سعيد بوخليط: أفق تقويض الاستبداد في المنطقة العربية واستمرار المعركة

سعيد بوخليط

لا يزال مانُعت بالربيع العربي؛وقد حلت ذكراه العاشرة منذ أسابيع قليلة،قطعة حية منا وإلينا؛ تمثل قصدنا ومصيرنا الحتمي، مزهرا بأحلام شعوب ظلمت لأمد بعيد،والحال على حاله؛ سوى فيما ندر.شعوب تتلاشى بؤسا؛ سحقتها أنظمة سياسية هجينة وهوجاء، لم ولن يوجد لها من مشروع؛ غير النهوض بمخططات وبرامج السحق و الإفناء، فداء وتنميقا ليوميات الكراسي الرتيبة.

فهذا الربيع أفق للتاريخ؛ منطق لدوراته؛ أسّ تفعيل الجدل الذي يبقي على التاريخ تاريخا حقا، وليس تضليلا والإنسان كائنا حيا جديرا بالبقاء. إنه لغة للتاريخ؛ يتكلمها سياقيا حسب المعطيات البنيوية للأنساق السياسية والاقتصادية والفكرية،وما نعاينه حاليا علنا لدى شعوب الجزائر والعراق ولبنان قبل أن”يصمت”السودان قصد إعطاء الفرصة للتوافق الحالي،وكذا انطلاق بواكير انتفاضة أخرى في فلسطين احتجاجا على المأزق العبثي والمستوى الرخيص الذي انتهت إليه قضية شعب ظل نبراسا كونيا طيلة عقود خلت  لمختلف الأمم  المتطلعة حقا صوب أوطان الحرية والكرامة والعيش الأبي.

 أما بخصوص الأخرى الصامتة،فلا شك أن العاصفة قادمة؛آجلا أم عاجلا،لأن ذاكرة الشعوب كالأنهار لاتنسى أبدا، روافدها الأصيلة،مهما وقع ويجري وسيحدث.إنها الحرب الأبدية بين قيم الخير والشر،هكذا مسارات التاريخ.

في خضم مختلف ذلك،وبناء على القاعدة الاستدلالية المتداخلة بين الفكر والواقع؛ طبعا ضمن مقتضيات مكونات أخرى جوهرية، فلاشيء يبقي جغرافيتنا دؤوبة على الإيمان بالحياة حتى آخر رمق، سوى إعلام يرفض على نفسه ممكنات الشيخوخة أو الارتكان إلى التواكل،دائم الإفتاء لتكريس منابع الفتوة،غير متوقف بتاتا عن ممارسة إشعاع نور الحقيقة،كما هي في ذاتها. تلك وظيفته الأولى والأخيرة،لايغفل عنها  سوى ضعاف النفوس.

وظيفة الإعلام الدفاع عن القيم الكبرى،التي جعلت دائما قيمة الفرد في جوف اهتمامها؛ليس من باب المحاباة أو الاستهلاك المجاني،بل لأن ماهية الإعلام نفسها ارتبطت على امتداد الزمان والمكان،وسيدوم كذلك مآلها مستقبلا غاية يوم يبعثون،بمجتمع مدني؛ متمدن،تحرسه قوى مؤسساته فاعلة،مشبعة حتى النخاع بمنظومة حداثة؛تتمتع بقدرة خارقة على المزاوجة الجادة بين المحلي والعالمي.يقدس أهله أوراش العقلانية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

بهذا الصدد،أكدت مختلف التجارب والأدبيات الشرقية والغربية والشمالية والجنوبية، المعادلة التالية ذات الوجهة العكسية والمتقابلة :المجتمع جسد الإعلام، الأخير روح المجتمع.مثلما قلت لا تأخذ هذه العلاقة بعدا أحاديا.بمعنى أن مجتمعا بدون إعلام، لن يكون غير طيف رخو،وشبح غير قابل بتاتا للتحديد والتعيين، لا ينتمي لأي زمان أو مكان، بمعنى آخر؛مجتمع يقبع مهمشا خارج تزمن التاريخ.أيضا، بنفس زخم التحديد السالف،لن يكون بوسع الإعلام،أن يصير إعلاما بالمعنى الإتيقي للكلمة،إلا منتميا لفضاء مجتمع يمده بمختلف مصادر وممكنات الانتعاش والديمومة والتكرس والتجذر.

ارتبط سياق الربيع العربي، بالثورة التكنولوجية الرقمية؛ وربما شكل هذا المعطى  محددا حاسما جعل انتفاضة الشعوب العربية؛على الأقل المرتبطة، بالحقبة التالية لسنة 2011 معلومة عند الجميع، حظيت بمتابعة حية من طرف قطاعات مجتمعية واسعة.غير هذا،عرف العالم الحديث ثورات مخملية وأخرى عنيفة، تراكمية أو نوعية انقلابية، وثقتها كتب التاريخ، وأفلام وثائقية على رؤوس الأصابع بالأبيض والأسود، تلك الانتفاضات الجماهيرية التي امتد تأثيرها بطريقة أو أخرى نحو المنطقة العربية.

يكفي استعادة ذاكرة حركة1968  في فرنسا،وما ترتبت عليها في المغرب مثلا؛  بخصوص كتابة تاريخ جديد سياسيا و اجتماعيا وثقافيا،من طرف قوى اليسار الجديد؛التي أعلنت وفاة الأب بتجاوز منظومة العقل التقليدي.ثم نصل إلى أواخر سنوات الثمانينات،جراء الصرخة المفاجئة والمدوية النابعة حقا ؛من أعماق معاناة شعوب أوروبا الشرقية،قصد تقويض تلك الأسس المتسلطة للاشتراكية البيروقراطية،وليست الإنسانية المبدعة مثلما بشرت بها النصوص التأسيسية للفلاسفة والمفكرين.أيضا،لأن موازين القوى مالت حينئذ لصالح الشعوب،ستهب نسائم الحرية صوب منطقتنا، فأطلق النظام المغربي سراح أغلبية المعتقلين السياسيين،الذين ولجوا السجون أصلا؛نتيجة اقتناعهم بأفكار وسعيهم العملي نحو تفعيل بيانات اللحظة السابقة أي هزة 1968 . أيضا،أستحضر في نفس الإطار؛تنظيم الجزائر لأول انتخابات حرة أزالت حينذاك البساط من قدمي جبهة التحرير،غير أن الجنرالات لم يقبلوا الامتثال لقواعد اللعبة الديمقراطية حتى منتهاها،مما أدخل البلاد دوامة جنون؛عرف بالعشرية السوداء أتت على الأخضر واليابس وجرفت البشر والحجر نحو الهاوية….

إذن لعب الإشعاع الإعلامي؛في صيغته الرقمية؛أكثر دورا مفصليا،بخصوص تعميم تلك اللغة الواحدة التي تتكلمها شعوب العالم قاطبة، وتوحدها وتتسامى بها عن مختلف التحديدات الهوياتية الضيقة القائمة على الجنس والعرق والحضارة والجغرافيات والتواريخ، فلا يمكن لأي كائن يتمتع بقليل من الحس البشري أن يقبل ولو قليلا؛سلطة منظومات الظلم والاحتقار.

شهر يوليو 2010، بدأنا نسمع عن تسريبات وثائق ويكيليكس؛ شرعت بداية تكشف عن جوانب كثيرة تعتبر من أسرار حرب أفغانستان والعراق وكشفت مضامين حساسة جدا تضمنتها برقيات دبلوماسية للسفارات الأمريكية الموجودة في مختلف أنحاء العالم….ثم فضائح الأنظمة العربية خلال هذا الموقف أو ذاك، غير الاختلاسات المالية الكبيرة؛بينما تكابد شعوبها كل أنواع معاناة العصور والأزمنة.

أضرم بائع الفواكه البوعزيزي النار في نفسه احتجاجا على مصادرة لقمة عيشه، تدوول الفيديو سريعا، انساب مفعوله كالنار في الهشيم، أقسم التونسيون أن لايعودوا إلى منازلهم، هرول زين العابدين وجهة السعودية، أُجبر حسني مبارك على ترك الكرسي،انبثق الليبيون والسوريون واليمنيون من أغوار جحور سجنهم الكبير، قُتل القذافي ، أُحرق علي عبد الله صالح بصاروخ، ثم نفخ فيه الديناصور السعودي من روحه؛ فبعث ثانية المارد من قمقمه،كي يستمر هناء الديناصور ممددا داخل مغارته؛ ولتذهب كل الحياة إلى الجحيم، ومعها الربيع العربي،بالعمل على تحويل وجهة الدومينو،المهمة التي أنجزها النظام السوري؛بسوريالية تفوق حدود الخيال،مدعوما بكل مافيات النظام العالمي الجديد،وتتمة التراجيديا معروفة.هكذا انقلبت القيم،وتداخلت المفاهيم غاية أقصى درجات التيه والتضليل،وضاعت بوصلة الاستيعاب،هكذا تسيدت ثانية قيم الشر.

إذن الإعلام الذي أضحى سلاحا في يد الشعوب،يمدها بأسباب الدعم المعنوي والتحريض المحفز؛لحظات المواجهة.يلزم الإجهاز عليه و”إعادة تهذيبه”بكل مخدرات التنميط، قصد إبقائه عند حدود خدمة بروباغندا الحكم الرسمي،بالتالي الانتقام من ذكاء التكنولوجيا التي مافتئت تخوض صراعا ضاريا لفضح دهاء الاستبداد دفاعا عن تاريخية العلم، فالأول والثاني، ضدان متناقضان،جملة وتفصيلا،يرتبط مصير أحدهما بانعدام الثاني.

ولعل من أبشع أساليب القمع الرمزي؛التي تمارس منذئذ في حق الإعلام المقاوِم، تكمن في العمل بتؤدة على”بلطجته” بإفراغه من أي محتوى،حتى يصير أي شيء آخر؛ مبتذل غاية الابتذال، باستدراجه كي تستغرقه دوامة الضحالة والتفاهة، فيبتعد تمام البعد عن القضايا الحقيقية.عمليات غسل للأدمغة؛ بشعة، ممنهجة، جيشت في سبيلها،مختلف الأجهزة المادية والايديولوجة. تغتال دون توقف كنه الإنسان؛بمسدسات كاتمة للصوت.

معركة لانهائية بين الخير والشر؛ يحسمها الطرف طبعا الأكثر استعدادا وإيمانا بقضيته، فطريق الحرية طويل وشاق على حد قول الكاتبة البيلوروسية سفيتلانا أليكسيفيتش.

http://saidboukhlet.com

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here