سعاد خليل: السينما وآدب الشعر علاقة متبادلة

 

 

سعاد خليل

 عندما نتحدث عن السينما وعلاقاتها بالأدب بكافة انواعه ، نظرا لاندماجهما في مسار واحدا يكمل الاخر ، فعلاقة السينما بالأدب لم تقتصر علي تحويل الروايات الي افلام فقط ، خصوصا في القرن الماضي حيث حولت العديد من الروايات الي افلام سينمائية ،وحاليا  بدأ كتاب السيناريو يركزون علي التراث الادبي والفكري في صياغة الافلام المعاصرة وبشكل كبير من العمل .

 .فعلاقة السينما بالأنواع الادبية من رواية وقصة وقصيدة يجعلنا نتساءل ولا نتوقف عند حدود النظر الي نوع هذه العلاقة وابعادها فقط ، وانما تمتد كذلك بحيث تشمل كل ما يرتبط بمشروعيتها من جهة اخري . واذا البعض يري في السينما انها الاداة التي يمكنها استيعاب بقية فنون التعبير ، فان النقاد الذين من هذا النوع يشبهون العلاقة وكأنها رباط مقدس  يأبي الانفصال . اما النوع الاخر فينظر الي العلاقة والحديث عنها باعتبارهما ضربا من التطفل الدي يفضي الي التدخل في خصوصيات الاخر : السينما في الانواع الادبية ، وهذه في السينما ، وهذا النوع يقيم حجته انطلاقا من الاعتقاد بان للسينما كيانها المستقل ، وكذلك الحال بالنسبة للرواية وللشعر  مثلا .مثلما لكل منها لغتها الخاصة بها . وهذه  في اعتقادهم لا تحتمل القسمة علي  اثنين ، ورغم كل ما يقال ومهما تباينت الاسئلة والاجوبة عنها سواء كانت مع ضرورة العلاقة ام ضدها.

فالرواية علي سبيل المثال تعتبر اكثر الانواع الادبية قربا من السينما ، لما تملكه من خصائص درامية تغري المخرجين وصناع السينما بتحويلها الي الأفلام سينمائية ناجحة اضافة الي ان بعض الروايات الشهيرة اضافت نجاحا استفادت منها السينما في ارتكازها علي شهرة هذه الروايات ، كالروايات الكلاسيكية لكتاب عالميين امثال تولستوي وفكتور هيجو وغيرهم كثر ..من الاسماء المشهورة في عالم الادب . مع احترام والحفاظ علي الرؤية والشكل العام للرواية واحداثها وشخصياتها ، بالإضافة الي التعديلات اللازمة والهامة التي تفرضها خصوصية السينما الفنية ولمسات المخرجين .

هذا اذا تحدثنا عن الرواية في السينما سنجد الكثير من الامثلة والافلام الناجحة لعدد من النجوم علي مستوي العالم . ولكن في هذا المقال اردت ان نتعرف من خلال دراسة للاستاذ يوسف يوسف عن التأثير المتبادل بين السينما والشعر وليس الرواية . ليقول لنا ان مسيرة قرن من حياة السينما اكدت بما لا يقبل الشك ان السينما وغيرها من ادوات التعبير ،يمكنها الاستفادة بعضها من بعض ، مادام السرد علي اختلاف اشكاله ، يعتبر عنصرا مشتركا بينها ، ومادامت جميعها تتوجه الي المتلقي المفترض ، سواء كان هذا التوجه كلاميا مقروءا ، ام تصويرا مرئيا . وهذا الامر بحد ذاته ، يؤكد امكانية الحديث عن ثنائيات ، مثل ثنائية الشعر – السينما  وغيرها .

وباتجاه تسويغ هذه الدراسة فان الانطلاق من افتراض لا مشروعية العلاقة بين السينما والشعر وانعدام التأثير المتبادل بينهما ، يفقد الدراسة مسوغاتها ، ويجعلها نوعا من الهرطقة التي لا طائل من  ورائها . لذا فنحن نميل الي افتراض ضرورة العلاقة ، ذلك لان النقيض كما اشرنا لا يبرر الحديث عن ثنائية الشعربة والسينما ، كما افتراض وجود لعلاقة ، يمنحنا الفرصة لاختبارها ، والكشف عن حدودها . وهو مما نطم اليه ، وهنا نتذكر قول الناقد فنكشتاين الذي يري فيه اننا لا نستطيع ان نقول ما لا نستطيع التفكير فيه . وهكذا  فإننا لا نؤمن بالحديث عما يسميها البعض القسرية او التطفل في علاقة السينما بالشعر . وذلك لان امر كهذا لا يمكننا افتراضه ، بيد انه لكي تأخذ الامور مجراها المناسب في اختبار هذه العلاقة وتقرير وجودها او عدمه ، يصبح من الضروري الكشف عن نقاط الالتقاء والاختلاف بين كل من فني الشعر والسينما ، بل ان الحجة بدون اجراء مثل هذه المقارنة لن تستقيم.

الشعر كما يعرف من متذوقوه ونقاده يقع في دائرة الحلم ، والسينما ايضا تحلم ، واذا كان الشعر يبحث عن ادوات التمويه ، فان السينما لا تحبذ هذا التنويه ، بل انها  تحاول الابتعاد عنه قدر الامكان ، باعتبارها فنا جماهيريا . وبالنظر الي هذا يمكننا القول ان نخبوية الشعر تقابلها عمومية التوجه في النص السينمائي . ان التمويه في الشعر قد  لا يكون عبئا علي المتلقي القاري الذي بمقدوره اعادة قراءة القصيدة ،او بعض المقاطع منها ، لكنه سيكون كذلك علي المتلقي ، المشاهد الذي يتعرض لما يعرف في حالة مشاهدة الفيلم بالهجوم السريع الذي لا يمكن ايقافه .

ان السينما تقدم تفعيلات  فيزياوية ، بل ان هذه التفعيلات جزء  من كينونتها ، في حين انها لا تقع في دائرة اهتمام الشعر بتاتا . ذلك لان القصيدة في الاساس نوع من الحفر في الزمن . ومن هنا جاء القول بأنه عندما يحول النص – أي نص ما هو زماني الي مكاني ، فانه يصبح نصا تصويريا . وعلي العكس فعندما يترجم ما هو مكاني الي زماني يكون نصا ادبيا ، واذا كان البعض يري ان الصور المتحركة التي ابتدعتها السينما هي اسهامها الاساسي في الشعر ، فان القيمة الايقاعية في الشعر  هي اسهامه المقابل في السينما علي سبيل المثال لا الحصر.

هذه الدراسة التي كتبها يوسف يوسف ونشرت في مجلة الرافد تبدو متميزة في موضوعها حيث للوهلة الاولي لا نجد علاقة بين الشعر والسينما ولكن عندما نتعمق فيما كتبه الكاتب تتضح لنا عدة مفاهيم ورؤي في هذه العلاقة والتأثير المتبادل بين السينما والشعر  تحدث الناقد ايتيان فيزيلة عن الشاعر السينمائي ن وقدم اشارة واضحة الي العلاقة التي نفترضها. واذا كان الشاعر – الكاتب ليس له ان يتلقى دروسا من احد الذين هم اعلي منه مرتبة كما يري فيزيلية ، فان الشاعر السينمائي يجب ان لا يطلب دروسا من الشعر الادبي.

وتأسيسا علي هذا فانه لا يمكن الحديث عن وجود تعارض بين الاثنين : الشعر والسينما. ولعله من المهم القول ، ان الافلام التي تمتاز بالشاعرية ، تمتلك جودة كبيرة ، وان تلك التي تخلو من هذه الشاعرية هي افلام واهنة وضعيفة . ذلك لأنه في الحدود التي تكون فيها السينما شاهدا  علي الواقع وانعكاسا له ، فإنها لابد ان تقتحمه ، وتغوص في اعماقه ، لتحلله ولتفسره ، ثم انها بالتالي يجب ان تمنحه ايقاعا خاصا به ، يختلف عن سواه وبحسب اختلاف هدا الواقع  ذاك ، وهذه البيئة عن تلك ، وهي اخيرا – السينما – تفرض عليه معني تقدمه للمتفرج ، لكي يكون التجاوز ، الذي يتوخاه الشعر في غاياته ، وفي  كل ما سبق تتاخم حدود الشعر ، وتنهل من نبع غنائيته الفذة.

يقول الكاتب ان المخرجة المعروفة مايا ديرن  – وهي تعتبر من رواد السينما الطليعية في امريكا ،قد ميزت بين السينما الشاعرية  والافلام التجارية من خلال نظرتها الي البنية في الفيلم . والبنية التي قصدتها هي التي ترتبط بالسرد وطريقته ، ولقد شبهت الافلام الشخصية بالقصيدة الغنائية . اما بخصوص وجه الشبه ، فانه يكون من حيث ان القصيدة باعتقادها عبارة عن تحقيقات عمودية لموضوع او موقف . وهذا لا يختلف عما عند المخرج – الشاعر الذي يهتم بما يثيره الموقف من مشاعر . ومع هذه المقارنة الدقيقة  نستطيع ان نفهم ميزة الفيلم الشاعري  الذي يحاول سير اغوار ما هو باطني ، وعدم التركيز علي الحركة ، باعتبارها فعلا خارجيا ، قدر اهتمامه بالمضمون الميتافيزيقي للحركة . وهذا هو نفسه الذي اشار اليه الناقد السينمائي المعروف : لوي دي جاينتي ، تحديدا في كتابه المهم ( فهم السينما ) . واذا ما حاولنا تشريح أي من الافلام الشاعرية ، سرعان ما نكتشف اهمال مخرجه القيود  ، وذلك يعكس المخرج الردي الذي لا يتوخى التعبير الشاعري الخلاق ، صحيح ان الاخراج الشاعري قد يتحول الي عبء يلقيه صانع الفيلم علي كاهل المتفرج، الا انه ينجز جماليات خلاقة ، مثلما نري علي سبيل المثال في فيلم العصفور ليسوف شاهين الدي تكثر فيه التوريات والمموهات التي تميز الشعر ، وكذلك ما نراه في فيلم المومياء لشادي عبد السلام وغيرها من الافلام.

والذين يرفضون منطق العلاقة يتوقفون احيانا امام اختلاف صدمة التلقي في كل الفنين ، السينما والشعر . وبرغم انه اختلاف حقيقة لا يمكن نكرانه ويتأتى من طبيعة كل منهما : الاول باعتباره فنا مرئيا ، والثاني باعتباره فنا مقروءا ، الا انه لا يحول دون تأثير احدهما في الاخر . أي انه من الصعب بناء جدار مرتفع بينهما ، يمنع احدهما من الاطلال علي ا لأخر والاقتباس منه . ومما له اهمية في تأكيد هذا الذي نذهب اليه النظر الي الواقع ، ولعل الذين يرفضون الانصياع الي منطقه ليسوا بعيدين او مختلفين في موقفهم .عن اولائك الذين وقفوا ضد اضافة الحوار الي السينما في مرحلة انتقالها من الصمت الي النطق كما معروف لذي دارسي تاريخ السينما وتطوراتها .

 يضيف الكاتب في دراسته انه يجب الانتباه الي ان المضمون الشعري في السينما غير التجسيد الشعري. فالأول يتشكل من قصيدة مصورة بانطباعات ، اما التجسيد فانه الذي يرتبط بالبنيان . أي بالبعد الجمالي لطريقة التعبير في الاخراج. واذا كانت الانطباعية والتجريدية والسوريالية قد شقت طريق السينما الي الشعر باعتباره الاداة التي سبقتها في اكتشاف هذا التخوم الجمالية التعبيرية . فان كثيرا مما يرتبط بالأحلام والهلوسة يمنح الفيلم شاعريته ، وهي الشاعرية التي اكتشفتها مايا ديرن واشارت اليها في حديثها عن الافلام الشخصية .

والتجسيد الشعري  يمكن ان نراه في العديد من المشاهد الاستهلالية في كثير من بدايات الافلام  حيث الكاميرا تقوم بتأسيس مزاج المتفرج. ومشاهد الاستهلال هذه التي يتم تصميمها وترتبيها في تناغم مونتاجي خاص ومحسوب تماما . تعادل البنيان الشعري  ، الذي يبدوا علي غير انتظام مع البنيان الدرامي اللاحق . ولان هذه المشاهد  تشترط العناية الفائقة التي يتقرر معها الاستحواذ علي المتفرج منذ البداية ، او فقدان القدرة علي هذا الاستحواذ فيمكن القول اذا استطاع المخرج تنظيم تجربته الخاصة . وكانت هذه التجربة متماسكة تمثل قطعة واحدة ، فانه سيقدم فيلما شاعريا بحسب تعبير المسرحي الشهير ارثر ميللر .

لقد بدأ تأثير فرويد ونظريته واضحا للذين درسوا العلاقة بين السينما والشعر وان اولئك الذين يربطون بين الموجه الطليعية في امريكا وبين الشاعرية ، تحدثوا كذلك عما اطلق وعليها تسمية السينما الحلمية ) وكمثال علي هذه الطليعية الملدغمة في الشعر فيلم ( خيوط ما بعد الظهر ) لمايا دير الذي تغمره مسحة من الكابوس ، والاحساس بالرعب الحالك .كذلك قدم جاك كتو فيلم دم الشاعر ، وفيلم كلب اندلسي) لبونيويل ، فهذه الافلام تعتبر من ابرز الافلام التي تؤكد ثنائية السينما – والشعر ، وذلك لأنها تقدم فهما شعريا سورياليا للصورة السينمائية . وفي هذا المجال ايضا – العلاقة –ظهرت افلام اطلق عليها البعض اسم القصائد السينمائية . وهي افلام انطباعية تركز علي تقديم ادراكات صورية . كما ظهر الفيلم التجريدي البحث الذي يعتبر نورمان مكلارن من رواده ، ولا ننسي الاشارة الي ما ذهب اليه البعض عندما اطلق علي روبرت فلاهرتي – رائد الفيلم التسجيلي لقب رائد مدرسة الشعر الطبيعي في السينما.

هذه الدراسة للكاتب يوسف يوسف التي يوضح فيها علاقة السينما بالشعر ويستدل بعدة افلام وامثلة في هذا الخصوص وببعض المخرجين وبعض الشعراء من العرب مثل بلند الحيدري  وكذلك امل دنقل . في بعض من الابيات والتي فيها التداخل بين لغتي الشعر والسينما واستثمار الاول الشعر – لعناصر السينما وفي الحدود التي تكفي لتوضيح غرض هذه المقاربة . وكيف الشاعر يقوم ببناء تصوير كامل . قوامه ما يعرف السينما بالمونتاج.

اذا تعرفنا فيما سبق علي ثنائية الشعر والسينما وان علاقة السينما بالأنواع الادبية ومن ضمنها  الشعر  علاقة قوية وستبقي مهيا للمزيد من الإثراء والبحث .

حقيقة ان السينما العالمية التي يغترف كتاب افلامها ارقي الاعمال الادبية قد قطعوا شوطا هائلا علي طريق كتابة افلام تناقش اعقد القضايا الفلسفية  ، لقد حققت السينما قفزات نوعية هائلة واضافة هامة في عالم السينما من خلال الاعمال الادبية التي جعلت من الافلام قطعا فنية وفكرية وجمالية لا تقل روعة عن اعظم اعمال الروائيين والمفكرين ، بما تمتلكه من امكانات هائلة ومن خبرات للمخرجين والمملين المدعين الذين يملكون قدرات استثنائية تمنحنا كل المتعة في المشاهدة .

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here