سعد الحريري: سأجعل لبنان دبي ثانية.. هل يستطيع؟

 

الدكتور نسيم الخوري

أمس قال سعد الحريري في دبي: “سأجعل من لبنان دبي ثانيّة…”. قالها بصدقية عارمة وببراءة ممزوجة بطيبة  ساهياً عن العيون والآذان التي تسمعه وتتفرّج عليه. مهلاً. كان يقولها نظيفاً فوق غيمة من أحلام يمتهنها أساتذة الجامعات العريقة لا أساتذة الجامعة اللبنانية الذين تلعثموا بعد قراءة البيان الوزاري أكاديمياً إلى حدود خوفهم من أن تطحنهم  حيتان الإستشفاء. كان أبوه رفيق الحريري الحاضر في وجدان الإستيعاب وتعزيز العلماء برقياً في فطانته وقناعاته إذ مهر الموافقة على صندوق تعاضد الأكاديميا بمعاملةٍ فوق ركبته. كانت خطوته الأولى في نهضة بناء لبنان المعاصر إيفاد 36 ألف شابة وشاب لبناني تخرّجوا من أعرق جامعات العالم. لا مجال للمكابرة في العلم. في السياسة لبنان جدل بيزنطي عقيم وإنحطاطي.

ليته يتحقق الحلم بأن يصبح لبنان مثل دبي!

يا لسعد لبنان واللبنانيين. دبي حلم واسع. أتناوله بحبرٍ نظيف على لسان رئيس حكومة لبنان إبن رفيق الحريري رئيس حكومة لبنان الذي لم ولن تتمكّن الدنيا من طمسه في ذاكرة اللبنانيين وحبرهم ودموعهم لأنّه مكفّن في  محبّتهم التي تتجاوز الأعياد الموسميّة  والعطلات الرسمية. لك الحق أن تحلم ومعك نحلم ونطالب ونعد بظرافة وجمال أن تقطف القمر دبي أو تستنسخه وتعلّقه في سمائنا.

من ينكر أنّ دبي ليست سوى حلم ملازم لساكنيها إذ يباشرون صباحاتهم بفنجان قهوة وفكرة جديدة وعمل جيّد من دون تمييز بين إنسانٍ وآخر. كان الرئيس رفيق الحريري يحلم بدبي وبقطف العالم كلّه يزرعه في لبنان، لكنّهم دبّوه يا أخي في وطنٍ نما وعمّر فيه شوك الغيرة والحسد فصار شجراً وقد زرعوا حول أحلامه عروشاً وعرة ليغتالوه في عيد الحبّ.

أمس ردّدها أبوك رفيق الحريري ونسجها مثل أحلام الطفولة الجميلة . كنت جاره. قالها في باريس وكنت قريباً منه  عبر مجلّة المستقبل التي آلت إليه وطناً ومدينة عريقة نحو المستقبل مرسومة في أحلامه وقلقه بحثاً عن الغد، وقد ولّدت وسائل إعلامية وتيّاراً سياسيّاً وطنيّاً معتدلاً يفتح أبواب قلبه للناس كلّهم.

أمس كنت جاره  فور مباشرته الحكم من قريطم. حيّروه وجنّنوه. هل أكتب ما عرفت منه وسمعت. لم يبق منه سوى الخنساء إذ شلحت الطرحة فوق رأسها عندما لاقتني وكانت قريطم تعبق بالبخور والآذان الحزين وكأنّه اليوم. ليس أسخف من الكتابة أو تدوين ما يعرفه المرء ونشره تحت خانة كان. لا قيمة للكتابة في وطن السياسة والفساد والشكوى والفضائح. كان يعشق الأفكارالجديدة  ويحلّ أعسر القضايا قبل أن أن يستيقظ لبنان .

يوماً شكوت أمامه من أنّ شراء قلم رصاص أو أوقية بن في كليّة الإعلام التي أدرتها يجعلك تنتظر 13 توقيعاً في دورة إدارية لبنانية مسكونة بالأفاعي الطائفية والذل. كنت قد شققت الأبواب الجامعية لأكاديميين مسلمين من بيروت الغربية نحوالشرقيّة وكأنّني فتحت أبواب الجحيم في وجهي وكسرت عزّة لبنان العتيق. إقترحت عليه خصخصتها تخلّصاً من ثقّالات الأكاديميا الحزبية الصدئة طائفياً ومذهبياً عند ملاحقة ملف أو طرح فكرةً أو حلم.

كان رفيق الحريري يعاني على مستوى لبنان لهذا ما عادت تخرج يده من جيبه تعبيداً لطريق الحلم نحو لبنان. أخجل من سرد غبار ما سمعت. طلب منّي مرّةً أن أكتب شكواي. كتبتها له، ونشرها صحافي مرموق مقالاً له في جريدة النهار.

كانت إمارة دبي أنموذجاً نهضوياً لا بترول فيها. حاول رفيق الحريري أن يؤسس القرية الإعلامية في لبنان شاركت بها وأدرجتها في  أطروحتي عن لبنان وقد أسميته دولة الإعلام Média State ولا بترول فيه أيضاً. إستيقظت الأوكار التي لا تنتهي في سدّ الطرقات لأنّ المستحيلات في نهضة الحكم اللبناني كانت مركونةً بالمردود الشخصي والعائلي لا الوطني ومشلولة بمناهج تركيّا العثمانية وقوانينها البالية بما يعطّل المؤسسات والإدارات ويشيع “ثقافة” الفساد ويغذّيها في الشكل والمضمون.

لو كنت مكانك شيخ سعد لتمنّيت لبنان مثل دبي.

كلّ لبنانية أو لبناني مقيم أو زائر وكلّ إنسان  يتمنّى في خلده أن يقطف دبي كما التفّاحة أو يرسمها وينسخ صورها ليأخذها معه في جيبه نحو لبنان.

من يعشق كتب سير العظماء الذين دمغوا التاريخ بحضورهم يخرج بعبرة بسيطة ليست مستحيلة بأنّ إعمار الدول والمدن والفضاءات تولد أحلاماً وقصائد  دفعت البابليين في مسارتهم الحضارية إلى رفع سلّم حجري عربشوا عليه نحو السماء لكنهم سقطوا حيث تبلبلت الألسن.

ليس لأنّ لدبي صفات الأقمار تنسيك قساوة المناخ هناك. تلك القساوة التي جعلت الأحرف في لغة العرب وألسنتهم نوعين: الأحرف القمرية التي تفخّم لفظاً بالألف واللام والأحرف الشمسية التي تختفي فيها الألف واللام عند التلفّظ بها،بل لأنّ الفتاة اللبنانية “تريسي صوّان” إختصرت دبي يوماً بجملةٍ واحدة معبّرة بالإنكليزية:

foud my Paradise  I  أي لقد وجدت جنّتي .

أقيس بوجدانية تلك المسافة الباقية بين ما كان عليه وما أصبح فيه لبنان. بين أحلام الأباء والأبناء وماضي اللبنانيين وحاضرهم ومستقبلهم ودورانهم في أماكنهم بإنتظار حكام وحكومات تتشابه ولا تتمايز.

لم ولن تتوقّف مجموعة البيانات الوزارية اللبنانية التي كان يجمعها الدبلوماسي السفير جان ملحة في كتاب بعنوان: “حكومات لبنان”.

تستنسخ لجنة وزارية صوغ البيان بالعودة إلى البيانات السابقة ثمّ  تنشرها في الصحف وتذهب بها الحكومة الى البرلمان لمناقشتها حيث شاشات التلفزة مفتوحة على الإستعراضية الخطابية والوعود الإصلاحية والوعود البرّاقة والغمزات واللمسات وتعليقات النباهة الطريفة المقطوفة من برّ.

لم يحصل أن حكومةً لم تنل ثقة البرلمان في لبنان.

ما الذي توقّف؟

توقف قلب السفير. وتوقّف الإصلاح الذي صار ربّما بحاجةٍ إلى الإصلاح.

وأرجو ألاّ يتوقف طبع كتاب السفير نضعه بين أيدي طالب وثيقة غنيّة لأطروحة دكتوراه في تاريخ الأحلام والكلام والأحكام في لبنان.

[email protected]

[email protected]

 كاتب لبناني

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. ياخساره للتشبيه. اين كانت دبي عندما كانت بيروت درة الابيض المتوسط وكانت قبلة المثقفين والوطنيين والفنانين ومركز اشعاع الثقافه والسياسه والفن والجمال في العالم العربي.

  2. I found my paradise أي لقد وجدت جنّتي .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here