان على أن الامة العربية تعيش اسوأ أيامها، واينما ولى المرء وجهه يجد ماثلا جليا صور من الوهن والضعف الذي جثم وخيم على الامة من قبيل  الرشاوى والفساد والجوع والفقر والنهب والانحلال الخلقي وضياع الشباب والغيبوبة الفكرية والثقافية و الانحطاط والإنكسار و التخاذل والانبطاح والخيانات وإمعات جاثمين على صدور العباد إضافة إلى ضياع الهوية والوحدة العربية وبيع الاوطان ومقدرات الامة وآهات وحسرات تصل إلى عنان السماء،يصاب المرء باليأس و الإحباط ويتمنى بكل هنيهة يعيشها أن تزهق روحه وتفضى إلى بارئها، لكن ما أن تمر في جنبات أيامه قامات شامخات خلقت من نور حتى يعود مرة اخرى إلى صوابه ويبدأ بتعنيف نفسه ويقسو عليها لأنه يعلم علم اليقين أن هذه الامه لو جهنم صبت على رأسها واقفة بشموخ وإباء منقطعي النضير،يراجع نفسه ويذكرها أن هذه الامه رغم كل مظاهر الوهن والضعف إلا انها وليس غيرها مهيئة إلى أن تقود البشرية مرة أخرى إلى مرفأ النجاة والعدل وجميع القيم الانسانية النبيلة.

نعم هذه الامة العظيمة المعطاءة ما زالت قادرة على أن تنجب شخصيات شامخة عظيمة، ولكن للاسف لا يتم تسليط الضوء على إنجازاتها وتضحياتها وعلو همتها ونبل اخلاقها ونكرانها للذات، نماذج عضيمة شامخة موجودة بكثرة بيننا إلا أنه لا يأبه لها ولا تنال حظا من التكريم والتبجيل التي تستحق لأن المسؤولين لهم اجندات ورؤى خبيثة فلا يكرمون إلا كل إمعة ضال مضل، الادوار المناطق به  أن يغتال آمالنا ويسفه احلامنا و يمسخ هويتنا العربية الاسلامية المجيدة.

ونحن في هذا المقام وعبر هذا المنبر الحر لا نهدف إلى الاشادة وتسليط الضوء على هذه النماذج دون غيرها، وانما نهدف إلى لفت انتباه الشعوب العربية المقهورة أنه في خضم الوهن والقهر التي تعيشه الامه هناك شخصيات عظيمة تبعث الامل  على أن هذه الامة ستبعث من جديد مثل طائر العنقاء، شخصيات ديدنها العمل دون كلل او ملل لا تنتظر إطراء او مديحا ولا تبغي العلو في الارض، ولعل السيد يوسف دويكات والسيد اسد الجنيدات والسيدة الفاضلة آمنه عبدالرحمن (أم الوليد) والسيدة الفاضلة أم أمجد حبوش خير مثال على ذلك.

اولا: شهيد يمشي على الأرض، الاستاذ يوسف دويكات

لا يمكن لأي شخص تتاح له الفرصة أن يدنو قريبا ويتعرف على هذه القامة العظيمة إلا و ينحني ويرفع لها القبعة إجلالا و توقيرا،حين تتعامل مع هذه القامة الشامخة تتملكك بعض من المشاعر المتابينة، فتارة تكبر صبر وعطاء هذا الشخص، وتارة اخرى تعرف معنى إن الله بعباده خبير، و من جهة اخرى يخيم عليك الاندهاش بسبب الطاقة الايجابية التي تبعثها عندك شخصية عانت من حياة مليئة بالعذابات و المآسي اللواتي تنوء الجبال عن حملها، فهذا السيد النبيل والذي طبب –  لسنوات طوال – شقيقته وامه المصابتان بالمرض الخبيث، يدفع  – عن طيب خاطر- كل مدخولاته ليسدد فواتير المستشفيات و الادوية الضرورية لشقيقته وفيما بعد لوالدته ليجد نفسه في آخر المطاف مضطرا إلى أن يبيع مصدر رزقه الوحيد ( سيارة سرفيس) فيفعل دون أي تردد و لا يعير سمعه في هذا الصدد لأي نصيحة من أصدقائه او ذويه، وينفق جميع المبلغ على تطبيب اخته وامه حتى توافي المنية اخته وبعدها بسنين والدته، ولسان حال كل منهن وهي على فراش الموت، لا اجد الكلمات لاشكرك، إلا أنك الشي الاجمل في حياتي، لقد كنت البلسم الوحيد الذي خفف عني آلامي، وبعد سنوات من موت والدته تقسو عليه الحياة مرة اخرى و يغيب الموت زوجته والتي تترك في عهدته اطفال لم يبلغ صغيرهم عامه الاول، ويقوم بتربية ابناؤه على خير ما يرام، وبعد أن يكرمه الله بوظيفة في السجلات الطبيه في مشفى رحمة الحكومي في مدينة إربد، يكتشف أنه مصاب بنفس المرض الخبيث والذي لا يثنيه عن تأدية كل الاعمال التطوعية والخيريه والتي كان يقوم بها من قبل من قبيل تدريس الاطفال اليتامى مجانا،الخ.، وفي المشفى يغدو يوسف دويكات عنوانا لكل الفقراء الذين لا يستطيعون دفع المبالغ المترتبة عليهم، فيفعل المستحيل ليمكنهم من الحصول على الاعفاءات الطبية، والاكثر من ذلك تراه يخفف الالام عن المرضى ويمازحهم ويقوي من عزائمهم، فيقف المرء مشدوها من قدرة هذا الكائن الارمل، المصاب بالمرض الخبيث، على نشر الايجابية والسعادة على وجوه المنكوبين واليائسين اينما حل وارتحل.

ما زال يوسف دويكات قائما على تربية ابناءه، رافضا للزواج، متطوعا للاعمال الخيرية، مبتسما في وجه كل زائر او مريض في المشفى، يخفف عنهم آلامهم وغدا نبراسا و معلما من معالم مشفى رحمة في مدينة إربد.

ثانيا:  جمل المحامل، ابو حمزة الجنيدات

لما يبلغ بعد عامه الثامن والعشرين، حتى وافت المنية والده، ليجد نفسه بين ليلة وضحاها، مسؤؤلا عن عائلة قوامها ١٢ يتيما ووالدته، بإلاضافة إلى عائلته الصغيرة المكونة من زوجته وطفلين، قصته خير مثال على مأساة الإنسان الفلسطيني والذي يجسد بنضاله اسطورة يشهد لها العدو قبل الصديق،ذلك الفلسطيني الذي تحمل مسؤولية البقاء والتميز بالرغم من كل الخطوب والصعاب والعوائق وكيد الاقربين وتجاهل العالم له ولقضيته، ذلك الفلسطيني الابي الشامخ والذي لا يعرف المستحيل، والذي لا يحوي قاموسه الشخصي إلا الصمود والبقاء والتضحية والانتصار.

قصة هذا السيد النبيل ( اسد الجنيدات) هي قصة الفلسطيني بعد النكبة، قصة كفاح شعب،قصة شعب جابه الحياة وأنتصر عليها وروضها رغما عن انفها ، لا تزيده العوائق والصعاب إلا تصميما وشموخا وإباء، لا يتنصل للمسؤولية، لا يتأوه، ولا تلهيه الدنيا عن هدفه المقدس، الا وهو إيصال عائلته إلى بر الامان والنجاة، لا يقبل أن تكون عائلته مجرد رقم لا قيمة له ولا يرضى لهم أن يكونوا عبئ على المجتمع، يتحمل مسؤوليته الادبية و الاخلاقيه تجاههم على اكمل وجه،يوصل الليل بالنهار ويجذف بقاربه الصغير بكل مهارة وعبقرية ليوصله إلى بر التميز والارتقاء بالرغم من كل الانواء والأمواج العاتيه. تمر السنين وتستمر رحلة التضحية ونكران الذات وتبدأ الشجيرات الصغيرة بالنماء والنمو على أرض صلبة من الاخلاق الحميدة بعد أن يتم سقيها بماء الادب والتربيه الحسنة، ويستطيع هذا المناضل الشرس بعد رحلة نضال إستمرت إلى ما يربو من عشرين عاما  أن يرفد المجتمع بنماذج متفردة و متميزة على مستوى التعليم الجامعي و التربية والمواطنة الصالحة.

لا يزال ابو حمزة الجنيدات يعمل بكد وجهد منقطعي النضير بالرغم انه تجاوز الخمسين عاما، يرنو دائما لحياة افضل لكل من يعول.

ثالثا: نساء خالدات، اكثر شموخا من اشجار الزيتون والتين

قالوا وراء كل رجل عظيم، رغم صحة هذه المقولة، إلا ان الاصوب والاكثر كثافة و دقة في المعنى، وراء كل مجتمع صالح، و وراء كل نهضة و تطور وتقدم نساء شامخات ديدنهن العطاء والايثار و نكران الذات وتحقيق المعجزات وحمل أعباء وهموم تنوء مروءات كثيرة وجبال أن يحملوا بعض منها، ما أن تقع عينيك على إحداهن حتى تتذكر حرائر عربيات صنعن التاريخ وغيرن مجراه، على وجوههن إباء و شموخ منقطعي النظير، حين تراهن يترآى لك صبر فلسطين و عزتها وشموخها وجموحها وبقاءها عصية على الطغاة والدهر.

وفي هذا المقام لا يسعنا إلا أن نكرم كل الحرائر العربيات عبرسرد قصة كفاح ونضال سيدتين فاضلتين خطف الموت وغيب زوجيهن وهن في مقتبل العمر مخلفين ورائهما اكوام من لحم وهموم تصل إلى عنان السماء، السيدة الفاضلة آمنة عبدالرحمن ( ام الوليد) والسيدة الفاضلة أم امجد حبوش واللائي وقفن كصخرة صلبة راسخة في الارض في وجه كل الصعاب والامواج العاتية وواجهن مصائرهن بإباء وعزة وشموخ. آثرن حياة ابنائهن على مصلحتهن وحياتهن، رفضن رفضا قاطعا أن يتركن فلذات اكبادهن لاعماهم او لغيرهم، سهرن الليالي و قدمن التضحية تلو الاخرى وأكملن رسالتهن على اكمل وجه، ورفدن المجتمع بابناء صالحين على درجة عالية من التعليم والثقافة والادب الجم والأخلاق الرفيعة.

هذه النماذج غيض من فيض، والمجتمعات العربية ومجالسنا عامرة وزاخرة بقصص وحكايات لقامات شامخة عظيمة قدمت للبشرية مثالا رائعا في العطاء والتضحية ونكران الذات والايثار واستطاعت أن تنشر الايجابية اينما حلت وارتحلت. إلى كل هذه القامات العظيمة والتي ترزح تحت الضوء في مجتمعاتنا العربية نحني اجلالا واكبارا ونرفع لهم القبعات ونشكر لهم تفانيهم وتضحياتهم وجميع إنجازاتهم.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. قليلٌ من الكلمات كثيرٌ من الألم،
    رسالة كُتبت بأسلوب بسيطٍ واضح ودون تكلف ..
    رسالة للمجتمع الذي بات يُعتقد فيه أن الحاضر فترة للهو واللعب والتسلية والتفاهات
    كل التحية لأبن العم الرائع سفيان

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here