سعيد بن عبدالله الدارودي: الزُبيديُّ الاديب الذي لم يرحل

سعيد بن عبدالله الدارودي

في الثامن من شهر مارس لهذا العام أسلم الأديب الكبير أحمد الزبيدي روحه إلى بارئها عن عمر ناهز 72 عاما.

والروائي أحمد الزبيدي من روَّاد السرد في سلطنة عُمان، وأحد أهم كتاب الأدب السياسي في جزيرة العرب، وكان لتنقله مُبكراً من أجل تحصيل العلم بين بغداد والقاهرة وعدن وسورية والخليج العربي؛ تأثيراً واضحاً في صقل انتمائه القومي والإنساني.

لكم تمنيت أن أكون قريباً من الزبيدي بالمقدار الذي اقترب منه الأساتذة عبدالله حبيب ومحمد الشحري وسالم آل توية وسعيد جداد؛ فأنا لم أخالط الزبيدي كثيراً، وذلك لأنه كان يسكن مدينة مسقط وأنا أقطن مدينة صلالة التي تبعد عنها أكثر من ألف كيلو متر، أُضيف إلى ذلك أنه كان مُقِلّاً في زياراته لصلالة، وأنا مقلُّ في زياراتي للعاصمة مسقط.

لم تُسلّط الأضواء على المثقف والأديب أحمد الزبيدي الذي وُلِد عام 1945 في ظفار (المنطقة الجنوبية من سلطنة عمان) التي كانت حاضرة في أعماله عشقاً وهمّاً وطفولة وتاريخاً.

لم تُسلّط الأضواء على صاحب مؤلفات (انتحار عبيد العُماني) و(إعدام الفراشة) و(أحوال القبائل عشية الانقلاب الإنجليزي في صلالة) و(سنوات النار) و(امرأة من ظفار).

لم تُسلّط الأضواء على ذلك المثقف الذي ظل شامخاً ثابتاً ومن حوله تساقط ثلة من المثقفين والكتّاب. الذين برّروا سقوطهم المشين  بمبررات لا يقبلها من هو “ضمير الأمة” حقاً.

لم تُسلّط الأضواء على ذلك الأب الحنون والزوج الوفي المحب، والرفيق الذي لا يتخلى عن رفاقه، والمتسامح مع المخطئين في حقه، والكريم البشوش، والمتواضع الخلوق.

لم تُسلّط الأضواء على صاحب القلب الأبيض وصاحب الحياة التي كلها أمل وعزم كما تصفه زوجته وشريكة حياته ورفيقة نضاله وأم أبنائه السيدة مريم الحَشَّار.

لم تُسلّط الأضواء على ذلك السياسي والناشط النقابي والقاص والروائي الذي ظل وفيَّاً لمبادئه إلى آخر رمق.

لم تُسلّط الأضواء على أحمد الزبيدي كما سُلطت على ” المرضي عنهم”، وبرغم هذا لم يدر بخلد أولئك الذين يظنون أنهم يملكون ـ دون غيرهم ـ  مفاتيح الأضواء والسيطرة على توجيهها،  بأن روح هذا الأديب المتوهِّجة بتمردها وحلمها، ستفيض أنواراً ساطعة بديعة لا تجذب إليها سوى الفراشات الجميلة.

كَتَبَ عنه وعن إبداعه ونتاجه الأدبي كل من “مريم الحشّار، والدكتور سالم بن عقيل مقيبل، وسماء عيسى، وعبدالله الحبيب، والدكتور حسين غباش، والدكتورة حصة لوتاه، والدكتورة فاطمة الشيدي، والأحنف الزبيدي، وباسمة القصّاب، وخميس بن راشد العدوي، وشيخة البادي، وحمود سعود، ومحمد الشحري، ومنصور ناصر المحرزي، وعلي بن مسعود المعشني، وشوكت الربيعي، ومحمود حمد، ووليد خلفان الشعيلي، وسعيد جداد أبو عماد، وخميس قلم، وفاطمة الزبيدي، ومنى سالم جعبوب، وحمود حمد الشكيلي، وسالم بن أحمد الغسّاني، وشعبان أحمد العجيلي، ومريم علي راشد الغيلاني” وجُمِعت شهادات هؤلاء المثقفين في كتاب ورقي احتفاءً بهذا الأديب الفذّ، جُعِلَ عنوانه “عُبيد العُماني حيّاً”، أعدّه وحرّره الكاتبان العُمانيان سليمان المعمري وسعيد الهاشمي، والكتاب ـ بالإضافة إلى درع وشهادة تكريم ـ هو جائزة رمزية اسمها “جائزة الإنجاز الثقافي البارز” تأسست عام 2009 وفاز بها أديبنا لعام 2013، يقول عنه سعيد الهاشمي في مقدمة هذا الكتاب/الجائزة  بأنه “لم يكتفِ بالعزلة بل حولها إلى مشروع حياة. لم ينشغل بالسائد، كان مهموماً بالذاكرة الوطنية كيما يبعثها إبداعياً، ويخلّد أرواحها النبيلة المثقلة بالغياب. لم يختر الكتابة ليعيش ويتكسب، بل ليتألم ويحب. لم ينتظر الثمن لأنه يعرف قدَر الحقيقة. لم يزاحم أهل الطموح، ولا باعة الزمن لأنه مشغول بطفولته وذكرياته. لم يكسره النبذ والخذلان والحصار لأن الصوفي الذي يسكن داخله من أهل الله الطيبين”.

لقد صدق الشهيد والأديب والمناضل الفلسطيني غسَّان كنفاني حين قال: “تسقط الأجساد وتبقى الفكرة”. فلقد رحلَ جثمان أحمد الزبيدي حينما ووري الثرى، أمّا كتاباته وأحلامه وأفكاره ونضاله فسوف تبقى كلها عصية على الغياب، مثلما كان هو عصيّاً على التدجين.

كاتب وباحث

ظفار ـ سلطنة عمان

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. أخي الكريم إبراهيم علي …. الكتاب سوف ينشر قريباً في الجزائر بمشيئة الله، لقد اتصلت بي دار النعمان راغبة في طباعته وتوزيعه في القطر الجزائري.

  2. تحية اجلال وتقدير لشخصكم الكريم على كتابكم ( حول عروبة البربر ) الذي من شأنه ان يرد البربر ( الامازيغ ) الى اصلهم الحقيقي بعدما تاهوا في صحراء التزوير والكذب الاستعماري الفرنسي ، لتحقيق المقولة الاستعمارية ( فرق تسد ) فأعطت للامازيغ شخصية مستقلة عن المشرق العربي عامة . وكم اتمنى لو يتم تسويق كتابكم في بلاد المغرب العربي بصورة واسعة وبسعر معقول يتناسب وجيوب القراء .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here