سعاد خليل: الحبكة والبناء الدرامي

سعاد خليل

عندما نقول البناء الدرامي كما هو معرف انه بنية او هيكل الاعمال الدرامية كالمسرحيات او دراما التلفزيون والأفلام، ولكن كلمة الحبكة ماذا تعني؟ وما هي مهمتها في البناء الدرامي؟

يقول ارسطو ان الحبكة هي روح المسرحية التي نتذكر احداثها وحواراها وشخصياتها، بمعني اننا نتذكر كل مكونات العرض المسرحي وعلاقة احدها بالأخر.

 فالحبكة هي ترتيب الاحداث بحيث يؤدي تفاعلها الي النهاية المحتومة، ويختلف ذلك عن القصة السردية، فالسرد ليست فيه حبكة اذا انه احداث يتلو احدها الاخر، ولكن يمكن ان يكون للسرد حبكة اذا رتبت وصيغت الاحداث بحيث يكون بينها ارتباط وعلاقة وسبب ونتيجة . يقول الروائي الانجليزي الشهير : ام فورستر : عن الفرق بين السرد والحبكة هو؟ مات الملك ثم ماتت الملكة ؟فذلك سرد قصصي ولكن ( مات الملك فماتت الملكة حزنا عليه ) فذلك حبكة، اذن الحبكة فيها سبب ونتيجة . وهكذا يتصورها المؤلف في ساعة الخلق وبالتالي ففيها بعض الصنعة والاختيار والترتيب والهدف كما فيها تتابع للأحداث وحركة وتنحو الحبكة نحو التكامل والوحدة والمعقولية وبذا يمكن القول ان الحبكة والبناء الدرامي وجهان لعملة واحدة.

سنلخص جزء من دراسة كتبها الدكتور جرجس الرشيدي عن الحبكة والبناء الدرامي :

تقول الدراسة ليكون البناء الدرامي متينا فعلي علاقة السبب والنتيجة ان تكون اساسية اذا بدونها لن يكون هناك صعود وهبوط في قدر الشخصيات وسرد الاحداث المتتالية فيخلو من النمط الذي بمقتضاه يتعقد الصراع حتي يصل الي الحل ولكن تجسيد الاسباب والنتائج يتبع نمطا واضحا تسير في هدثة احداث المسرحية .. وهذا يفسر ما يقول :من ان شكسبير استعار قصصه من الكتب المعروفة وبعض احداث التاريخ ولكن حبكاته كانت من نتاج قريحته هو. فكثيرا ما كان شكسبير يأخذ شخصية ثانوية من المصدر الذي استقي منه القصة شخصية مثل انوياريس في انطوني وكليوباترا او ياجو في عطيل) يضفي عليها طبيعة وصفة لا وجود لها في الاصل ويجعل منها مشارك في الحركة بحيث يؤثر سلوكها في حبكة المسرحية، وليبرز عامل الصراع يكون في المسرحية عادى بطل في صراع مع غريم – كان ذلك واضحا في مسرحيات القرون الماضية ولكن ما يزال النقاد يشيرون الي ثلاث انواع من الصراع:

صراع الفرد مع الفرد الاخر وصراع الفرد مع نفسه وصراع الفرد مع قوة او قوي خارجية مثل المجتمع او القوي الخارقة للطبيعة ويمكن اضافة صراعات اساسية اخري مثل صراع مجموعة من الناس مع مجموعة اخري او مع فرد واحد او قوة .

وهذه الصراعات لا تحدد الكيفية التي سينتهي بها الصراع ولكنها تحدد امورا قد تطرا جراء ذلك الصراع . وقد يكون في المسرحية اكثر من نوع واحد من الصراع ففي ( هاملت ) مثلا صراع بين البطل ونفسه وبينه وبين اناس اخرين مثل الملك كلوديوس ويوليونيوس ثم ان هؤلاء يكونون البلاط الملكي الدانماركي الذي يتصارع معه هاملت .

والحبكات انواع فمنها البسيط والمعقد ومنها المفرد والمزدوج ومنها المحكم وغير المحكم . والحبكة البسيطة فيها موقف واحد مباشر لا يتعقد كثيرا . وكثير من المسرحيات الحديثة من هذا النوع فتقدم موقفا تقطعه قوة جديدة تحدث صراعا ينتهي في النهاية بحل.

هناك ايضا الحبكة المعقدة التي ليست بالضرورة ضمان لجودة المسرحية بل ان بساطة او تعقد الحبكة يجب ان يكون نتاجا طبيعيا لما يحاول ان يقدمه الكاتب في مسرحيته . والامثلة التي تبين الفرق بين الحبكة المفردة والحبكة المزدوجة يمكن ان تستقيها من المسرح الاغريقي والمسرح الفرنسي الكلاسيكي الذي اقتفي اثرة، فهذه المسرحيات تقدم قصة واحدة قد تكون القصة نفسها معقدة ذات احداث شتي ولكن ترتبط كل هذه الاحداث ارتباطا مباشرا بجوهر القصة ففي مسرحية اسخليلوس ( تكبيل برومينيوس ) تجري الحركة الدرامية بأكملها فوق صخرة مهجورة في القوقاز يكبل اليها برومسيثيوس عقابا له لتجاسره بمساعدة بني البشر علي عصيان زيوس. وبالرغم من الاشارة الي احداث سابقة بل الي سرد كيف حدثت . وغيرها من احداث المسرحية التي تبدو اكثر بساطة من حبكات المسرحية الاغريقية اللاحقة فهي مجرد انتقام زيوس الذي لا يلين وتعذيبه لبروميثيوس ثم دفنه حيا في جب في باطن الارض.

تقول الدراسة عن حبكات المسرحيات الإغريقية اللاحقة انها تقترب من الحبكة التقليدية فكلها حبكات فردية لا يأتي فيها حدث اذا كان مرتبطا ارتباطا مباشرا بالقصة الاساسية . اما المسرحية ذات الحبكة المزدوجة فهي تتمثل في المسرح الإليزابيتي وما يليه، ففي تلك المسرحيات تسير قصتان جنبا الي جنب احدهما تكون الحبكة الرئيسية والأخرى الحبكة الفردية والكاتب الماهر يمزجهما ليبين العلاقة بينهما . كان شكسبير من امهر الكتاب في المزج بين الحبكة الرئيسية والحبكة الفرعية في كوميدياته وتراجيدياته .يشير الباحث الي مسرحية الملك لير والتي تعتبر من اشهر حبكة فرعية في مسرحيات شكسبير وهي قصة جلوستر فرغم ان ما حدث بين لير وبناته لا يحتاج في سرده الي جلوستر او الي ابنيه الا ان الحبكة المزدوجة توضح مغزي التيمة الرئيسية فالحبكتان تتداخلان وتؤكد احدهما الأخرى،وللحبكة الفرعية اثر قوي علي المتفرج ف يمكن ان نتصور الملك لير دون احداث عائلة جلوستر او دون أي من العشرين شخصية التي تزخر بهم المسرحية .

اما الفرق من الحبكة المحكمة والحبكة غير المحكمة فهو تطور حبكته، فالحبكة غير المحكمة هي تلك الحبكة التي لا يحاول فيها كاتبها ان يجعل لكل شخصية وكل حركة دور في تعقيد او حل الموقف . فالدراما الجامدة التي انتشرت في اول القرن العشرين وكثير من المسرحيات ذات الفصل الواحد للكتاب الايرلنديين من وات ذ الحبكة غير المحكمة . فاهتمام الكاتب اساسا بالشخصيات والمزاج والديكور ويمكن ان نصف حبكة مسرحيات الحركة التعبيرية بانها غير محكمة اذا ان التأثير المطلوب هو بالدرجة الاولي اطهار حالات انفعالية وخبرات فمثلا مسرحية يوجين اوتيل ( القرد ذو الشعر الكثيف )تتكون من مواقف متتالية يحتك فيها يانك بأشخاص متباينين يمثل كل منهم قوة او انفعال اكثر منه شخصية ولا يلعبون أي دور بعد ذلك في المسرحية . انهم فقط يسهمون في خلق حالة مزاجية وقتية وفي خبرات يمر بها يانك ..

والمسرحية ذات الحبكة المحكمة اذن هي تلك التي يسهم كل تفصيل في تعقيد الحبكة ولا تفسير في النهاية ويرتبط هذا النوع من الحبكة بالمسرحيات الفرنسية المتقدمة الصنع التي سادت في القرن التاسع عشر ثم انتقلت الي انجلترا ورفع لواءها سكريب وساردو في فرنسا وارثر بينير وهنري ارثر في انجلترا.

ان النقد عادة ما يوجه الي الحبكة المحكمة بمهارة علي اساس انها تضحي احيانا بالفكرة والشخصيات في سبيل اتقان الحبكة، وهذا لا يعني ان يمتدح الكاتب اذا اهمل الحبكة والا اضطر الي ان يحل عقدة الحركة بطريقة الية كما كان يحدث في بعض المسرحيات الاغريقية حين كان ينزل احد الالها من الة لكي يحل عقدة الحركة ويطلق علي هذه الطريقة في حل العقدة أي الاله النازل من الاله.

ومن الافضل ان تكون الحبكة من نتاج احتكاك الشخصيات فهي ليست نظام جامد لا روح فيه تتحرك في نطقه الشخصيات يتردد هاملت في قتل عمه : لأنه يبدو وكانه يصلي تتقدم الحبكة بسبب شخصية هاملت والموقف الذي وجد فيه كوديوس . وهكذا يقودنا الكلام عن الحبكة المتكاملة الي النظر في البناء الدرامي وكيفية الخلاص من الشد العصبي الذي يتولد من ارتفاع وانخفاض الاحداث . فسلسلة الاسباب والنتائج في الحبكة ليست تتابع لانهائي ولكن تطور تتجمع فيه الاسباب لتؤدي الي حدث كبير والي سلسلة من النتائج المتتالية .

ان اهم ما يميز الحبكة الجيدة هوان تكون كاملة أي ان نحس بتكاملها وبالوحدة العضوية في المسرحية والحبكة الجيدة تعتمد علي توالي السبب والنتيجة ولها ارتفاعات وانخفاضات تتمثل في معظم المسرحيات في تقسيمها الي فصول فالفصل قسم كبير من المسرحية يمثل جزء واضحا ومتكاملا من الحركة الكلية، ولكن ليكن من الواضح للقراء ان تقسيم المسرحية الي فصول لا يسهم في البناء المتكامل للحبكة بقدر ما هو انعكاس لها. فبالرغم من ان النقاد قد اشاروا الي انماط في البناء تتميز بها المسرحية ذات الفصول الخمسة او ذات الفصول الاربعة او الفصول الثلاثة التقليدية الا انه لا يمكن وضع نمط محدد لكل من هذه الانواع.

ومن الانماط التي يذكرها النقاد النمط الذي ساقه الناقد الالماني جوستاف فريتاج للمسرحية ذات الفصول الخمس التي سادت العصر الاليزابيتي وهو كالاتي : تقدم، حركة ترتفع لتؤدي الي الازمة او الذروة ثم تهبط مرة اخري حتي تصل الي المأساة. والتقديم يحدد مسرح احداث المسرحية وبداية الحركة ويمد المتفرج باقل قدر من المعلومات مجرد المعلومات مجدر المعلومات الضرورية ليتفهم ما يلي في المسرحية، ومن الوسائل التقليدية للتقديم فتح المسرحية علي شخصيات ثانوية تتحدث لتعطي معلومات عن الشخصيات الرئيسية والموقف الذي تعالجه المسرحية ومن الوسائل الناجحة الأخرى اعطاء دور للراوي او بدا المسرحية بمقدمة او برولوج. ان فتح المسرحية علي الشخصيات الرئيسية مباشرة يحتاج الي مهارة درامية كبيرة كالتي كان يتمتع بها شكسبير مثلا .

وعادة ما يكون الموقف المبتدي في المسرحي بادي الجمود الي ان يقطعه حدث مفاجئ خارجي او قوة خارجية تأتي عادة في شكل صيغة جديدة تعمل عمل العامل المساعد في التفاعلات الكيميائية اذ انها تثير حركة جديدة وردود فعل جديدة. وما يحدث بعد ذلك هو حركة صاعدة تشمل الفصل الثاني وجزء من الفصل الثالث في نمط المسرحية ذات الفصول الخمسة، وتزيد تتصاعد المسرحية وتدفع الاحداث الحركة قدما وتزيد من تعقيدات الحبكة، وتستمر الحركة في التصاعد حتي تصل الي الازمة او كما يسميها بعض النقاد نقطة التحول وهي النقطة التي تتجدد عندها الحركة حتي تتخذ مجري معينا في تدفقها . ويقال ان كل شيء في المسرحية يجب ان يؤدي الي ويتجه نحو الازمة وتتمثل الازمة في التراجيديا في ان يكتشف البطل شيئا يؤدي الي تغيير مجري حياته وبالرغم من ان الازمة ليست النقطة التي تنطوي علي اشد لحظات المسرحية انفعالا، الا ان ذلك يأتي بعد ذلك عند الذروة، الا ان الازمة هي النقطة التي تصل فيها الحركة إلي اكبر قدر من التعقيد حين تتلاقي الاسباب المتباينة والقوي المضادة لتحدد الاتجاه الذي تسير فيه الحركة في بقية المسرحية .

وما يأتي بعد الازمة او نقطة التحول يسمي الحركة الهابطة فهو نزول من نقطة التحول التي هي اعلي نقطة .والحركة هنا يجب ان تكون نتيجة منطقية وطبيعية للمؤثرات التي تكتلت في الحركة الصاعدة لتصل بها الي نقطة التحول .

وتبداء الحركة الهابطة احيانا بمشهد يريح المتفرجين من الشد العصبي كمشهد البواب في مسرحية ماكبث او عبث المهرج في مسرحية الملك لير او مشهد حفار القبور في هاملت ثم تزداد الحركة حيوية بأحداث تؤجل الكارثة او المأساة وتضفي علي الموقف اهتمامات جديدة وكأنها تغير من مجري الاحداث وفي التراجيديا قد تنبيْ بأمل في تجنب الكارثة . ويمكن تطبيق هذا النمط الدرامي في تحليل المسرحية اليونانية بغض النظر عن الفواصل الخمسة في شكل فصول . الا ان المسرح اليوناني يكتنفه هبوط اكثر من الصعود بخلاف المسرح الاليزابيتي او المسرح الحديث . ولذلك نجد ان نقطة التحول تأتي في المسرح اليوناني مبكرة وذلك لسببين اولهما ان الحركة تقتصر علي الساعات القليلة الاخيرة في القصة الكاملة وبذا يكون الكثير من الحركة الصاعدة قد حدث قبل ان تبدا المسرحية وثانيهما المسرحيات الحديثة التي عادة ما تتسم بالجدة التي تحتاج الي الكثير من الغرض ولو ان البناء الدرامي للمسرحيات الحديثة ابسط في مكنوناته .والمسرحيات الحديثة ذات الفصل الثلاثة لا تتبع نمط المسرحيات الكلاسيكية بل ربما تخط ما جاء بعد المسرح اليوناني من مسرحيات فهي تتنقل من التقديم الي النمو او الحركة الصاعدة الي قمة الارتفاع او الازمة ثم الي الكارثة او الانحدار او الخاتمة . ويميل بعض النقاد الي استعمال اصطلاحات اخري ربما تبين اكثر من غيرها ما تعنيه فيتحدثون عن التقديم او العرض والتعقد او الموقف والخاتمة او حل العقدة وهذا نمط عريض جدا يمكن تطبيقه في كل المسرحيات تقريبا بصرف النظر عن نوعها.

والتقديم والعرض يأتي في كل تصنيفات البناء الدرامي لان الموقف الذي تعالجه المسرحية يجب ان يقدم كما يجب ان يعرف المتفرجون معلوما عن الشخصيات، ويأتي التعقيد في الفصل الثاني ويشمل الاحداث التي تعقد الحبكة وتدفع الحركة إلي الامام . وينتهي الفصل في المسرحيات ذا الفصول الثلاثة عادة نهاية مثيرة تم تأتي في الفصل الثالث الحركة الهابطة التي تنتهي اما الي الكارثة او حل العقدة.

واختصار الإصلاحات الدرامية في نقد المسرح الحديث يوحي بان للكاتب حرية اكبر في البناء ولكنها تنم ايضا علي ان النمط الاساسي المشتمل علي العرض وشدة الاحداث والتعقيد والحل ما زال الاساس لأي بناء درامي. ومع ذلك ففي المسرح الحديث تنويعات علي هذا النمط ذي المراحل الثلاث وهي العرض والتعقيد والحل.

هذه الدراسة التي كتبها الدكتور جرجس الرشيدي، حاولت ان الخص منها اهم ما ورد فيها من تعريفات وبعض الامثلة التي تبين الحبكة و البناء الدرامي حيث نختم بتساؤل : اذا كان مسرح العبث الذي يتحدى الانماط الدرامية التي درج عليها الناس في امكانه ان يصمد للزمن او ان يغير من المفاهيم الدرامية ؟

ان عدد مسرحيات العبث التي كتبت ليس بالكثرة التي يتصورها الناس فهم يتذكرونها لجدتها ولغرابتها .

لقد تطورت المفاهيم المسرحية وعلينا ان نتناولها من وجهة نظر ميتافيزيقية تري الاشياء معزولة عن بعضها وثابته لا تتحول ولا يمكن ان نعتبر انفسنا منفصلين عن العالم ولابد من تطور المفاهيم وفق نظرية التطور التي نعيشها .

اذا نعود الي تعريفاتنا ومصطلحاتنا عن البناء الدرامي الذي يتكون من كلمتين هما بناء ودراما وكيف تكون الحبكة فيه مبنية علي اسس وقواعد مدروسة من قبل الكاتب المسرحي .

مجلة المسرح العدد السابع .

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here